من مجد الأرض الى مجد السماء...

05/14/2019 - 11:15 AM

Kordab Law

 

صونيا رزق

انه أيقونة لبنان، عاش كل متاعب الوطن، فشهد ولادة لبنان الكبير وإستقلاله الأول ، وحروبه المتنوعة وما رافقها من ويلات واحتلالات، وصولاً الى الاستقلال الثاني، الذي ناضل بقوة من اجل تحقيقه، حتى حمل لقب بطريرك الاستقلال. انه البطريرك نصرالله صفير الذي يختصر إسمه المفعم بالكرامة والحرية كل ألقاب الأرض...

محطات مصيرية متأرجحة رافقت حياته النضالية، من اجل لبنان وكرامة الانسان. هذه الحقبات تطلبت وجود شخصية تاريخية لتقف في وجه المحتلين، فكان الصوت الصارخ المدافع عن الحق ضد التسلّط والظلم . فإستمر في نضاله السلمي حتى حقق ما يصبو اليه كل لبناني، مؤمن بوطن حرّ سيّد مستقل.

لا شك في انه بطريرك إستثنائي، جاهد من اجل الحق والقرار الحرّ، تصدّى بصمت عقلاني وبكلمات قليلة لكن معبّرة جداً، كانت كافية لإيصال الرسائل، وإطلاق الثورة السلمية التي حققت أهدافها بعيداً عن العنف.
إحتضن المنابر الاستقلالية، فكان النداء الشهير لمجلس المطارنة الموارنة في بكركي بشهر ايلول من العام 2000، صرخة مدوية في الداخل والخارج، لاقت تأييداً شعبياً كبيراً، وتبع ذلك تأسيس للقاء قرنة شهوان بدعم من الكنيسة في نيسان من العام 2001. وبعد اشهر معدودة بات البطريرك الأيقونة رمزاُ للنضال المقاوم، اذ حقق المصالحة التاريخية في 3 آب من العام نفسه في الجبل، فجال على القرى والبلدات التي تهجّر منها المسيحيون خلال الحرب ، داعياً إياهم للعودة الى أرضهم وطيّ صفحة الماضي الأليم، وتكريس العيش المشترك قولاً وفعلاً مع الطوائف الأخرى. لكن وبعد أيام معدودة جرت حملة قمع واضطهاد واعتقالات، طاولت مئات الشباب المطالبين بخروج جيش الاحتلال السوري من لبنان، فكان ردّ البطريرك صفير حينها الصمود وعدم التراجع.

سنوات وسنوات من النضال باركها بطريرك السيادة ورافقها، فلم يتعب الى حين بدأت الشرارة المباركة لإنطلاق ثورة الاستقلال الثاني، والانتفاضة على الاحتلال الى ان حصل الانفجار المدوي، وهو إغتيال رئيس الحكومة الاسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005. فتوّحدت اكثرية الاحزاب اللبنانية تحت لواء قوى 14 آذار، التي انتجت ثورة الارز وإنتفاضة الاستقلال في 14 آذار من العام نفسه، وصولاً الى نهاية حقبة الاحتلال السوري، على أثر الضغط الاميركي والفرنسي على سوريا، وحينها إنقلبت كل المقاييس، لان القسم الاكبر من اللبنانيين توّحدوا بمختلف طوائفهم، لأنهاء حقبة مؤلمة لا تنتسى من تاريخ لبنان، كان البطريرك صفير قائدها الروحي بكل تعقل ووعي وإدراك الى أبعد الحدود.

إنطلاقاً من هنا، إحتار أعداء لبنان من صلابته امام الصعوبات، فلم يلن، ولم يساوم، ولم يتراجع، ولم يستسلم، ولم ينكسر يوماً أمام التحدّيات والضغوط ، تشبّث بإيمانه، ولطالما ردّد :" إثبتوا ولا تخافوا"، كلمات خطّها البطريرك السادس والسبعون، فتباهى دائماً بتاريخ المسيحيّين :" التجأنا الى المغاور والكهوف طوال مئات السنين، لنحفظ الإيمان وعبادة الله على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ، ولنحافظ على حريتنا". 
"لقد قلنا ما قلناه ولسنا بنادمين"، قد تكون هذه العبارة من أشهر كلمات البطريرك صفير، العبارة المشبّعة بالعنفوان الذي أعاده لنا حين إفتقدناه لفترات، من هنا سنبقى نردّد "مجد لبنان اُعطي لسيّد بكركي"، وسيبقى هذا المجد يرافق كل أسياد ذلك الصرح، شاء من شاء وابى من ابى...".

اليوم لبنان بأجمعه حزين على رحيلك، وفي الامس ُقرعت أجراس الكنائس حزناً عليك في مختلف الربوع، وسيبقى ذلك الحزن سائداً لان الصخرة المقاومة لا تنتسى، بل تبقى خالدة على مرّ الأجيال. 
خسرنا قامة وطنية دينية وانسانية لن يكرّرها الزمن، لكن صدى كلماتها الصلبة ستردّدها القلوب والضمائر.
في الختام ، كل هذا التاريخ المجيد يؤكد، بأن مجد الأرض إنتقل اليوم الى مجد السماء، وكلمة حق تقال لسيّد الاستقلال:" نيال السما فيك".

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment