دمعة ٌ بليغة

01/21/2016 - 21:05 PM

 

 

الدكتور حاتم عيد خوري

ضمّنتُ مقالي الأخير ( بعنوان "أيصلح العالَم؟") قصة َ العالِم وحفيدِه. العالِمُ الذي كان يبحث عن طريقةٍ لتصليح عالَمِنا الغارقِ في مشاكل مصيرية ملحّة عديدة كقضايا تلويث البيئة والاحتباس الحراري والحروب والأمراض والمخدّرات إلخ...والحفيدُ الذي اكتشف أن العالَم يُصلَّح عندما يُصلَّح الإنسانُ، ممّا جعلني أختتم مقالي بالجملة التالية: "هيّا نصلِّح أنفسَنا عسى يُصلَّح عالَمُنا". يبدو لي أنّ هذه الخاتمة قد جعلت أحدَ القراء، وقد التقيتُه صدفة في سهرة بيتية، "يتهمني" بأنني أحمّلُ قرائي أكثرَ ممّا بوسعهم. فالحديث حسب رأيه، هو عن مشاكل عالميةٍ كبيرةٍ تُحلّ بقرارات سياسية، إذ لا قِبَل لمواطنٍ فردٍ عاديٍّ بمعالجتها، وبالتالي فإنّ التوجّه إلى القراء لن يُجدي نفعًا.

فكرتُ للوهلة الأولى أن أبدأ بعرض وجهة نظري وقناعتي بأنّ دَورَ المجتمع بأسرِه، هو حصيلةُ دَورِ الأفراد وبضمْنِهم، قَطْعًا، الأفرادُ العاديّون، مستشِهدًا بعشرات الأمثلة الواقعية المتوفرة التي تزخر بها حياتُنا اليومية، سواء أكان هذا على مستوى مكان العمل أو الأسرة أو الحارة أو القرية أو المدينة أو الدولة أو القارّة أو حتى العالم بأسره. وبالتالي لو حرص كلٌّ منّا، مثلًا على القيام بمهامّ عمله والمحافظة على صحته وصحة أسرته وصيانة بيئته القريبة وعلى تصنيف مخلفات مطبخ بيته تمهيدًا لتدويرها، وعلى توفير الماء المستهلَك، وعلى انتخاب القيادات السياسية والإدارية العقلانية الحكيمة وعلى..وعلى..لأصبح عالمنا أفضل.

 أقول.. فكرتُ أن أقول كل ذلك ولربما أكثر بكثير، لكنني أحجمتُ عن قوله، لأني خشيتُ أن يفهمني محدثي كمَنْ يوزّعُ نصائحَ على الآخرين، فينطبق عليّ القولُ المأثور: "أكثرُ الناسِ نصحًا أحوجُهم إليه"، أو أن يطول حديثي "وآخذ المسرح" على حسابي، فأبعثُ في نفوس المستمعين، مللًا أكرهُه وأتحاشاه. ولذلك قلتُ لمحدثي: دعني أروي لك القصة الحقيقية التالية تاركًا لك أن تستنبط منها ما تريد:

كان مكتبي أثناء فترة عملي في إدارة بلدية حيفا، مجاورًا لمكتب زميل لي في إدارة البلدية. درجْنا على التلاقي قبل ساعات الدوام الرسمي مرّتين في الأسبوع، لتنسيق بعض الأعمال المشتركة ولاحتساء فنجان قهوة ولتبادل أحاديث تفرضها عادة الأحداثُ المستجدّة. كنتُ أرتاحُ لمجالستِه رغم تباين مواقفنا السياسية وانتمائنا القومي. تغيّب زميلي هذا عن لقائنا المألوف مرّتين متتاليتين. علمت ُ أنه قيد العلاج في مستشفى رمبام في حيفا، وذلك في أعقاب تعرضه ليلًا لوضع صحي طارىء اقتضى نقلَه إلى المستشفى. سارعتُ إلى زيارته. كان مضطجعًا في سريره في قسم الأمراض الباطنية. بدا متعبًا قليلًا، لكنه استقبلني بابتسامة عريضة، قائلًا لي ردّا على سؤالي عن صحته: "نُقلتُ إلى هنا فاقد الوعي. بعد يوم واحد، أفقتُ من غيبوبتي. عندما عرفتُ أن الطبيب المشرف عليّ مباشرة، هو طبيب عربي، شعرتُ بارتياح. أتدري لماذا؟".

اعتراني للتوّ ظنٌّ وبعض الظن إثم ، أنّ الرجل أي زميلي هذا، يريد أن يجاملني ولربما يريد أن يتزلف إليّ. فقلتُ له مُخْفيًا مشاعري: " ومن أين لي أن أدري. بودّي أن أسمع منك". فقال: " شعرتُ بارتياح لسببين: "أولا، قلت لنفسي إن هذا الطبيب العربي ينبغي أن يكون لامعًا مهنيًّا، وإلا لمَا كان مستشفى رمبام، وهو من أرقى وأكبر المراكز الطبية في بلادنا، يوافقُ على استيعابه وتشغيله. أما السبب الثاني فهو أن هذا الطبيب بدا لي شابًّا بعمر ابني، ولا بدّ أن يكون والده بعمري أنا. وبالتالي، توقعتُ أن يهتمّ بي ويحترمني كما يحترم أباه، لأنكم أنتم العرب ما زلتم تحافظون على شعلة احترام الوالدين". قلت لزميلي بدعابة لا تخلو من الخبث البريء: "أرجو أن لا يكون هذا الطبيب العربي قد خيّب توقعاتك". أجابني بانفعال بيّن: " لقد منحني فوق توقعاتي و..".

توقف زميلي فجأة عن متابعة كلامه تاركًا لدمعةٍ منزلقةٍ على خدّه، فرصة َ التعبير عن مشاعره.....وعن مشاعري أيضًا، لأنها جرفت معها الآن اسمَ الطبيب من ذاكرتي، كما غسلت آنذاك وجهَ العالَمِ من حولي، فبدا أرقّ وأبهى وأجمل.....

Hatimkhoury1@gmail.com

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment