سباق مع الكارثة الصحية! والحل المثالي لا يريده السياسيون

12/22/2015 - 19:09 PM

 

كتبت ميشلين أبي سلوم*

ما تزال مواقع التواصل الاجتماعي تتداول الفيديو الشهير، مع أول شتوة في بيروت: نهر متدفق من النفايات، بحجم حمولة شاحنات عدة، يعوم في أحد شوارع بيروت، خارقاً الأحياء السكنية التي تغصّ بالسيارات والمنازل والمكاتب والمتاجر والمدارس، بسكانها والمارة والتلامذة...

فضيحة العصر

تلك كانت فضيحة العصر التي أذهلت الناس حتى في البلدان التي تعتبر متخلفة بالنسبة إلى لبنان. ففي كل مكان من العالم، وجدت الحكومات والهيئات الأهلية حلولاً لأزمات النفايات، إلا في لبنان. ومنذ 5 أشهر، تغرق شوارع لبنان بجبال النفايات، وبلغت الكارثة حدوداً لا تطاق مع هطول الأمطار في بلدٍ يتغنى بوفرة مياهه ونقائها.

كل الحلول العلمية المعتمدة في الدول المتحضرة لم تعجب المسؤولين والطاقم السياسي. إنهم يريدون استمرار المراوحة في الحلول الترقيعية لأنها توفِّر لهم المبرر الذي يريدونه لاستمرار الانتفاع من الأزمة.

حتى اليوم، كان لبنان يدفع نحو 140 دولاراً للتخلص من كل طن من النفايات، عدا الكنس والنقل... والسهو الغلط! ويبدو أن الحل المطروح أخيراً، أي الترحيل بالبواخر إلى الخارج، سيكلف أكثر. ولا أحد يفهم لماذا لا يريد المعنيون الذهاب مباشرة إلى الحلول التي يطرحها الخبراء الجديون في شؤون البيئة، والتي يتوافر تمويلها من المؤسسات الدولية.

ملهاة ومضيعة للوقت

في المبدأ، إن طرح الترحيل إلى الخارج ليس سوى ملهاة ومضيعة للوقت، وهو لن يرى النور لأنه سيؤدي إلى مزيد من الانهيار الاقتصادي في لبنان الغارق في ديون تقارب عتبة الـ 70 مليار دولار. ولكن، إذا تمّ ذلك، فسيكون الطاقم السياسي قد وجد طريقة لاستمرار نهب المال العام بالنفايات، وسيكون الترحيل في رأي الخبراء أكبر فضيحة يشهدها لبنان في عصره الحديث.

ويقول الخبراء: إن تكلفة التخلص من الطن الواحد من النفايات في لبنان تُصنّف الأعلى على مستوى العالم. فمثلاً، تراوح قيمة التكلفة للطن الواحد في كندا ما بين 58 دولاراً و75 دولاراً، وفي إيطاليا ما بين 16 دولاراً و78 دولاراً، وفي إيرلندا نحو 31 دولاراً.

ويفترض أن تكون تكلفة جمع النفايات وكنسها وفرزها في لبنان نحو 44.6 دولاراً، ومع الطمر تصبح 60.45 دولاراً. ويقول البعض إن غالبية الأفرقاء السياسيين في لبنان مستفيدون من النفايات. فهل تدور الدائرة ويعود ملف النفايات إلى ما كان عليه قبل الأزمة، ويجري تدبير الطمر بعد تقاسم الحصص مجدداً؟

في الانتظار، تكفي الإشارة إلى الأضرار والمخاطر التي تسبّبها الأمطار في ظل الانتشار العشوائي لمكبات النفايات. فقد ذكرت وزارة الصحة أن تسرب السوائل الناتجة عن النفايات إلى التربة، يلوث المحاصيل الزراعية بالبكتيريا، مثل الشيغيلا والسلمونيلا. وهو يسبب تكاثر الجرذان على سفوح ومنحدرات الجبال، فضلاً عن مدى خطورة وصول السوائل إلى المياه الجوفية.

كما أن تسرب المعادن الثقيلة الموجودة في النفايات الصلبة، إلى المياه الجوفية، مثل الكادميوم، النيكل، الزئبق وغيرها، يهدد بانتشار الأورام الخبيثة، والتشوهات الجينية، وأمراض الزهايمر، لأنها تؤثر على الدماغ، الأعصاب، الكلى والكبد.

ويؤدي الانتشار العشوائي للنفايات في الشوارع إلى فيضان قنوات المياه، إذا لم تنظف بالطرق الصحيحة. فهل مَن يعي هذه المخاطر على حياة اللبنانيين، أم إن هاجس المغانم غير المشروعة يعمي البصر والبصيرة؟ وأوضحت مصادر السراي الحكومي أن المفاوضات مع الشركات التي قدمت عروض تصدير النفايات جدّية، ولكن لا يمكن اتخاذ قرارات متسرّعة في هذا الملف الذي لم يعد يحتمل الانتظار كثيراً، خصوصاً مع بدء موسم الامطار.

وأشارت المصادر الى تفاصيل تقنية وفنية دقيقة تحتاج إلى مزيد من البحث المفصل والمستفيض. ولكن لا موعد مؤكداً لدعوة المجلس إلى الانعقاد. ولكن، ما مدى واقعية خيار الترحيل وإمكان تطبيقه، ذلك أن كلفة الطن المتداولة تقارب الـ 150 دولاراً، يضاف إليها نحو 80 دولاراً أكلاف الكنس والجمع والنقل؟

خيار الترحيل

طرحه وزير البيئة محمد المشنوق قبل سبعة أشهر كواحد من الخيارات البديلة بعد إغلاق مطمر الناعمة، لكنه سقط أثناء المداولات في مجلس الوزراء، خصوصاً أن العروض التي تلقتها وزارة البيئة لم تكن جدية، بل كانت اقتراحات تعاون من شركات طرحت ترحيل النفايات إلى المغرب وتركيا ودول أوروبية مثل ألمانيا والسويد ولاتفيا وأوكرانيا، ليتبين لاحقاً أن معايير الاتحاد الأوروبي لا تسمح باستيراد نفايات غير مفرزة ومعالجة.

خيار الترحيل عاد بقوة، بالتزامن مع فشل خيار إنشاء مطامر صحية خلال الأسابيع الماضية، وتنصل القوى السياسية من التزاماتها بإقناع القرى المحيطة بالمواقع المقترحة بهذا الخيار. وأجرت رئاسة الحكومة مشاورات موسعة شملت الحكومة المصرية والتركية في هذا الشأن. وقد أبلغ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سلام أن لا إمكان لترحيل النفايات إلى بلاده، مبدياً استعداده لتقديم معونة فنية وهبات عينية مثل الشاحنات، لكن خيار الترحيل إلى تركيا ليس وارداً.

عروض جدية لترحيل النفايات إلى الخارج

في المقابل، نشطت حركة الشركات التي قدمت عروضاً جدية لترحيل النفايات إلى الخارج، سواء إلى سوريا، حيث يواجه هذا الخيار عقبة سياسية تتمثل بتقديم الحكومة طلباً رسمياً إلى السلطات السورية بهذا الشأن، أو إلى غيرها من الدول، وتحديداً قبرص التركية وأوكرانيا ولاتفيا.

والطرح الأكثر جدية تقدمت به شركة مسجلة في بريطانيا عرضت ترحيل النفايات إلى إحدى الدول الأفريقية. وقد خاضت رئاسة الحكومة مفاوضات مطوّلة مع ممثلين عن الشركة انتهت بإعداد مسودة عقد للتوقيع يشمل تفاصيل العملية، بما فيها الكلفة والمهلة الزمنية والكمية، والبنود الجزائية والمحكمة المختصة بالتحكيم في حال حدوث نزاع، إضافة إلى ضمانات قانونية وعقوبات جزائية في حال مخالفة الشركة شروط العقد.

وبحسب المعلومات، لا تزال الحكومة تشترط أن تؤمن الشركة موافقة البلد الذي سيستقبل النفايات، فيما ردّت الشركة بعدم إمكان ذلك قبل توقيع العقد. وخلصت المفاوضات إلى تعهد رئاسة مجلس الوزراء بالموافقة المبدئية على توقيع العقد بما يسمح للشركة بإقناع الحكومة التي ستستقبل النفايات بأن تصدر قراراً بإجازة الاستيراد.

وتضيف المصادر أن سلام بات مقتنعاً بجدوى هذا الخيار على رغم كلفته العالية، لإزالة النفايات المتراكمة منذ 17 تموز الماضي وتأمين مرحلة زمنية تقدر بعام ونصف عام للتخلص من النفايات ريثما تتسلم البلديات هذا الملف.

وتحتاج هذه الصفقة إلى جلسة لمجلس الوزراء، لأن هذا العقد بالتراضي، ويلزمه عقد نفقة بما لا يقل عن 300 مليون دولار. كما أن بند التحكيم الوارد في العقد يحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء. علماً بأن الشركة تشترط أن تحدد الحكومة مدة العقد، وأن سعر الطن سيرتفع في حال خفض مدة العقد وكمية النفايات التي سيجري تصديرها. والكلفة لن تقل عن 150 دولاراً للطن، يضاف إليه نحو 80 دولاراً تشمل أكلاف الكنس والجمع والنقل إلى مراكز الفرز والكبس والعصر والتغليف، أي إن سعر الطن الإجمالي لن يقل عن 230 دولاراً على أقل تقدير، ما يعني وصول القيمة الإجمالية لكلفة هذا الملف خلال عام ونصف عام إلى نحو نصف مليار دولار!

سباق مع الكارثة الصحية!

في انتظار الحلول، ومع وجود جبال هائلة من النفايات منثورة في الأودية، وعلى ضفاف الأنهار، وعلى جوانب الطرق في بيروت وجبل لبنان، يحذّر خبراء بيئيون من تلوّث مياه الشفة التي تصل الى المنازل. فبعد بدء موسم الأمطار الغزيرة يعبّر الاختصاصيون عن مخاوفهم من أن يكون الضرر قد ألمّ أصلاً بنوعية المياه. فالصخور التي تشكّل سطح اليابسة في لبنان سريعة الامتصاص، ما يعني بأنّ السوائل الموجودة على سطحها تصل سريعاً إلى المياه الجوفية.

وتقول خبيرة نوعية المياه الدكتورة مي الجردي، من قسم الصحة البيئية في الجامعة الأميركية، إنّ نوعية مياه الينابيع غير المعالجة ليست مهمة جداً، لأنّ المياه التي تُستخدم في المنازل معظمها معالج بالكلور.

إلا أن المياه التي تُطهّر بالكلور تحمل بحد ذاتها مخاطر صحية كبيرة، يقول سعيد، فإذا زيدت نسبة الكلور ستكون هناك زيادة لمادة مسرطنة في المياه، هذا أكثر ما نخشاه ونأمل بأن لا نصل الى هذه المرحلة.

إلاّ أنّ الخطر الأكبر، كما قالت الجردي، هو أن ترشح مياه الأمطار الممزوجة بالكيميائيات السامة وتمر عبر النفايات وتجرّها معها الى المياه الجوفية. ولكنها تضيف: المواد الكيميائية المترشحة تحتاج الى سنوات لكي تتجمّع وتصل الى مستوى خطير.

الحل المثالي لا يريده السياسيون

وفي الانتظار، يقترح الخبراء حلاً مثالياً لمأزق النفايات، هو المعالجة بتقنية التفكك الحراري، أي البلازما، حيث تتفكك النفايات بكاملها، العضوية وغير العضوية من دون فرز، وتتحوّل طاقة كهربائية، من دون أن تؤدي إلى أي تلوث للبيئة. وهذه آخر التقنيات العالمية في هذا المجال، ويمكن إنشاء معامل في مناطق لبنانية عدة بدعم مؤسسات التمويل الدولية.

وهنا، تصبح النفايات طاقة يجدر استثمارها، وهي تدر أرباحاً تقارب الـ 45 دولاراً في الطن الواحد، فيما تقنية الترحيل تتعاطى مع النفايات كمادة يجدر التخلص منها بكلفة 230 دولاراً للطن الواحد!

فهل يختار القيمون على الشأن العام التقنية التي تخدم مصلحة البلد أو التقنية التي تخدم مصالحهم الخاصة؟

* صحافية لبنانية

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment