الإقتصاد الرقمي والعلاقات الدولية: الإيجابيات والسلبيات

05/30/2019 - 11:43 AM

Alferdows Travel

فؤاد الصباغ*

إن ما شهده العالم مؤخرا من ثورة حقيقية في مجال المعلومات والإتصالات الرقمية تعد من أبرز ملامح وسمات الحداثة العالمية والتطور في العلاقات الدولية في ظل عالم رقمي متكامل الأبعاد والآفاق. إذ يشكل الإقتصاد الرقمي اليوم أهم قطاع معلوماتي وخدماتي في جميع أجهزة الدول المتقدمة. كما أصبح يمثل هذا القطاع الحيوي مجال واسع بحيث يساهم إيجابيا في تقريب الشعوب وتقليص المسافات وتسهيل كافة العمليات المالية والتجارية وذلك في وقت وجيز جدا مقارنة بالتقنيات التقليدية القديمة التي لم تعد في مجملها صالحة لعصرنا الحالي. بالتالي حققت العولمة الإقتصادية أهدافها العملية بحيث يمكن وضع الإطار الحقيقي حاليا لأهمية تكنولوجيات الإتصال الحديثة في تعزيز روابط العلاقات الدبلوماسية الدولية. ففي هذا السياق يمكن تحديد الإيجابيات والسلبيات للاستخدامات والممارسات لتلك التقنيات ومدي تأثيراتها علي العلاقات الدولية بين البلدان.

إيصال المعلومات بكل دقة وسرعة

إذ على الرغم من مزاياها من أجل إيصال المعلومات بكل دقة وسرعة والتواصل مع مختلف الشرائح والفئات من المواطنين وذلك عبر إستخدام منصات التواصل الإجتماعي والبريد الإلكتروني وإنشاء المواقع والمدونات الإلكترونية، إلا أن السلبيات أصبحت في مجملها تمثل تهديدا مباشرا للمعطيات الشخصية وتكشف العديد من الأسرار التي تهم حرمة الفرد وعلاقاته داخل الأسرة أومع المجتمع. فعلي الرغم من خطورة إستعمال تلك الوسائل سلبيا، إلا أن أغلب دول العالم مازالت تراهن علي الإقتصاد الرقمي ومجتمع المعرفة والتكنولوجيا كهدف إستراتيجي لسد الفجوة الرقمية وتطوير البنية التحتية المعلوماتية.

إعتماد وسائل التواصل الإجتماعي

في هذا الإطار سارعت وزارة الخارجية البريطانية والأمريكية بإعتماد وسائل التواصل الإجتماعي خاصة منها الفايسبوك والتويتر للتقرب أكثر من صوت المواطن والتواصل معه والإستماع لأرائه ومقترحاته ومتابعة تعليقاته. كما تم أيضا تفعيل دور تلك الوسائل في مختلف البعثات الدبلوماسية قصد التحكم الجيد في المنظومة الإتصالاتية والمعلوماتية عن بعد وذلك لتبسيط الإجراءات الإدارية إلكترونيا وتعزيز مكانة العلاقات التجارية والمالية بين دول العالم. إذ تمثل تكنولوجيات المعلومات والإتصال الحديثة نعمة ونقمة في نفس الوقت نظرا لما تخلفه من منافع ومكاسب أو أحيانا من مضار وإضرار تمس حياة الفرد أو مصالح الدول سياسيا وإقتصاديا. أولا نذكر أبرز الإيجابيات الرئيسية لتلك التقنيات الحديثة التي تتلخص فيما يلي:

  • التواصل مع أكبر عدد ممكن من المواطنين ومناقشة مختلف القضايا الإقتصادية، الإجتماعية والسياسية بكل شفافية وديمقراطية.
  • إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي للتفاعل مع مختلف الشرائح العمرية والإستماع لمشاغل الرأي العام وإهتمامات المجتمع المدني.
  • مشاركة العديد من المواطنين من أجل تقديم المقترحات والتفاعل مع التعليقات لإيجاد حلول تتماشي مع جميع الأطراف.
  • تقريب الشعوب وتعزيز العلاقات الدولية وتبادل التكنولوجيات والتطبيقات الحديثة بين الدول خاصة من خلال عقد معارض محلية أوقمم دولية لمجتمع المعلومات التي ترعاها الأمم المتحدة، إذ نذكر أهمها قمة المعلومات بتونس سنة 2005 وقمم جنيف خلال هذه العشرية والتي جمعت العديد من الدول والمنظمات والجمعيات.
  • تقديم المساعدات التقنية عن بعد لتسهيل وتبسيط الإجراءات والعمليات الإدارية الإلكترونية.
  • إنشاء المدونات والمواقع الإلكترونية وإدارة الحملات الترويجية التي أصبحت اليوم تستغل لتقديم برامج إقتصادية وسياسية وتوفر منابر للحوار والنقاش عبر التعليقات وإضافة المقالات.
  • إستغلال منصات التواصل الإجتماعي وذلك عبر الترويج والإشهار الإلكتروني أو التجارة الإلكترونية وإستخدام برمجيات وتطبيقات رقمية في العمل عن بعد ومن أهمها التدريس عن بعد ومراكز النداء وخدمات الترجمة والتحرير.
  • الإستفادة من نقل التكنولوجيات الحديثة من الدول المتقدمة إلي الدول النامية أوالسائرة في طريق النمو، بحيث تساهم تلك التقنيات في تقليص الفجوة الرقمية وتحفيز النموالإقتصادي وبالتالي تحقيق التنمية المستدامة.

أما ثانيا، فسلبيات تلك التكنولوجيات الحديثة أصبحت تشكل في مجملها خطرا وتهديدا حقيقيا لحياتنا اليومية وأحيانا للعلاقات الدبلوماسية الدولية وللأمن القومي، إذ نذكر أهمها:

  • مساهمة تلك التكنولوجيات الحديثة خاصة عبر وسائل التواصل الإجتماعي والمدونات في إسقاط بعض الأنظمة السياسية خلال فترة ما يسمي بالربيع العربي. كما ساهمت تلك الوسائل في تأجيج الإضطرابات والإعتصامات والفوضي، بحيث تحولت أغلبها إلى منصات تواصل إجتماعي لتنظيم عمليات التخريب أوالتظاهر السلمي ضد الأنظمة السابقة خاصة في تونس مصر، سوريا، اليمن، السودان، الجزائر وليبيا. إذ خلال فترات ما تعرف بالإحتجاجات الممتدة من سنة 2011 إلى الآن كانت مجمل تلك الوسائل الأكثر نشاطا لإدارة حملات الإعتصام والتمرد الشعبي والعصيان المدني في جميع تلك الدول.
  • كشف أسرار أمن الدول وخاصة منها إختراق البريد الإلكتروني لرؤساء بعض دول العالم ونذكر في هذا الصدد العمل السلبي الذي قام به "جوليان أسانج" من خلال ما يسمي بالويكي ليكس وذلك بتقديم معلومات في غاية من السرية لوسائل الإعلام الدولية مما أحدث بالنتيجة أزمات دبلوماسية وإضطرابات في العلاقات الدولية. أيضا مؤخرا عمليات القرصنة الروسية سنة 2016 والتي أحدثت بلبلة كبري داخل كواليس الجهات الحكومية وصلت إلي أعلي هرم السلطة التنفيذية.
  • كذلك بعض الشركات الإلكترونية في مجال الإتصالات على غرار شركة هواوي الصينية التي تسببت في توتير العلاقات التجارية والسياسية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية نتيجة لبرمجيات التجسس المزروعة داخل هواتفها الجوال الذكية. فعلي الرغم ما يحتويه الهاتف الذكي من خاصيات ومزايا متطورة، إلا أنه يحمل العديد من السلبيات خاصة أنه لا يحمي بالقدر الكافي مستخدميه مما يعرض صاحبه لإنتهاك معطاياته الشخصية. إذ يمكن إختراق تلك الهواتف بكل سهولة والتنصت علي جميع الإتصالات للمستخدمين.
  • خطورة تواجد التلفاز الذكي بالمنزل لأنه يمكن أن يتحول إلي جهاز تنصت وتصوير أوتجسس خاصة عبر نوعية من الكام فيروس وبعض البرمجيات المتوفرة فيه.
  • سرعة تداول المعلومات عبر وسائل التواصل الإجتماعي وخاصة منها نشر الإشاعات المغرضة التي يمكن أن تحدث أحيانا فوضي عارمة داخل المجتمعات.

تبسيط الإجراءات الإدارية والإتصالات

إن عالمنا اليوم أصبح يعتمد بالأساس على التكنولوجيات الحديثة من أجل تبسيط الإجراءات الإدارية والإتصالات بين الأفراد والدول. كما أصبحت جميع القطاعات الحيوية للإقتصاد الدولي تعتمد على منافع الإقتصاد الرقمي وتكنولوجيات الإتصالات الحديثة كمحرك رئيسي وعمود فقري للتنمية تسهل في مختلف الخدمات الإدارية الرقمية. بالتالي أصبح الإقتصاد الرقمي عنصرا فعالا في إدارة العلاقات الدولية ومؤسسا للعولمة الرقمية العالمية في شتي القطاعات والمجالات. إلا أنه مازال يحمل في جعبته بعض السلبيات في استخدامه والتي تهدد مباشرة المعطيات الشخصية والسرية في المعاملات التجارية والمالية وبالنتيجة تؤثر علي العلاقات الدولية بين مختلف دول العالم خاصة منها المتضررة من تلك الممارسات التي تعتبر في مجملها حرب قرصنة.

* باحث اقتصادي دولي

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment