لنفتش في ذواتنا عن داعش وأخواتها

01/12/2016 - 21:39 PM

 

 الدكتور حسن بزي

كائنات خرافية وعجائبية هبطت علينا من نيازك ونجوم لاندرك كنهها وحجمها ومصدرها، تقاتل تقتل تجتاح كالأشباح، طويلة اللحى كالشياطين... أسبغ عليها الخيال ماتيسر من "الشيطنة" و "الأسطرة"... قصصا ً تثير الاشمئزاز حيناً وتلهب مشاعر فئات شبابية مهمشة أحياناً، أو فئات أخرى يستهويها المال والسلاح أو المخدرات والجنس أو المغامرة واكتشاف المجهول وغيرها من مغريات العصر...هذا الإجتياح يذكرنا  بالمغول والتتار أو بموجات الجراد والكوليرا أو بهجوم عصابات "الهاغنا" الصهيونية على القرى الفلسطينية التي شردت بارتكاب المجازر، والحرب النفسية.

 داعش اليوم هي موجة من الميكروبات والفيروسات تكاثرت تحت عباءة الدين وانطلقت تحمل شعاراته لتخطف أنظار العالم، دولا ً ومجتمعات وأفراد، ساعدها في ذلك ما تقوم به من أعمال رعب لايتصورها العقل أو في استخدامها التقنية العالية لوسائل التواصل الإجتماعي والتوجيه المركز على فئة المراهقين. هذه الظاهرة هل هي دخيلة علينا وطارئة أم موجودة في جينيات تاريخنا والذاكرة؟

تتبع داعش الفكر السلفي الجهادي، ولكن المرجعيات والمؤسسات الدينية كالأزهر  نعتها بالكيان الشيطاني وعدوة الإسلام وخوارج العصر، ولكن هذه التعابير لم تتخط التصريحات الإعلامية ولم تصل إلى مستوى المجابهة العقائدية المنظمة. وضمن نظرية المؤامرة، منهم من يضع داعش كوليدة لتبرير يهودية الدولة أو هي مؤامرة أميركية – صهيونية لسايكس- بيكو جديدة في تفتيت المنطقة إلى دويلات طائفية ومذهبية أوهي وليدة المخابرات الإيرانية - السورية أو كما وصفها أحدهم بأنها من رحم زواج المتعة بين الوهابية والنفط والغاز...

 الحقيقة أن "داعش" هي وليدة البيئة العربية- الإسلامية بكل أبعادها: الاقتصادية - الاجتماعية - الثقافية - السياسية... مرجعيتها إسلامية، وتقرأ بكتب إسلامية وشعارها إسلامي وتكفر كل أتباع الديانات والمدارس والمذاهب الأخرى... داعش، هي الابنة الشرعية لـ "فقه البداوة" و"فقهاء السجون والكهوف"، وهي حرب ردة جديدة للإسلام البدوي الذي سعى طوال أربعين عاماً، في فرض قراءته الخاصة بالدين الحنيف، تارة بحد السيف وأخرى ببراميل النفط. 

لـ "داعش" أخوات و"جينيات" في تاريخنا القديم والحديث، في مراحل ساد فيها العنف والاغتيال وحروب "الإخوة الأعداء"، فأكثر الصحابة والمبشرين بالجنة قضوا في حروب الردة ومعارك "الفتنة الكبرى"، وثلاثة من أصل أربعة خلفاء راشدين، قضوا اغتيالاً... كذلك تسعة من أصل عشرة من صحابة النبي أو مجلسه السياسي بلغة اليوم ماتوا اغتيالا ًوبسيف إسلامي، وواقعة كربلاء التي نعيش ذكراها هذه الأيام أدت إلى قطع رؤوس وسبي نساء دون مراعاة حرمة لآل البيت ومكانتهم. 

داعش هي ابنة قراءة للإسلام لا ترى في تعاليمه سوى "حد السيف" وتقطيع الرؤوس والأطراف، والجلد والرجم ... وهي قوانين ما زالت سائدة ويعمل بها في دول عربية يتصدر السيف شعارها وعلمها، حيث نقرأ في "إسلام" هذه الدول الرسمي، كل مظاهر الإلغاء والإقصاء والتكفير.

"داعش" هي هي وليدة فشل دولة المواطنة في المساواة والعدالة والتنمية... داعش هي وليدة الأنظمة الدكتاتورية التي تفشى فيها، الركود والفقر والبطالة والفساد والاستبداد ومشاعر القهر الوطني والقومي وكذلك قي انسداد آفاق العمل السياسي الديمقراطي في تداول السلطة وصنع السياسات.

وضمن شعار: "طابخ السم آكله" تتقمص داعش اليوم دور مابدأته القاعدة بالأمس وكلاهما كانتا مطية للمصالح الأقليمية والدولية، واشنطن استفادت من القاعدة في حربها الباردة ضد "الخطر الشيوعي" وعواصم عربية تعاطفت مع "داعش" ضد "الخطر الشيعي" وتركيا لعبت بذات الورقة ضد نظام الأسد والحركة الكردية، وإسرائيل تراقب وتتابع بارتياح لما تحدثه "داعش" من انهيارات في بنية الدولة العربية في سوريا والعراق، على أمل أن يمتد الحريق إلى مصر وشمال إفريقية.

داعش وليدة الفكر الديني المتطرف، هذا الفكر، حتى المعتدل والمتسامح منه، لم يستطع في كل مراحل التاريخ أن يحكم، فكيف بهذه الظاهرة الغرائزية الجديدة البعيدة عن العقل والإيمان والإنسانية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment