إستراتيجيات التنمية الإقتصادية لدول شمال إفريقيا

05/25/2019 - 20:52 PM

Kordab Law

 

 

فؤاد الصباغ

تشهد دول شمال إفريقيا في السنوات الأخيرة تباطؤ في نسق التنمية الإقتصادية وذلك نتيجة لتدهور الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والسياسية خاصة بعد ما يسمي بالربيع العربي الكبير. إذ هذا التردئ في أغلب مؤشرات التنمية الاقتصادية خاصة منذ سنة 2011 إلى الآن كان سببه الأساسي هو تزايد الإعتصامات والإضرابات العشوائية التي شلت بصفة عامة بعض الإقتصاديات الوطنية بدول شمال إفريقيا.

إذ نذكر من بين هذه الدول الشمال إفريقية مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب ، التي في مجملها كانت ضحية تمرد الشعوب علي الأنظمة السابقة نتيجة لتدهور أوضاعهم الإجتماعية وذلك للمطالبة بتحسين الظروف المعيشية والزيادة في الأجور خاصة بما يسمي "إضراب عام" نقابات الشغل. كما يمكن تحديد نمط كل إقتصاد من جملة تلك الإقتصاديات التي تختلف من دولة إلي أخري وفقا لعوامل داخلية وخارجية قصد تطبيق إستراتيجيات تنموية تتلائم مع طبيعتها الإقتصادية والإجتماعية.

أولا، نقدم الإقتصاد المصري الذي يعتمد بالأساس على نهج ليبرالي رأسمالي في منظومة التنمية الإقتصادية وخاصة منها علي المساعدات الأمريكية والتبادل التجاري في المنطقة نظرا لإرتفاع العدد السكاني والتكاليف الباهظة لتسديد الدين العمومي الداخلي وتغطية العجز المالي في الميزانية العامة. إلا أنه علي الرغم من مجمل تلك العوائق الإقتصادية يمثل الإقتصاد المصري اليوم قوة نواة صاعدة وواعدة لمواجهة الأزمات نظرا للموقع الجغرافي والمرافق الحيوية المتوفرة فيه وخاصة منها معبر قناة السويس الذي يدر علي الميزانية المصرية عوائد مالية محترمة، بالإضافة إلى ثروة الغاز الطبيعي. عموما تمثل الإستراتيجية التنموية للجمهورية المصرية رافدا حيويا من أجل الإنفتاح الكلي على الأسواق الخارجية والتحرر المالي الداخلي والإندماج في العولمة الإقتصادية وتحرير الأسعار والرفع من نسق المردودية والمنافسة في الأسواق العالمية. أيضا الإستفادة من العلاقات الممتازة مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول الجوار من أجل تحفيز التنمية وجلب الإستثمارات الأجنبية وتوظيف المعونة والمساعدات في تقليص نسبة الفقر بين الطبقات والجهات.

 أما ثانيا، نذكر تجربة الجماهيرية الليبية العظمي سابقا تحت حكم نظام العقيد معمر القذافي التي شهدت فترة طويلة من الحكم الإشتراكي الثوري الذي يعتمد بالأساس علي الحكم المركزي والثروة الوطنية للجماهير وفق المنظور الإقتصادي للعالم الإقتصاد ماركس. كانت تمثل تلك الإستراتيجية التنموية الليبية السابقة منطلقا حيويا لتوزيع ثروة العوائد البيترولية علي جميع الطبقات الإجتماعية بصفة عادلة.

بالتالي تسيطر الدولة علي جميع القطاعات الإقتصادية وتنحصر التنمية بالأساس في إستغلال عوائد النفط وتوظيفها في إنجاز مشاريع تنموية زراعية كبري مثل النهر الصناعي العظيم الذي حول الصحراء إلي خضراء وفتح أسواق شعبية كبري وذلك بالتحالف التجاري مع الجمهورية الصينية الشعبية. إلا أن هذه التجربة التنموية المركزية الإشتراكية إنتهت مباشرة بعد سقوط نظام القذافي وتشكيل حكومة ليبرالية جديدة تتمتع بعلاقات دولية ممتازة بين جميع الأطراف في السلطة الليبية الحالية. بالنتيجة تم تحرير الإقتصاد الليبي وبدأت تدخل في أسواقه شركات إستثمارية أجنبية أمريكية وبريطانية وأوروبية وذلك في شتي القطاعات الحيوية خاصة منها الإستثمارات في قطاع النفط والعقارات والبنية التحتية.

 ثالثا، الإقتصاد التونسي الذي شهد بدوره فترة طويلة منذ الإستقلال إلي الآن العديد من برامج ومخططات التنمية الإقتصادية التي طبعت كل مرحلة من المراحل الذي وقع فيها التغيير الجذري في إستراتيجياتها. إذ مع بداية الستينات إعتمدت تونس مخططات تنموية متتالية منها الثلاثي والرباعي وأيضا الخماسي، بحيث تقع خلال كل فترة من تلك الفترات تحديد البرامج والأهداف التي تراهن عليها الدولة لتحقيق أهدافها الإستشرافية خاصة منها نسبة النموالإقتصادي ، وإنجاز المشاريع الكبري وتقليص نسبة البطالة.

كما إنتهجت تونس بعد إستقلالها عن المستعمر الفرنسي تجربة إشتراكية طموحة خاصة خلال فترة حكم الإقتصادي أحمد بن صالح الذي إعتمد بالأساس علي الإستراتيجية الإشتراكية المركزية وذلك بإنجاز مصانع حكومية ومناطق صناعية كبري تحت إشراف الحكومة والتمويل العام. كذلك ساهم صندوق التعويض الوطني في تقليص الفقر والفوارق بين الطبقات وسهل عملية الحركة الإقتصادية. إلا أن هذه التجربة الطموحة بنشاط الشاب بن صالح آنذاك إنهارت وفقا لتقرير صادر من البنك الدولي يوضح أن التجربة الإشتراكية أثقلت ميزانية الدولة والمالية العمومية التونسية بديون مهولة تسببت في عجز مالي حاد. إذ سارعت الحكومة بتغيير النظام الإقتصادي والإستنجاد بالخبير الإقتصادي الرأسمالي الهادي نويرة الذي قام خلال حقبة حكمه بتحرير الأسواق المحلية تدريجيا وإنتهج منظومة التحرر المالي والتجاري وإعتمد مفهوم الخصخصة في جميع القطاعات مستفيدا بذلك من الدعم المالي الأجنبي لإنقاذ الإقتصاد الوطني من نتيجة فشل التجربة الإشتراكية وسياسة التعاضدية، فتواصل ذلك التحرير في أغلب قطاعات الدولة حتى أواخر الثمانينات.

إلا أن تدهور الأوضاع الإجتماعية وسوء الحالة الصحية للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وثورة الخبز مثلت في مجملها عوامل لسقوط النظام وذلك على الرغم من مبادرة الإقتصادي رشيد صفر لخلق نوع من العدالة الإجتماعية نتيجة للفقر المدقع الذي تعيشه أغلب الطبقات الإجتماعية التونسية. فسارعت بالنتيجة الحكومة الجديدة الذي كان شعارها الإنقاذ الإقتصادي والإجتماعي والسياسي، بحيث ساهم الليبرالي الرأسمالي الرئيس السابق زين العابدين بن علي في وضع الإقتصاد التونسي علي طريق التحرر والإنفتاح علي الأسواق الأجنبية والإندماج الإيجابي في العولمة المالية والإقتصادية.

إذ مثلت تلك المرحلة تغيير حقيقي حيث تدخل صندوق النقد الدولي مباشرة في الإقتصاد الوطني وذلك بوضع برنامج التأهيل الشامل والإصلاح الهيكلي لشتي القطاعات الإقتصادية والتحرر الكلي مستفيدا بذلك من القروض الضخمة التي ضخت في شريان الإقتصاد التونسي منذ بداية التسعينات. لكن تلك التجربة في تطبيق الإستراتيجية التنموية الرأسمالية إنهارت بسبب تفاقم البطالة والنقمة لدي جميع الطبقات الإجتماعية نتيجة الفقر والتهميش والمحسوبية والفساد المالي والإداري وذلك من خلال ثورة إجتماعية التي أطاحت بالنظام السابق ورموزه مع بداية سنة 2011.

جاء التغيير الثاني في الإقتصاد الوطني التونسي تحت حكومة جديدة إنتهجت إستراتيجية جديدة تعتمد علي اللامركزية التنموية للحد من الفوارق الإجتماعية بين الطبقات والجهات، لكن لم تدم طويلا تلك التجربة حيث وقع تغيير الحكومة مع بداية إنتخابات 2014 نتيجة لعدة عوامل من أهمها عدم الإستقرار الأمني، الإقتصادي، الإجتماعي والسياسي.

عموما خلال تلك الفترة تم تحديد برنامج مخطط التنمية 2016-2020، لكن نتائجه لم تثمر بعد نتيجة لتراكم العجز المالي في الميزانية وتفاقم المديونية والتقاعس في العمل والبطء في الإنتاجية وتواصل الإعتصامات المتقطعة مع تباطؤ النموالإقتصادي.

 رابعا، فالإقتصاد الجزائري يعتمد بالأساس على النهج الإشتراكي المركزي التقدمي خاصة من خلال مجانية إستغلال المياه الوطنية من قبل الشعب والعديد من الخدمات الحكومية المجانية. بالإضافة إلى ذلك التبادل التجاري مع الصين الشعبية واعتماد الأسعار المنخفضة للحد من الفوارق الإجتماعية.

أما القطاع العام فهو يعد أهم قطاع بالجزائر حيث يضم ما يقارب المليون موظف حكومي. أيضا تعتمد الجزائر على المركزية للحد من الفوارق الإجتماعية والمساهمة في توزيع الثروة بطريقة عادلة بين الجهات وتستغل العوائد من القطاع الخام في خلق مناخ اقتصادي واستثماري جيد يحقق نسبة نمو إقتصادي جيدة. فعلي الرغم من سقوط النظام السابق لعبد العزيز بوتفليقة، إلا أن إقتصاده لم ينهار وظل متماسكا طيلة السداسي الأول من سنة 2019 نظرا لقوة مردودية وإنتاجية شركات الغاز والمحرقات.

خامسا، المغرب فهي تنتهج استراتيجية ليبرالية رأسمالية منذ حكم الحسن الثاني للمملكة بحيث حقق ذلك النهج التحرري الإزدهار والإستقرار للشعب المغربي وساهم في تعزيز المبادلات التجارية مع الإتحاد الأوروبي وفي تحرير أغلب القطاعات الحيوية وفي خلق مناخ إستثماري يعد الأول والأنجع تنافسيا في شمال إفريقيا.

تمثل المغرب حاليا الوجهة المفضلة للإستثمار الأجنبي المباشر، أيضا تمثل وجهة سياحية عالمية ممتازة. كما يمثل الفوسفات المغربي أبرز قطاع حيوي يدعم الميزانية الوطنية المغربية بعوائد مالية هامة والتي تساهم ايجابيا في إنجاح الإستراتيجية التنموية الليبرالية والإنفتاح على الأسواق العالمية وخاصة منها الأوروبية. 

*باحث اقتصادي دولي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment