لماذا الانفاق على الفضاء؟

09/22/2019 - 18:41 PM

Alferdows Travel

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة     

ينفق العديد من الدول مليارات الدولارات على اكتشاف الفضاء في وقت يعم خلاله الفقر كل أنحاء الكرة الأرضية. المشكلة أن وقف الانفاق على الفضاء لا يعني بالضرورة الانفاق أكثر على التنمية. في الولايات المتحدة مثلا وخلال حرب فيتنام (1955 – 1975) خفضت موازنة "النازا" الفضائية 50%. أيهما أفضل الفضاء أم الحرب والقتل؟ الجواب بديهي مما يعني أن معالجة حجم الانفاق على الفضاء معقد وله أبعاد عدة متناقضة ومتضاربة. في كل حال قرار الانفاق هو سياسي شعبي اقتصادي يغطي قطاعات عدة وأهداف مختلفة.

من يملك الفضاء ومن له الحق في الاستثمار والاكتشاف؟ من يعطي الأذونات للذهاب الى الفضاء وأخذ العينات من الكواكب وتحليلها للاستفادة المباشرة؟ هل الفضاء ملك الكرة الأرضية ومن عليها أم هنالك ضرورة لتنظيم هذه المغامرات الخطيرة بنتائجها ومعانيها. ما هو جدوى هذا الانفاق وهل كان ممكنا استثماره في التنمية ومحاربة الفقر حتى في الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة؟ هنالك وجهات نظر متعددة تجاه هذا الموضوع ويمكن الدفاع عنها جميعها خاصة اليوم في ظل الموجة العالمية المطالبة بترشيد الانفاق العام ومكافحة البطالة ومواجهة الأزمات المالية وتوسيع منافع التنمية.

يظهر هذا النقاش اليوم في العلن في العيد الخمسين للنزول على القمر من قبل أبطال أميركيين أولهم "نيل أرمسترونغ" وثم "باز ألدرين" بالتعاون مع "مايكل كولينز" الذي بقي في المركبة الفضائية علما أن دوره لم يكن أقل أهمية. تحققت مغامرة "أبولو 11" من 16 الى 24 تموز 1969 بتكلفة توازي اليوم مبلغ 180 مليار دولار . أختير "أرمسترونغ" بسبب شخصيته المتواضعة المنكفئة علما أن تقنيات الرواد الثلاثة متكافئة أو متشابهة. هنالك أسئلة كبيرة لا بد من الاجابة عنها أو توضيحها:

أولا: لماذا القمر وماذا يعني للعالم وللأميركي خاصة ممول المشروع عبر الضرائب؟ هنالك الحلم الدائم المتوارث عبر الأجيال والذي ينظر الى القمر كرمز للحب والاعجاب، اذ كان القمر وما زال هدف الشعراء في كل الأقطار واللغات. هذا الرمز لا بد من اكتشافه عن قرب حتى لو أزيلت عنه هالة الولع المغنطيسي أو السحر عن بعد. هل النزول الى القمر قتل السحر وأضر بالشعر والشعراء؟ هنالك معادلة انسانية طبيعية توازي النهار بالشمس والليل بالقمر. القمر هو سحر الليل وسبب جاذبيته الدائمة. كان من الأفضل ربما ارسال شاعر أو أديب الى القمر وليس مهندسا تقنيا بارعا كأرمسترونغ. ربما كان العالم استفاد أكثر من مغامرة اكتشاف هذا الكوكب الجاذب دائما. منظار الشاعر والأديب تختلف حتما عن منظار المهندس والتقني.

ثانيا: في الأرقام، يقدر قطر القمر بربع قطر الأرض وحجم القمر ب 150 من حجم الأرض. أما مساحة القمر فهي 113,46 من مساحة الأرض. نعلم جميعا أن المسافة بيننا وبين القمر هي 384 ألف كلم، علما أن الجاذبية هي 16 مقارنة بالأرض. لم يقم مهندسا "أبولو 11" الا بخطوات قليلة على القمر كلفت مليارات الدولارات حملوا معهم الى "النازا" 20 كيلو فقط من التراب القمري. في سنة 1966 كان هنالك 400 ألف شخص يعملون بدوام كامل تحضيرا لمهمة "أبولو 11" بالاضافة الى 10 ملايين شخص يعملون بشكل مباشر أو غير مباشر للهدف نفسه. هل كان ممكنا نقل تربة أكثر وفي جهات مختلفة من الكوكب؟ ربما، لكن هدف الاستثمار لم يكن علميا فقط بل كان خاصة سياسيا وقد أدت أبولو المهمة.

ثالثا: ما الهدف الحقيقي من تنفيذ مهمة "أبولو 11"؟ كان السوفيات متقدمون جدا في الاستثمار الفضائي ولم يكن بامكان الأميركيين تركهم ينتصرون في هذا السباق الخطير المجهول النتائج. عندما أعلن الرئيس كينيدي في 2551961 عن نية الأميركيين الهبوط على القمر قبل نهاية العقد، لم تكن الجهات المعنية جاهزة بل تحداها في تنفيذ المهمة. لا شك أن الرغبة في الفوز على السوفيات في كل الميادين كانت أهم للأميركيين من اكتشاف القمر بكل معانيه النفسية والتقنية والقلبية والعاطفية. تنفيذ مهمة "أبولو 11" في سنة 1969 أشار الى فوز الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي في ميادين عدة تلخصت في الهبوط المدهش على الكوكب الجار. كان الانتصار الأميركي مقدمة للانتصار النهائي على السوفيات الذي تحقق في سنة 1989.

رابعا: لا شك أن السباق على الفضاء لم يعد أميركيا – روسيا وانما أميركيا – صينيا – هنديا. يبقى الحافز الأميركي أسيوي المصدر وانما اليوم صيني بامتياز. وضعت الصين في 312019 أجهزة في الجانب المخفي من القمر وهذا ما لم تصل اليه الولايات المتحدة بعد. المنافسة الصينية دفعت الرئيس ترامب الى المبادرة في تنشيط الانفاق الفضائي لأنه لا يريد الفوز على الصين فقط في التجارة وعلى الأرض وانما في الفضاء أيضا. سيذهب الأميركيون مجددا الى القمر قبل سنة 2024 أي قبل انتهاء الولاية الثانية للرئيس ترامب ويتابعون اكتشاف المريخ وربما بعض الكواكب الأخرى أيضا. سيحاول الأميركيون وضع محطة دائمة على القمر تسهل الزيارات وتجعلها دورية أكثر خاصة اليوم بعد الاهتمام المتزايد بالموضوع من قبل القطاع الخاص. الانفاق على الفضاء عاد بقوة بتشجيع من المجتمع العلمي المتنوع وبفضل المنافسة والرغبة في الفوز وترك البصمات الانسانية للتاريخ وللمستقبل كما فعل كينيدي.

خامسا: ما هي الجدوى الاقتصادية للانفاق على الفضاء؟ السياسة والمنافسة مهمتان، لكن لا بد من جدوى اقتصادية تحمس دافعي الضرائب على التمويل في زمن الشح المالي والأزمات القاسية المتتابعة. هنالك قطاعات كبرى استفادت من الانفاق الفضائي أهمها الجامعات وكليات الهندسة والمعاهد التقنية والمختبرات التي طورت نفسها ومعداتها كما لم يحصل من قبل. هنالك قطاعات تطورت بفضل الاستثمار الفضائي وفي مقدمها الاتصالات والالكترونيات والفيزياء والأرصاد الجوية وعلوم الأرض والمياه وغيرها. لا شك أن الصحة والبنية التحتية والقطاعات التعليمية والبحث والتطوير استفادت كلها. كل القطاعات استفادت وطورت تقنياتها كما توسع فكر الانسان بفضل النظر الى ما بعد الأرض. خسرنا ربما رومانسية القمر لكننا ربحنا توسع أفق وفكر الانسان الى حدود متزايدة بعيدة لم نعرفها في القرون الماضية.

اهتمام القطاع الخاص بالفضاء مهم وله دلالات علمية وتجارية طبعا. المهتمون هم على الأخص "الون ماسك" (سيارة تسلا) و"جيف بيزوس" (أمازون) و"ريتشارد برانسون" (فيرجين) وينفقون الكثير في هذا الاتجاه بانتظار الربح المالي المستقبلي الكبير. مستثمرون يتمتعون بالرؤية والشجاعة والتاريخ الناجح. سيستثمر بيزوس وهو الأغنى في العالم مع ثروة تقدر ب 131 مليار دولار في القمر أي سينقل اليه الصناعات الملوثة لحماية مستقبل الأرض والانسان، بينما يركز ماسك صاحب ثروة 22 مليار دولار على المريخ. لبرانسون أهداف متعددة بين الأرض والفضاء علما أن مسيرته الناجحة تسبقه دون شك. سيظهر قريبا مستثمرون آخرون وربما خليجيون يسابقون الثلاثة في الوصول التجاري الى الفضاء الواسع الذي لم يكتشف الانسان منه بعد الا القليل القليل.

من دون "أبولو 11"، كان العالم سيختلف أي التقدم التكنولوجي أقل بكثير وقوة العالم الغربي وخاصة أميركا أقل وكان من الممكن أن يكون الوضع السياسي والأمني أخطر. الثورة التكنولوجية التي سببها الانفاق على الفضاء طورت تقنيات الأمن والبحث كما استفادت منها قطاعات الصحة والبنية التحتية والموسيقى والعلوم المختلفة. حتى الأداب تغيرت بفضل الانفاق الفضائي، ربما أصبحت أقل رومانسية لكن مع واقعية أكبر ودقة أكثر ووصول أسرع الى عقل الانسان دون ترك القلب أو اهماله.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment