سيادة الدول اليوم

10/03/2019 - 10:38 AM

Alferdows Travel

 

فؤاد الصباغ*

إن المتغيرات الدولية الحالية أوحت لنا بأن العالم أصبح مريضا ويعاني من تراكم الأزمات السياسية والدبلوماسية وأيضا الاقتصادية. بالتالي تحول المشهد السياسي في إدارة العلاقات الدولية إلي صراعات وتجاذب قوى إقليمية او دولية منها الإملاءات الخارجية أو التهديدات بالوضع علي القوائم السوداء وأخطرها إنتهاك الحدود والسيادة الوطنية والترابية وتنفيذ عمليات إجرامية. إذ لتعريف مفهوم السيادة الوطنية يجب علينا تحديد الإطار الذي يشمل مفهوم السلطة والدولة في ممارسة الحكم وبسط النفوذ والسيطرة علي الحدود وحماية مكاسب الشعب إقتصاديا، سياسيا وأمنيا.

كما تعتبر السيادة الوطنية في مفهومها الكلي الخط الأحمر الذي لا يجب علي أي طرف من الأطراف الدولية تجاوزه وذلك في إطار إحترام المبادئ العامة للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. إن الصراعات التي يشهدها العالم اليوم علي الصعيد الإقتصادي والسياسي للسيطرة علي أكبر جزء من كعكة النفوذ أصبحت في مجملها من أكبر التهديدات والمخاطر علي سيادة الدول اليوم.

إذ علي الرغم من حفاظ بعض الدول علي ثوابتها مثل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لبعض الدول الأخرى ونصرة القضايا العادلة وتغليب منطق الحوار والتسامح علي منطق العنف والحروب وذلك من أجل الحفاظ علي الأمن والإستقرار الدولي، إلا أنها أصبحت أغلبها تعاني من حروب ذات طابع تخريبي جديد منها الحروب الإقتصادية، الإعلامية والنفسية الخارجية التي في مجملها تمس من سيادتها الوطنية وتدمر مكاسبها الإقتصادية.

إذ في هذا الصدد تبين للعالم وحشية بعض الأنظمة العالمية خاصة منها روسيا الإتحادية والولايات المتحدة الأمريكية وبدرجة أقل دولة إسرائيل والإتحاد الأوروبي في إدارة علاقاتها الخارجية مع بقية دول العالم وخاصة منها الفقيرة والضعيفة. إذ أصبحت الحروب الحديثة تشن بالوكالة عن طريق عمليات إرهابية أو عملاء في المنطقة أو عبر ممارسات سياسية لتغليط وتأليب الرأي العام المحلي والدولي. كما أصبحت تلك الأعمال التخريبية كلها تمثل تهديدا مباشرا لسيادة الدول اليوم بحيث تؤدي إلي عدم إستقرار المنطقة العربية برمتها.

ولتناول هذه الظاهرة من الجانب الإقتصادي نذكر منها دور مؤسسات البريتون وودز وهي بالأساس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية من أجل إرساء الإستقرار في المنظومة المالية العالمية والأسواق المالية أو لتقديم قروض للتنمية والإعمار. إلا أن تلك المؤسسات تحولت بالأساس إلي قاعدة إقتصادية لإحتلال بعض الدول وذلك بإغراقها في القروض والديون والإملاءات قصد إعادة تأهيلها الشامل والإصلاحات الهيكلية والإدارية المزعومة والتي في أغلبها تخدم مصالح جهات معينة تتماشي مع أجندتها وبرامجها الإستعمارية من البوابة الإقتصادية.

أما من الجانب السياسي والأمني والعسكري فحدث ولا حرج عن فنون إنتهاك السيادة الوطنية لبعض الدول. وللعودة لذكر لمحة تاريخية سريعة عن الجهات الأكثر إنتهاكا لسيادة الدول نذكر منها المنظمات الإرهابية بما يسمي تنظيم الدولة الإسلامية داعش والذي تبين أنه تنظيم داهس علي نفوس الأطفال والشيوخ والأرامل والثكالى والمساكين بحيث دمر حضارات وشرد شعوب وخرب دول منها العراق وسورية، وأيضا دولة إسرائيل بجميع أجهزتها الأمنية والعسكرية والإستخباراتية عبر تلك العمليات الإغتيالية من فادي البطش إلى محمد الزواري والعديد من الشخصيات البارزين والعلماء والمفكرين.

إذ في البداية نلاحظ تحول المشهد العالمي إلي عمليات دهس وتفجيرات إرهابية ترهب وترويع الأطفال والشيوخ والنساء الحوامل ومن أبرز ضحايا تلك العمليات نذكر بلدان الإتحاد الأوروبي وخاصة منها فرنسا وألمانيا وبريطانيا التي مازالت إلي يومنا هذا تعاني من مثل تلك العمليات الإرهابية الإجرامية التي تنتهك سيادتها وحرمتها الوطنية إما بالدخول سرا لإحدى الدول الأوروبية نظرا لسهولة الحركة داخل دول الإتحاد الأوروبي أو عبر تجنيد عملاء من أبناء الوطن بالتبني اللذين يحملون جنسيات مزدوجة. إن الإرهاب الإسلامي الدولي أصبح من أخطر التهديدات التي تنتهك سيادة الدول العالمية.

بالتالي يوفر هذا النوع من الإجرام العالمي غطاء دولي وأممي للقوي العظمي بإستعمال القوة المفرطة والدخول في حروب مباشرة وصراعات إقليمية تخدم مصالحها بالأساس في المنطقة العربية التي تشهد بدورها فوضي وخراب عارم نتيجة لتلك الثورات التي لم تنتهي إلي حد الآن أو تلك الإنقلابات العسكرية أو الإعتصامات المتزايدة والمتواصلة أو الأخطر العصيان المدني والتمرد الشعبي عبر الإضراب العام الذي يشل جميع دواليب الدولة ومرافقها الإقتصادية الحيوية.

أما بالنسبة لدولة إسرائيل "الماسونية والصهيونية" فهي بالأساس تعتمد علي أساليب هجومية إستباقية بالتعاون مع ضباطها الأمنيين في مجال الإستخبارات في جميع دول العالم وذلك عبر القضاء بصفة نهائية وبالضربة القاضية علي أي مصدر تهديد مباشر يمس بمصالحها وأمنها "إستراتيجيا ومستقبليا"، نذكر منها بعض عمليات الإغتيال التي وقعت في تونس سنة 1988 عبر إغتيال خليل الوزير المعروف بأبو جهاد وسنة 1993 بإغتيال أبو إياد المعروف بصلاح خلف وإغتيال محمد الزواري مؤخرا سنة 2016.

أما بخصوص القوى العظمي منها روسيا الإتحادية والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا الإستعمارية فحدث ولا حرج عن أساليب إنتهاكها للسيادة الوطنية لجميع دول العالم بدون إستثناء بحيث تمثل في مجملها الجانب الأخطر لن معظم دول العالم أصبحت تحت تهديد أو وصاية مباشرة لتلك القوي العظمي التي أصبحت تنتهك سيادتها الوطنية الترابية، الجوية والبحرية ليلا ونهارا.

ولعل من أبرز تلك العمليات نذكر الزيارة المفاجئة التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلي القاعدة العسكرية عين الأسد كوباني أواخر سنة 2018 ليحتفل مع قواته العسكرية برأس السنة الميلادية والتي أثارت ضجة في الدوائر الإعلامية والصحفية نظرا لدخوله الأراضي العراقية سرا ليلا ومغادرته منها ليلا بدون مقابلة أي مسئول دولة بالعراق.

أيضا نذكر دخول بعض القوات العسكرية الفرنسية إلي تونس عبر الحدود الليبية بدون سابق إنذار مبكر إلي السلطات المحلية خلال هذه السنة 2019. كذلك تزايد تدخلاتها في الشؤون الداخلية لجميع دول المغرب العربي الكبير عبر بسط وصايتها علي مستعماراتها السابقة وفرنستها وإدخالها إلي بيت الطاعة عبر إملاء القرارات الصادرة من قصر الإليزيه والتي تذكرنا بأيام الحماية سنة 1881 و"جيل فيري ومانداس فرانس".

أما القوات العسكرية الأمريكية أوالمشتركة فهي أصبحت منتشرة مثل المخيمات في كامل أرجاء العالم منها "قاعدة طانطوان بالمغرب" للتجسس والتنصت علي جميع دول المغرب العربي والأهم "قاعدة قوات أفريكوم" المشتركة في شمال إفريقيا التي تقود عمليات التدخل السريع مثل عزرائيل للقضاء علي أي نظام لا يتماشي مع طموحاتها و"قاعدة العتديد بدولة قطر" للسيطرة علي دول الخليج العربي والإنتهاكات المباشرة للمياه الإقليمية الخليجية.

كذلك تذكرنا تلك الأعمال الإستعمارية وإنتهاك السيادة الوطنية بتعين أول رئيس أمريكي علي دولة عربية وهو"بول بريمر" بعد الإطاحة بالنظام السابق العراقي لصدام حسين سنة 2003. عموما أصبحت سيادة الدول اليوم علي محك المساومة والمقايضة بين الدول العظمي من أجل الإستحواذ علي أكبر جزء من كعكة النفوذ الدولي والإستيلاء علي الثروات الطبيعية الوطنية مثل النفط والغاز لتلك الدول المنهوبة.

أما اليوم فقد أصبح الملف السوري والليبي واليمني من أبرز القضايا الدولية التي تشهد مساس مباشر بسيادتها الوطنية والتي تتشارك فيها نوعية جديدة من الحروب المتطورة عبر وسائل الإعلام أووسائل التواصل الإجتماعي قصد تحقيق أهداف كبري بأقل خسائر ممكنة. إن تلك الصراعات الإقليمية التي تنتهك سيادة الدول عبر الحروب الإعلامية والنفسية والإقتصادية لها أغراض سياسية من أهمها الإستحواذ علي الغنيمة الإستراتيجية والمالية إما قصد تحقيق أهداف جيوسياسية أوالإستفادة من العوائد المالية البترولية.

*كاتب تونسي و باحث اقتصادي

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment