الاقتصاد الصيني في مأزق؟

01/26/2016 - 23:41 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

بداية 2016 كانت سلبية في الأسواق المالية.  سقط مؤشر أسهم بورصة شانغهاي 6,9% في يوم 41 و 7% في نهار 71، فتأثرت سلبا كل البورصات العالمية بما فيها الأميركية مما يشير الى دور اقتصادي جديد للصين.  بلغ النمو الاقتصادي الصيني 7,5% في سنة 2015 ومن المتوقع أن ينخفض الى 6,5% هذه السنة.  خفض "اليوان" الذي لم يعد مربوطا فقط بالدولار بل بسلة من العملات.  خفض لتعزيز الصادرات، مما انعكس سلبا على الاقتصاد العالمي لأن المستثمرين خافوا من حروب نقد تدمر التجارة والاستثمارات العالمية.  من المرجح أن يخفض "اليوان" أكثر هذه السنة نتيجة انخفاض النمو الصيني، كما لتعزيز التنافسية تجاه العملات الأخرى كاليورو والين.  شكلت هذه الفترة الانتقالية مصدرا للتقلبات والخوف الدوليين في ظل التعثر الأوروبي والانعزال الياباني والطموح الصيني.  في الواقع تخضع الصناعة الصينية كما القطاع العقاري الى تعديلات هيكلية في الانتاج والأسعار يضاف اليها نمو قطاعي الاستهلاك والخدمات كما ارتفاع الأجور ودخل الأسر.  يتحول الاقتصاد الصيني تدريجيا من اقتصاد مبني على الانتاجين الصناعي والزراعي كما على الادخار، الى آخر مبني على الانفاق والاستهلاك وتعزيز الخدمات مما ينعكس ايجابا على العمالة وتخفيضا للبطالة.

لذا تمر الصين اليوم في مرحلة اقتصادية انتقالية صعبة تنعكس على المجتمع والسياسة والدور الدولي المطلوب للصين.  انخفاض النمو السنوي من 12% الى 7% ليس بالأمر السهل في مجتمع اعتاد على تحقيق الغنى السريع لعقود خلت.  في الأشهر السبعة الأولى من سنة 2015، انخفض حجم التجارة الصينية 7,3% علما أن الصادرات انخفضت 8,8% والواردات 8,6% في شهر تموز فقط.  ينخفض التضخم خلال 42 شهر متواصل بسبب ضعف الطلب.  انخفض الاحتياطي النقدي من 3,99 ألف مليار دولار الى 3,65 ألف مليار دولار خلال سنة.  ضعف النمو يوعي الشعب ويدفعه الى المطالبة بحقوق سياسية تنعم بها دول عدة حتى في أسيا.  لذا يشعر القادة الصينيون بالقلق حيال التغيرات السريعة التي تمنعهم عمليا من توسيع دور الصين في الاقتصاد والسياسة الدوليين.  يحاول القادة الصينيون تقوية الدور الصيني عبر العمل الجدي الصامت دون الرغبة في المواجهة المباشرة مع الغرب بانتظار التحضير الأفضل.  يحاول القادة الصينيون تقوية الصين من الداخل عبر التنمية وتحسين أوضاع المدن كما الريف، قبل الشروع في المواجهة الدولية التي ستكون سياسية واقتصادية قبل أن تكون عسكرية.  الغرب واع جدا لهذه التحضيرات الصينية ولن يدع الصين ترتاح، هذا طبعا اذا استطاع ذلك.

قال الزعيم السابق "دنغ هسياو بينغ" أن "على الصين تخفيض بريقها وتعزيز غموضها وتعميق تواضعها وتقوية رغبتها في التعاون الدولي".  "على الصين تقوية اقتصادها بهدؤ وصمت دون أن تسبب اعتراضات او ردود فعل مناطقية ودولية".  تعاني الصين اليوم أكثر من أي وقت مضى من مساوئ الفساد وانعكاس أوضاعها الاقتصادية سلبا على البيئة والتلوث كما على فجوة الدخل والثروة بين طبقات الشعب.  هنالك 5 وقائع يمكن أن تصف الدور الصيني:

أولا:  بدأت الصين بالتأثير دوليا ليس فقط عبر مجلس الأمن وانما عبر المصرف الأسيوي الاستثماري الذي بدأ العمل حديثا ليعطي الصين دورا ماليا كبيرا ليس فقط في أسيا وانما عالميا.  تشكل منطقة أسيا – المحيط الهادئ نصف الانتاج العالمي، مما يفسر المنافسة الدولية عليها كأسواق مرنة متحركة وكمصدر للاستثمارات.  تتحول الصين تدريجيا من منفذة للقواعد والقوانين الدولية الى واضعة لها، وهذا تغير كبير تحلم به كل دولة.  الأوضاع السياسية الداخلية دقيقة، اذ يبقى الحزب الشيوعي هو الحاكم مما يدفع القيادة الى التكلم بحزم في الخارج دفاعا عن المصالح الدولية التي تنعكس ايجابا في الداخل.

ثانيا:  شاءت الصين أم أبت، رغب المجتمع الدولي أم كره، فالصين هي اليوم في مواجهة هادئة لكن جدية مع الولايات المتحدة.  هنالك منافسة في النفوذين السياسي والاقتصادي المؤثرين على الواقع كما على النتائج عالميا وخاصة في أسيا.  فالقوة لا تغير الأشخاص فقط، لكنها تغير الدول أيضا.  يقول المحلل "فريد زكاريا" أن هدف التنمية يبقى المشروع الرئيسي والأساسي للقيادة الصينية وان لم يكن الوحيد.  لا يمكن لهذه القيادة أن تعرض الانجازات الاقتصادية للخطر في سبيل الطموح السياسي الذي يمكن تأجيله.

ثالثا:  لا شك أن الولايات المتحدة واعية جدا للطموحات الصينية وهي قادرة اليوم على مواجهتها في كل الميادين بما فيها العسكرية.  تعرف أميركا أن للصين مصالح اقتصادية دولية وسياستها الخارجية تهدف حكما الى حماية وتطوير هذه المصالح.  لكن أميركا تعاني اقتصاديا وماليا عبر عجز الموازنات وارتفاع الدين العام الى ما يفوق الناتج المحلي الاجمالي.  كي تبقى أميركا قوية على المدى البعيد، عليها معالجة الخللين المالي الداخلي والخارجي أي عجز الحساب الجاري المؤثر سلبا على الدولار.

رابعا:  تأخذ المنافسة الصينية الأميركية أشكالا عدة منها العسكري حيث تنافس البحرية الصينية الأميركية في غرب المحيط الهادئ.  المعلوم أن 90% من التجارة السلعية العالمية يتم عبر البحار، ولا يمكن لأي قوة دولية التساهل بشأنها.  هنالك منافسة سياسية تقوى في كل القارات ومنها في الشرق الأوسط، وان لم يكن الصوت الصيني مرتفعا بعد بسبب المصالح.  في نفس الوقت، نرى أن الصين بادرت الى توقيع اتفاقيات كبيرة وعديدة مع ايران، وهي ستستفيد جدا من الانفتاح الايراني الجديد كما تفيد ايران أيضا.

خامسا:  لأول مرة، هنالك منافسة نقدية كبيرة بين الصين وأميركا.  سقوط الأسواق في بداية هذه السنة بسبب تخفيض سعر اليوان وتدني النمو الاقتصادي الصيني يظهر للمرة الأولى التأثير العالمي للصين على الاقتصاد الدولي.  "اليوان" أصبح نقد رئيسي عالمي، ودخل ضمن نقد صندوق النقد الدولي تماما كما هو حال الدولار واليورو والين.  لم يعد الدولار النقد الوحيد الذي يدير الاقتصاد العالمي، بل أصبح يتنافس مع الصيني بعد ان مرض اليورو وضعفت اليابان الى حدود لم يعرفها العالم من قبل.

لا شك أن الصين تتغير بشكل مختلف عن ما قبل.  من الأمثلة المهمة هي مسابقات ملكات الجمال التي كانت ممنوعة بل اعتبرت في زمن المؤسس "ماو تسي تونغ" مهينة وتشير الى السقوط الثقافي الغربي.  انفقت الحكومة 30 مليون دولار لانشاء مقر لمسابقات ملكات الجمال التي تتم دوريا في الصين.  يقول الصينيون "الق نظرة ثانية قبل ان تنفذ، فهي لا تكلف شيئا".  تحتاج الصين الى اصلاحات كبيرة وكثيرة خاصة في الميادين الثلاثة التالية:

أولا:  هنالك اصلاحات مصرفية مطلوبة داخل ميزانياتها بحيث تتوازن آجال الودائع مع القروض.  الودائع قصيرة الأجل والقروض طويلة الأمد مما يؤثر سلبا على السلامة المصرفية.  يجب تحسين الادارة المصرفية في التعليم والممارسة.

ثانيا:  ميزانيات الشركات تحمل ديونا كبيرة نسبة لرأس المال، مما يعرض سلامتها ويمكن أن يدفعها الى الافلاس.  هنالك ضرورة لنشر ثقافة الادارة السليمة ضمن مجتمع الأعمال.  هنالك دور كبير لكليات ادارة الأعمال في تصحيح هذا الخلل المزمن.

ثالثا:  هنالك سؤ توازن بين القطاعين العام والخاص من ناحية سهولة التمويل لمصلحة الأول، وهذا يعيق تطور القطاع الخاص الذي يشكل ركيزة النمو الاقتصادي الصيني.  لا بد من قلب الدور ضمن التفكير الاستراتيجي الصيني الجديد.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment