المصرف المركزي والفوائد

07/17/2019 - 10:30 AM

Kordab Law

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

المصارف المركزية مهمة في أي اقتصاد. سياساتها تعطي نتائج ايجابية اذا أحسن استعمالها. لكن السياسة النقدية وحدها لا تكفي ولا بد من سياسات مكملة مالية وهيكلية وقانونية ومؤسساتية وغيرها. معظم الدول أعطت الاستقلالية للمصارف المركزية كي لا يتأثر المسؤولون عنها بالتطورات السياسية ويعالجون الأوضاع بدقة ومنطق. أول مصرف مركزي في العالم كان السويدي الذي تأسس في سنة 1668 وتبعه الانكليزي في سنة 1694 والفرنسي في 1800. أهم مصرف مركزي هو الأميركي الذي تأسس في 1914. يقول قانون "هامفري – هوكينز" الصادر في 1978 أن على المصرف المركزي الفيديرالي "أن يعمل ما يلزم لتخفيض البطالة، لتحقيق استقرار الأسعار كما مستوى فوائد طويلة الأمد معتدلة". نسبة التضخم المقبولة هي 2% دون أن تحدد نسبة البطالة لصعوبة ذلك. كيفية الوصول الى هذه الأهداف تبقى مسؤولية المصرف ولا يتعاطى بها المشرع. هنالك مشكلة مبدئية أي أن الأهداف كبيرة جدا وربما تتعدى امكانيات المصرف المركزي الأميركي، فهنا تكمن ضرورة التنسيق مع السياسات الأخرى.

ما هو دور المصرف المركزي في أي اقتصاد؟ له دوران نقدي ومالي. الأول يعني تحريك الفوائد لتوجيه الاقتصاد نحو الاستقرار. ترفع الفائدة عندما تكون هنالك توقعات تضخمية تضر بالبلد وبالقوة الشرائية للمواطنين. تخفض الفوائد لتشجيع الاستثمارات وتخفيض البطالة وهذا مهم جدا في أي اقتصاد. في لبنان، قرر المصرف المركزي منذ بداية التسعينات ربط الليرة بالدولار وهو قادر اليوم على الدفاع عن سعر الصرف مهما كان مستوى الفوائد. تم الربط بسبب التجارب العملية المؤذية التي تمت في الثمانينات وأنتجت سقوطا مدويا لليرة تجاه كل النقد الأجنبي. سقوط الليرة ضرب القدرة الشرائية للبنانيين وساهم في دفع المواطنين الى الهجرة. مشكلة الربط النقدي هي أن الخروج منه صعب ويتطلب أقله حصول فترة طويلة من الاستقرار لم ننعم بها بعد في لبنان.

اذا فيما يخص الدور النقدي اللبناني، لقد ربطناه بالسياسة النقدية للمصرف المركزي الأميركي الذي يتمتع بالخبرة والحكمة والشفافية والكثير من المسؤولية. من مساوئ الربط هو انه يصبح مضرا عندما تكون الأوضاع الاقتصادية في لبنان مختلفة أو معاكسة للأوضاع في الولايات المتحدة وهذا ما يحصل في العديد من الأحيان وليس دائما. هنالك سياسات أسعار صرف مختلفة عالميا والسياسة الفضلى هي السعر الحر كما كان الحال في لبنان خاصة حتى سنة 1975 وكما هو الحال في معظم الدول الصناعية. اعتمد لبنان السعر الثابت تجاه الدولار قسرا نتيجة الأوجاع المعيشية التي لحقت باللبنانيين.

أما الدور الثاني للمصرف المركزي فهو الدور المالي العام الذي يعني التزام المصرف بتحقيق الاستقرار المالي في الأسواق من مصرفية وبورصة وغيرها. يلعب مصرف لبنان هذا الدور جيدا عبر الرقابة المصرفية وعبر الاجراءات والقرارات التي يأخذها دوريا لتأمين استقرار الأسواق. يحاول المصرف المركزي تطوير الأسواق المالية وتنويعها بدأ من بورصة بيروت الى غيرها من الأسواق المشتقة والفرعية، لكن نسبة النجاح ما زالت خجولة حتى اليوم. أما الدور المكمل فهو دور اقراض المصارف كحل أخير أي عندما لا يجد المصرف من يقرضه في السوق المالية فيلجئ الى المصرف المركزي للانقاذ. تفضل المصارف المركزية أن تقترض المصارف من بعضها البعض لاحياء السوق المالية ولا تحبذ أن تقوم هي مباشرة بالاقراض.

كيف لعب المصرف المركزي الأميركي دوره قبل وخلال أزمة 2008، فنجح في تخفيف حدة الأوضاع الأقتصادية؟

أولا: في السياسة النقدية وبعد تجارب الأزمة الكبيرة في سنة 1929، أحسن المصرف ادارة هذه السياسة لمعالجة أمراض 2008. في 1929، رفع المصرف المركزي الفائدة لكي يبقي السوق الأميركية جاذبة للمستثمرين. كان هذا خطأ كبيرا، اذ المطلوب كان تخفيض الفوائد لجذب الاستثمارات واحداث النمو. في 2008، خفض المصرف المركزي الفائدة الى ما قارب الصفر وأنقذ الاقتصاد الأميركي كما العالمي.

ثانيا: في السياسة المالية لم يقرض المصرف الفيديرالي في 1929 المصارف المحتاجة الى السيولة فتركها تسقط بالألاف. أما في 2008، تدخل المصرف الفيديرالي وأنقذ العديد من المؤسسات واشترى السندات في الأسواق لتعزيز السيولة. دروس الماضي استوعبها المصرف والمسؤولين وجنبوا الاقتصاد العالمي سقوطا كارثيا ومكلفا.

ان مستوى الفوائد في لبنان مرتفع بسبب ما يعرف بالمخاطر السياسية التي يقيمها المواطنون العاديون والمستثمرون. الفوائد المرتفعة تعني نقدا ضعيفا، اذ تشكل الفائدة نوعا من الرشوة كي يختار المواطن النقد الوطني. في اقتصاد ربط نقده بالدولار، لا بد وأن تكون نظريا الفوائد متعادلة وهذا هو حال الاقتصادات الخليجية مثلا. أما في لبنان الذي يعتمد منذ عقود أسعار صرف ثابتة، فالفارق يعود الى عدم استقرار الأوضاع حيث لم ننعم بعد ومنذ اتفاق الطائف باستقرار ثابت ولم نصبح محط ثقة الداخل والخارج. الفارق بين الفائدة على الدولار والفائدة على الليرة متحرك ويرتبط بالأوضاع الداخلية. كلما استقرت، تدنى الفارق وكلما توترت يحصل العكس. الفوائد في لبنان مرتفعة مما يعيق الاستثمارات ويرفع من تكلفة التمويل. هذا يعني نموا أضعف وبالتالي بطالة أعلى. الفوائد العالية مفيدة كي لا تهرب الأموال من لبنان لكنها مضرة بسبب تأثيرها السلبي على النمو. كي تنخفض هذه الفوائد لا بد من حصول الأمور التالية مجتمعة:

أولا: الأوضاع السياسية العامة اذ ما جرى منذ أسابيع مثلا في قضاء عاليه يعيدنا سنوات الى الوراء ويظهر للرأي العام أن الأوضاع الداخلية ليست مستقرة كما أعتقدنا، كما يظهر للخارج أيضا أن أسباب الحروب اللبنانية من طائفية ومذهبية ومناطقية وغيرها ما زالت حية وموجودة وتغلي أحيانا من بعض الدماء. لذا لن تنخفض الفوائد قبل أن يطمئن المواطن الى معالجة موضوع "عاليه" وغيره معالجة جدية وليس مسايرات كما جرت العادة في السابق. لا بد وأن نقلق أيضا على مصير الوضع السياحي هذا الصيف اذ نعول الكثير على قدوم المنتشرين والأصدقاء من خليجيين وغيرهم للاستفادة من مزايا لبنان السياحية. كنا نأمل أن يشكل الوضع السياحي الرافعة للنمو الاقتصادي العام.

ثانيا: انهاء الجدال البيزنطي حول الموازنة ونقل النقاش الجدي الى مشروع 2020 حيث الوقت يداهم والتأخر يستمر والوقت يهدر. نأمل أن لا يأخذ مجلس النواب وقته الطويل "المتلفز" ليناقش مشروع الموازنة على مدى أيام طويلة قبل التصويت الايجابي عليه. الوقت مهم جدا دائما وخاصة هذه الأيام.

ثالثا: البدء الجدي بالاصلاحات اذ ما هو أهم من مكافحة الفساد الذي لم يبدأ عمليا بعد. الكلام كثير وكبير لكن التقدم على الأرض ما زال خجولا. الاصلاحات تعني الاستفادة من "سيدر" وأهم منه قدوم الاستثمارات الى لبنان من الداخل والخارج. اللبناني يريد الاطمئنان على الأمن والاصلاحات كي يستثمر وهذا واضح. الأموال موجودة لكنها موجودة في المصارف ولا تنزل الى السوق. لن تعود الاستثمارات أيضا قبل معالجة المواضيع البيئية وبعض البنية التحتية السريعة مع بدء موسم الاصطياف.

أخيرا، الفوائد العالية تشير الى القلق الداخلي وضعف الثقة الخارجية. تصرفاتنا المتنوعة لا تعالج هذه المخاطر بل تعززها. العالم يتقدم ويسبقنا ونحن نضيع الوقت ولا نبني اقتصادا قويا ومستقرا للمستقبل.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment