البلدان العربية والإسلامية: بين الوهن الداخلي والوهم الخارجي

06/16/2019 - 12:21 PM

Kordab Law

فؤاد الصباغ *

إنعقدت مؤخرا ثلاثة قمم متتالية بمدينة مكة المكرمة بالمملكة العربية السعودية من 29 إلي 31 ماي 2019 وذلك لتقييم البيت العربي الداخلي ودراسة المتغيرات الإقليمية خاصة منها تزايد نفوذ الحوثي وأعماله العدائية تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وصفقة القرن والخلافات العربية الداخلية. إذ علي الرغم من التشرذم في المواقف وإختلاف الأولويات بين القادة العرب, إلا أن التوافق الجدي من أجل التصدي بالقوة العسكرية ضد مجموعات الحوثي لم تتم بالفعل. بالنتيجة كانت لقمة مجلس التعاون الخليجي التي إنعقدت يومي 29 و30 من أفريل 2019 بمثابة إجتماع مصغر للم الشمل ولوغابت فيه دولة قطر من خلال غياب قائدها تميم بن حمد آل ثاني مع الإقتصار بتمثيل دبلوماسي محدود جدا عبر وزير خارجيتها وبعض المسؤولين.

أما القمة العربية الطارئة التي دعي إليها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود لم تكن في مداولاتها تلبي للمستوي المنتظر, وهذا يعبر بكل وضوح عن التخبط والوهن الداخلي الذي أصبحت تعاني منه أغلب الدول العربية. وأخيرا كانت قمة منظمة التعاون الإسلامي مجرد حفلة لشرب القهوة والشاي بعد الإفطار وإستكمال السهرة حتى الإمساك وكل دولة تغني علي موالها من إستنكار وإستغراب أومن تأييد ورفض والجميع يسبح في مستنقع وحل لا يقدم ولا يؤخر ولا يسم من جوع. أما المراهنة علي الجانب الأمريكي والإسرائيلي فهويعتبر في مجمله وهم خارجي لأنه من المعروف عن تلك الدولتين أنهما يتلاعبان بالجميع وعندهما أوراق تفاوضية وأجندة إستراتيجية تخدم فقط مصالحهما الداخلية خاصة منها السياسية والإقتصادية.

قمة مجلس التعاون الخليجي

إنعقدت قمة مجلس التعاون الخليجي بمدينة مكة المكرمة في أجواء يسودها التشاؤم من الوضع الداخلي نظرا للوهن المتراكم أوالتفاؤل بالدور الأمريكي في المنطقة نظرا لذلك الحشد العسكري الضخم. إن التصدع الذي يشهده اليوم ذلك المجلس يعتبر نذير خطرا داهم علي أمن المنطقة برمتها بحيث تعتبر الملفات الداخلية العائق لكل دولة منها الأزمات المالية وإرهاق ميزان المدفوعات بأعباء إضافية لتمويل الحروب في سوريا أواليمن, كذلك تزايد عمليات الإبتزاز الأمريكية من خلال دفع "فدية للعم سام ترامب" تحت شعار المال من أجل الحماية.

فهنا يكمن مربط الفرس فعلي سبيل المثال تتدخل دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في شؤون داخلية لدول عربية أخري وتسعي بكل طاقاتها المادية أوالعسكرية لإجهاض التجارب الديمقراطية من الخليج إلي المغرب وقلب أنظمتها علي بكرة أبيها مع دعم الحكومات العسكرية الإنقلابية. فهذه الهلوسة لم تكن منبعها الإمارات أوالسعودية ربل هي في الأصل هلوسة وجنون عظمة للعم ترامب المغروم بألعاب الفيديوالحربية وأعمال قطاع الطرق الأمريكية المعروفة "بالكوبوي". فالسياسة الخارجية الأمريكية تغيرت جذريا تجاه منطقة الشرق الأوسط بحيث أصبحت تعتمد علي الإبتزاز المالي المتزايد وفرض الأجندات المستقبلية إما بالترهيب أوبالترغيب. بالنتيجة إنعكست تلك التأثيرات علي دول مجلس التعاون الخليجي مما زادت من فرقتها وتراكم أزماتها وإبتزاز أموالها.

أما في المقابل أصبحت دولة قطر المعزولة والتي تعيش في ظل حصار ظالم من قبل الإخوة العرب بعيدة عن دائرة تلك المتغيرات الإقليمية بحيث تعتبر أولوياتها الحالية هي إنجاح تظاهرة إحتضان كأس العالم 2022. فالوهن الخليجي ضد تصاعد أعمال التخريب من قبل مجموعات الحوثي المدعومة بأسلحة روسية الصنع وتحت حماية إيرانية تعتبرفي مجملها كابوس يؤرق ذلك المجلس الذي مازال يراهن علي الوهم الأمريكي كالمخلص والضامن لإستقرارها ولإزدهارها. فإكتفاء مجلس التعاون الخليجي بالشجب والإستنكار للأعمال التخريبية التي طالت السفن التجارية الإماراتية في مياهها الإقليمية أولأنابيب النفط السعودية هوبمثابة جرعة دواء مسكن أوتهدئة ضد قوة الحوثي المدعوم من قبل جهات أجنبية تسعي بالقوة لفرض التوازن الإقليمي بالمنطقة.

قمة جامعة الدول العربية الطارئة

تعاني أغلب الدول العربية من مشاكل داخلية متراكمة خاصة بعد ما يسمي بالربيع العربي والذي إتضح مؤخرا أنه كان ربيعا عبريا بإمتياز. فمصائب قوم عند قوما فوائد بحيث خربت الحضارات ودمرت البني التحتية لأغلب الدول العربية وزرعت الفرقة والصراع داخل البيت الخليجي وبين الأخوة العرب وإنتشرت الإنقلابات العسكرية كظاهرة عدوي بين تلك البلدان إنطلاقا من مصر إلي السودان والآن في طور تشكلها بليبيا. فتلك الإنقسامات الداخلية والإختلافات في المواقف وتزايد المتغيرات الإقليمية أصبحت تشكل في مجملها الوهن بعينه داخل أغلب تلك الدول العربية التي أصبحت تعاني من الأمرين عصيان مدني وتمرد شعبي وأزمات إقتصادية وسياسية. أما أعمال الحوثي لم تكن هي أيضا بعيدة عن طاولة القمة العربية بحيث تم الإكتفاء بالوعد والوعيد مع إستعمال لهجة التصعيد والتهديد ثم في النهاية الشجب والإستنكار بحيث تلك الإسطوانة مازالت تعمل إلي الآن.

إذ تبين للعالم كله من خلال تلك القمة الإستثنائية والطارئة والتي خرجت بإدانة لفظية بسيطة لأعمال الحوثي الذي إستهدف بطائراتها الصبيانية والمصنوعة من الورق المقوي والبلاستيك خط أنابيب النفط السعودي وإستهدفت السفن التجارية الإمارتية بمتفجرات أحدثت أضرارا بسيطة, فبالنتيجة إتضح أنه هناك وهن حقيقي داخل البيت العربي مع مراهنة علي الوهم الأمريكي بحيث "تمخض الجمل ليلد فأرا".

فالإستغراب الكبير لمجموعة من الدول العربية والخليجية التي تحظي بدعم عسكري رهيب وغريب وتسليح بأحدث الطائرات والبوارج والدبابات والصواريخ تقدما رتكنولوجيا يتمثل في عجزها عن ردع مجموعات الحوثي اليمنية الصغيرة. بالتالي يمكن القول أن تلك الصفقات الخليجية من أجل التسلح كانت مجرد صفقات مالية والرابح الأكبر هي الولايات المتحدة الأمريكية. فهنا يبرز الوهن العسكري والإقتصادي والأمني العاجز كل العجز عن تشكيل جبهة عسكرية عربية موحدة تضم قوات عربية مشتركة يقع تسليحها لتقوم بغزواليمن وتخليصها من سيطرة الحوثي الذي يعتبر عبثي من منظورها.

أما بخصوص دولة إيران فهي تعتبر قوة ردع بالمنطقة بحيث لم يتم ذكرها بالإسم أوإدانتها عمليا من قبل رؤساء الدول العربية بحث تم الإكتفاء بشجب أعمالها من قبل الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط مع تقدم دولة العراق بسحب تأييدها عن كتابة البيان الختامي. إذ أن الوهم الخارجي الكبير كان متمثلا في المراهنة علي الدور الأمريكي في المنطقة الذي هوفي الأصل يخدم فقط مصالحه ومصالح دولة إسرائيل ويسعي إلي تفوقها عسكريا وإقتصاديا وإقليميا, ولعل أبرز دليل علي ذلك هي تلك الهدية لرئيس وزرائها بنيامين نتنياهوالمتمثلة في خريطة جديدة لدولته ضمت القدس وهضبة الجولان ومستوطنات بالضفة الغربية.

فهذا الرهان الفاشل سيعمق من الجرح العربي ويزيد من فرقته وسيخلق المزيد من الفوضي في المنطقة. عموما إيران تعتبر جزء من الحل وليست من المشكلة وهي قوة حقيقية وصديقة الجميع ودورها دفاعي فقط بحيث تساهم في خلق التوازن في المنطقة وفي السيطرة علي النفوذ الإقليمية. بالنتيجة أفضل طريق للإستقرار وعودة الهدوء بالمنطقة هوطريق السلام والحوار والتوافق بين الأخوة العرب فالعدوالحقيقي يكمن في الأنانية وحب الذات والنقمة والحسد علي إنجازات الأشقاء العرب. فإيران هي دولة إسلامية وكان من الأجدر توجيه لها دعوة رسمية لقمة منظمة التعاون الإسلامي وفقا للبرتوكول الدبلوماسي وذلك من الأجل الحوار وتحفيزها علي الحد من تصعيد مليشياتها في المنطقة.

قمة منظمة التعاون الإسلامي

من أبرز النقاط التي جاءت في قمة منظمة التعاون الإسلامي يتمثل في رفض أغلب البلدان العربية والإسلامية لمبادرة عملية السلام والمعروفة بصفقة القرن تحت الرعاية الأمريكية. فالتوافق العربي والإسلامي جاء ليثبت من تمسك جميع الدول الأعضاء بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين وإقامة دولة علي حدود أراضي 1967 مع التضامن مع موقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس لمقاطعة قمة المنامة الإقتصادية بدولة البحرين وذلك لنصرة القضية الفلسطينية. بالنتيجة يعتبر ذلك الوقف مشرفا في إنتظار التنفيذ الفعلي علي أرض الميدان إنطلاقا من مقاطعة قمة المنامة الإقتصادية إلي التمسك بالوثيقة الختامية للقمة كمرجعية لعملية السلام الفلسطينية - الإسرائيلية.

أما مراهنة بعض الدول الخليجية عبر هرولتها نحوالتطبيع مع دولة إسرائيل وإتباع خطوات الشيطان نتنياهوفهي ستؤدي بهم كلهم إلي الهاوية. إذ في هذا السياق بدأت تتشكل ملامح سقوط مستقبل نتنياهوالسياسي بعد فشله الذريع في تشكيل حكومته الخامسة الجديدة بعد فوز حزبه الليكود في الإنتخابات الأخيرة ضد حزب أزرق - أبيض وذلك عبر قراره حل الكنيست وإعلان إنتخابات مبكرة في شهر سبتمبر المقبل من هذه السنة 2019 وذلك يعد أبرز دليل علي تزايد المتغيرات بالمنطقة والتي ممكن أن تحدث تغيير ميداني في حالة تمرير تلك الصفقة.

فالمراهنة علي الوهم الخارجي الأمريكي أوالإسرائيلي كمنقذ أو حمامة سلام تحقق الإزدهار بالمنقطة كله يعتبر سرابا مما سيزيد من الوهن الداخلي العربي.فالسبيل الوحيد للسلام يختزل في "الأرض مقابل السلام" وليس "الإزدهار الإقتصادي مقابل السلام", فأساليب مغالطة الرأي العام العربي تعتبر مشينة لذلك يجب وضع النقاط علي الحروف وتوضيح تلك الصفقة المشبوهة للشعوب العربية حتي يتبنوا من أمرهم ومن يسوس حكمهم. فالمدلول اللفظي للصفقات يستعمل في إدارة المال والأعمال مثل الصفقات المالية والتجارية بحيث تمثل صفقة القرن الحالية عملية بيع وشراء يعني بالأحري بيع المستوطنات بالضفة الغربية لدولة إسرائيل مقابل هبات ودعم مالي ومشاريع تنموية بالنية التحتية وذلك كله بأموال خليجية.

*كاتب تونسي و باحث اقتصادي دولي

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment