تقارب أم تباعد في مؤشرات التنمية؟

02/09/2016 - 20:06 PM

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

تقوم نظريات التنمية على فرضية التقارب الزمني في التنمية بين الدول الفقيرة والأخرى الغنية. فالدول الفقيرة تنمو افتراضيا بنسب سنوية عالية أو أعلى، وبالتالي تقترب تدريجيا من الغنية. فعلا في الماضي تحقق التقارب السريع بفضل النشاطين السياسي والاقتصادي، كما بفضل الدور الكبير الذي لعبته مؤسسات التنمية تحت رعاية الأمم المتحدة. منذ زمن قصير، توقف أو تعثر التقارب عمليا وربما نقول أن هنالك تباعد أو أن فجوة الدخل بين بعض الدول الغنية وبعض الفقيرة كبرت بسبب السياسات المتبعة والظروف العالمية.

صعود "برني ساندرز" الى الواجهة في المنافسة الرئاسية

هذا ما يفسر الى حد بعيد ظهور اليسار من جديد حتى في الدول الغربية. صعود "برني ساندرز" الى الواجهة في المنافسة الرئاسية دليل على أن الأميركيين غير راضين عن النتائج الاقتصادية والاجتماعية في دولتهم. فوز "جايمس كوبرن" في قيادة حزب العمل البريطاني و"فرنسوا هولند" الاشتراكي في الرئاسة الفرنسية و"جاستن ترودو" في رئاسة الوزراء الكندية كلها أدلة على أن الشعوب في الدول الغربية غير راضية عن الاداء الاقتصادي لحكوماتها. الرضى لا يتوقف فقط على النتائج الداخلية، بل أيضا على ما يحصل دوليا من فقر وهجرة وسؤ معاملة للنازحين المظلومين وعدم احترام لحقوق الانسان وغيرها من المواضيع التي يتحسس لها الرأي العام الغربي والعالمي.

ليس صحيحا أن فترات سقوط تتبع دائما فترات ازدهار، وهذا مهم من ناحية تمويل التنمية الذي يبقى واجبا دوليا وليس وطنيا فقط. يشير العديد من الدراسات الى حصول فترات ازدهار متواصلة وطويلة، الا أن الدراسات تهتم بفترات السقوط التي تلي فترات ازدهار طويلة. هذا مهم اليوم، اذ أن بعض الخبراء يشيرون الى سقوط جديد للأسواق تلي فترة النهوض التي تحصل منذ 2010. هذا ليس ضروريا بل أن احتمالاته قليلة ولا تتعدى 10%.

أهداف التنمية الدولية الحالية

في كتاب "جفري ساكس" عن "التنمية المستدامة"، يعدد الاقتصادي أهداف التنمية الدولية الحالية التي ما زالت بعيدة وتبقى حلما وهي 8: الغاء الفقر والجوع، تأمين التعليم الابتدائي للجميع، تحقيق المساواة بين الرجال والنساء عبر تحسين أوضاع المرأة، تخفيف وفيات الأطفال، تحسين أوضاع الأمهات المنجبات، محاربة الأمراض الجرثومية، احترام البيئة وتحقيق تعاون دولي لأهداف التنمية. نرى جميعا أن المجتمع الدولي يبتعد كثيرا عن العديد من هذه الأهداف ليس فقط بسبب عدم القدرة على المواجهة، بل سبب عدم الرغبة في العديد من الأحيان. لذا يحتاج العالم الى قيادات وجو جديد يسمح للتنمية بأن تتحقق ويخفف من أوجاع الشعوب ليس فقط في منطقتنا وانما عالمياً.

لماذا يخف النمو في الدول النامية والناشئة وبالتالي تكبر الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة أو أقله تكبر الفترة الزمنية الضرورية لتحقيق التقارب بين الأوضاع في المجموعتين؟ اذا قارنا مثلا أرقام اليابان المتقدمة مع أندونيسيا الناشئة بين فترتي الستينات والسنوات الخمسة الأخيرة، نرى أن نسبة الناتج الفردي الأندونيسي من الياباني كانت 2,74% ووصلت الى 4,63% اليوم وهو تقدم مهم الا أن التقارب ما زال بعيدا جدا.

المشكلة أكبر اذا قارنا أرقام الهند مع اليابان للفترة نفسها، نرى أن نسبة الناتج الفردي الهندي من الياباني تطور من 2,31% الى 3,02% خلال 50 سنة وهذا لا بأس به الا أن التقارب مجددا يبقى بعيدا كثيرا.

هنالك 4 أسباب لتعثر النمو في الدول الأسيوية الناشئة

يقول الاقتصادي "ستانلي فيشر" وهو نائب حاكمة المصرف المركزي الأميركي أن هنالك 4 أسباب لتعثر النمو في الدول الأسيوية الناشئة والتي يمكن تعميمها مع بعض الفوارق على المناطق الأخرى:

أولا: انخفاض الطلب العالمي على السلع والخدمات بسبب الأزمات الاقتصادية الكبيرة آخرها ما حصل بدأ من سنة 2008. ينعكس انخفاض الطلب على أسعار المواد الأولية من غذائية ومعدنية، وأهمها النفط الذي انحدر الى مستويات لم يكن بالامكان توقعها. بما أن الدول النامية والناشئة بمعظمها تعتمد على المواد الأولية، تضرر وضعها وخفت ايراداتها وبالتالي تأخرت في نموها وتنميتها. طبعا لا يكون الحل بالضرورة بعودة أسعار المواد الأولية الى سابق عهدها، وانما بتغيير طرق ووسائل الانفاق في الدول المعنية بحيث تنوع انتاجها لمصلحة شعوبها.

ثانيا: عموما، ترتفع نسب النمو عند بدء عمليات التنمية وتخف فيما بعد وهذا ما يحصل في رأي "فيشر"، الا أن هذا اذا انطبق على بعض الدول الأسيوية، لا يمكن ان ينطبق على دول منطقتنا أو أفريقيا أو حتى أميركا اللاتينية.

ثالثا: نمو التجارة العالمية بفضل العولمة والاستثمارات المشتركة مع الشركات الغربية وتقسيم الانتاج على مراحل جغرافية والتواصل القوي بين المناطق. شكلت هذه الوقائع ثورة في الانتاج على مدى عقود سابقة واستفادت منها أسيا الى أقصى الحدود. لا ينطبق هذا الواقع بالدرجة نفسها على المناطق الأخرى التي لم تستفد كما كان متوقعا من العولمة بل عانت أحيانا من مساوئها. ربما تفتقد هذه الدول الى بعض المزايا الأسيوية المرتبطة بالثقافة والقوانين.

رابعا: التغيير الديموغرافي الحاصل في الدول النامية والناشئة والذي لا يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية وبالتالي يزيد الفقر حدة. هذا ما تنبهت اليه الصين منذ عقود وفرضت سياسة "الولد الواحد" والتي أعطت نتائج سلبية وايجابية. الآن عدلتها وسمحت بانجاب ولدين بعد ان فازت السلبيات على الايجابيات فحان وقت التغيير.

اذا قارنا بعض الدول الأفريقية بالمتقدمة، لا شك أن التباعد يظهر بشكل أوضح. المهم ما هي الاصلاحات المجربة التي يمكن للدول النامية والناشئة اعتمادها لتسريع نموها حتى لو بقي التقارب الزمني بعيدا؟ الأهم هو تحسين أوضاع الشعوب حتى تخف الأمراض من "زيكا" وغيرها وتقف الهجرة المدمرة وغير الشرعية وتتحسن أوضاع الفقراء.

أولا: اصلاحات في القطاع المالي والمصرفي وتطوير الأسواق المالية بحيث تخدم الشركات الفردية والصغيرة والمتوسطة. يتوجه العالم اليوم نحو تأمين التمويل الضروري والكافي للمبدعين المخترعين في كل الميادين. التركيز على الابداع ضروري بدأ من المدارس الى الجامعات وهذا ما تميزت به دول ومجتمعات عديدة غير غنية بالضرورة. يجب تشجيع الطاقات الشابة على الانتاج والابداع لمصلحة المجتمع الدولي.

ثانيا: اصلاحات في الأنظمة التجارية التي تسهل التبادل السلعي بين المناطق. الاصلاحات الجمركية ليست سهلة خاصة وأن الفساد يضرب معظمها وتختلط فيه مصالح الادارة السياسية بالتجارية لتصبح عملية الاصلاح في غاية الصعوبة. ضرب الفساد كليا غير ممكن، الا أن التخفيف منه ممكنا والاعذار التي تعطى من حين لآخر غير منطقية وغير مقنعة. تحتاج التجارة أيضا الى بنية تحتية متطورة كي تصبح فاعلة. هنالك دول نامية وناشئة تنقصها الايرادات دون شك، الا أن المشكلة الأكبر تكمن في سؤ انفاق الايرادات الموجودة بحيث يهدر معظمها بسبب الفساد وتضارب المصالح والسرقات بكل ما في الكلمة من معنى.

ثالثا: اصلاح المؤسسات كي تعمل لمصلحة الشعب والاقتصاد. المقصود بالاضافة الى المؤسسات السياسية الأساسية من رئاسة وحكومة ومجلس النواب، المؤسسات المالية والنقدية والاجتماعية التي لا يمكن التقدم من دونها. لم تنتقل أي دولة من وضع نام وناشئ الى وضع متطور من دون اصلاح جذري لمؤسساتها العامة. الأمثلة عديدة بدأ من سنغافورة الى المكسيك وحتى اليابان وايرلندا.

رابعا: تحسين وتطوير اداء الأسواق جميعها أي تطوير المنافسة وحمايتها منعا للاحتكار وحماية لحقوق المستهلكين. أسواق العمل من صلبها، أي أن الدول التي تحترم نفسها تحمي حقوق العمال أي تمنع استغلالهم وتساعدهم في الدفاع عن حقوقهم منعا للظلم الذي يحصل في كل الدول. لا يمكن تطوير أي اقتصاد من دون التحديث المتواصل لقوانين العمل.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment