بادن بادن... ينابيع دافئة في ظلال الغابة السوداء!

05/13/2019 - 14:59 PM

Kordab Law

 

ألمانيا – لوسي حبيب

ها أنا من جديد عند منحدرات الغابة السوداء، وسيارة الأجرة التي أستقلها تنعطف رويداً رويداً باتجاه مدينة بادن بادن، وتتغلغل في عمقها وبين أشجارها العتيقة التي يغازلها نور الشمس فيمد بين أغصانها الوارفة حبالاً من نور، تغرق الأجواء بالدفء والرومانسية. طبيعة أسطورية كانت تتمايل أمامي، لترسم لوحات بانورامية لمدينة تتباهى بأنها تحمل الكثير من الألقاب، منها "عاصمة المصايف الأوروبية" و"مدينة الينابيع الدافئة" وغيرها كثر. أما أنا فأجد لقب "الفردوس الساحر" من أكثر الألقاب الذي يفيها حقها. فالطبيعة فتحت فيها صندوق عجائبها، وجعلتها تختزل الجمال الطبيعي بكافة أبعاده ومفاهيمه.

الحياة الجميلة جداً!

يتولد الحب من النظرة الأولى عندما تصافح أعينكم بادن بادن التي نجحت منذ أكثر من ألفي عام بأن تتوج نفسها كإحدى أهم الوجهات السياحية في ألمانيا. فالرومان القدامى قصدوها وإرتموا في مياهها الدافئة لإستعادة النشاط والعافية. ومنذ ذلك التاريخ بدأت شعبيتها تتزايد سنة بعد سنة حتى غدت ملتقى آلاف السياح كل عام. الحياة جميلة وسعيدة في أحضان هذه المدينة الصغيرة التي تصل مساحتها إلى 140 كيلومتر مربع، ولذلك إختار مكتب ترويج السياحة اليها عبارة: "بادن بادن الحياة الجميلة جداً" Baden-Baden… The good-good life  لتشجيع السياحة إلى ربوعها.

فأين ما جال النظر ستشعر وكأنك في مكان لا يشبه سواه، رصيده كنوز طبيعية للينابيع العلاجية، وطبيعة عذراء لم تشوهها يد الحداثة، فتركت أشجارها الباسقة مترامية على أطراف الطرقات، وحول جوانب المباني والفنادق والشوارع. في شارع "لشتنتالر اليه" Linchtentaler Alle المحروس بالأشجار مررت بين أهم متاجر المدينة الراقية، وعبرت جسوره المزدانة بالنقوش المحفورة بعناية ودقة، وعشت سحر هذا الشارع الذي لا يزال يحافظ على مكانته كأحد أهم الشوارع التجارية في العالم منذ أكثر من 350 عاماً. عند سفح جبل أخضر كنت وجهاً لوجه مع منتجع "فريديريكزباد" Friedrichsbad الذي يقصده الآلاف سنوياً للإستحمام بالطريقة الإيرلندية - الرومانية التقليدية الذي يشتهر بها منذ عام 1877. يربض بجواره منتجع "كاراكللا" Caracalla Spa الذي سيرحب بكم بصوت خرير المياه المتدفقة في مساحبة الخارجية وبركه الداخلية ليعلن أن وقت الإسترخاء أصبح مطلوباً.

من المعروف أن المياه التي تصله من الينابيع الإثنتي عشرة المتفجرة حوله لا تتأثر بعوامل الطبيعة الخارجية وتبقى محافظة على دفئها وحرارتها التي تتراوح من 50 إلى 68 درجة مئوية طوال العام. ولهذه المياه المقدرة على معالجة الروماتيزم، وتنشيط الدورة الدموية، والعديد من الأمراض الجلدية. في "كاراكللا" يشعر الزائر بأنه نسي إيقاع الحياة المثقل بالهموم والمتاعب، وعاش تجربة مكللة بإستعادة النشاط والراحة النفسية.

إقامة سعيدة!

بادن بادن هي مدينة المسافات الصغيرة. فجميع الفنادق والمتاجر ووسائل الترفيه والتسلية المتناثرة على أرضها يمكنكم الوصول إليها سيراً على الأقدام دون الحاجة لإستخدام سيارات الإجرة أو وسائل النقل العامة. هنا ستجدون سلسلة من الفنادق الراقية التي يطيب الإقامة فيها، منها  فندق "دورنت ميزون ماسمير" Dorint Maison Messmer الذي يتعالى بجوار مسرح المدينة وحدائقها الغناء، وكذلك فندق "برينيرز بارك هوتيل أند سبا"Brenners Park-Hotel & Spa  الذي لا يزال منذ أكثر من 145 عاماً محافظاً على مكانته المرموقة كأفضل فنادق المدينة وملتقى طبقة النخبة. على مقربة من هذا الفندق التاريخي يربض فندق "راديسون بلو باديشر هوف" Radisson Blu Badischer Hof الذي كان ديراً للرهبانية الكبوشية، ثم أعيد بناؤه في القرن التاسع عشر ليتحول إلى أحد أهم فنادق المدينة نظراً للينبوع الحراري الذي يتدفق قربه ويمد حوض السباحة فيه بالمياه المعدنية الدافئة.

هذه المياه التي تتدفق من العديد من الينابيع المتوزعة في أرجاء المدينة تغذي بعض غرف وأجنحة فندق "هيليوبارك باد هوتيل زوم هيرش" Heliopark Bad Hotel Zum Hirsch  في وسط المدينة القديم. وتشرع هذه المدينة الودودة أبوابها لفنادق جديدة منها فندق "رومرز" Roomers  الذي افتتح عام 2016 وفيه 130غرفة بما في ذلك أجنحة أنيقة. من عناصر الجذب فيه منتجعه الصحي الذي يحتل مساحة 500 متر مربع، وفيه ينعم الزوار بمجموعة من برامج الاهتمام بالنفس والجسد.

إخترنا لكم!

وسط حديقة مترامية الأطراف يقع مطعم "ريتزي" Rizzi الذي يستحق بجدارة نجمتين أو ثلاثة من نجوم ميشلان التي تمنح لأفضل المطاعم من حيث طريقة الإستقبال، والنظافة، والترتيب، ونوعية الأطباق، والسعر، والأجواء. فكل هذه الشروط يستوفيها ويضيف عليها جلسات مميزة في مكان تظلله الأشجار وتحيط به سجادة ربيعية مطرزة بأجمل أشكال الزهور والنبات. للمأكولات الفرنسية حصتها في مطعم "لي جاردن دي فرانس" Le Jardin de France. فكل الباحثين عن الأطباق الفرنسية وخصوصيتها يعرفون مقصدهم في هذا المطعم الذي يحظى بشعبية كبيرة وسط المدينة. "فريتز أند فيليكس" Fritz & Felix هو إسم المطعم الجديد الذي إستقبله فندق "برينيرز" ويتميز بأطباقة المحلية والعالمية التي تحضر على أيدي طهاة يحملون جوائز عالمية في فن الطهي.

ولذلك يطيب تناول تلك الأطباق الشهية التي تمتزج مع  أجواء الفندق البديعة لتضفي على الطعام مزيداً من اللذة. ومن بين مقاهي المدينة الشهيرة يبرز إسم "كافيه كونيغ" Café Konig التي بدأت مشوارها التجاري في المدينة منذ حوالي 250 سنة. هناك يمكنكم تذوق كعكة الغابة السوداء المزينة بحبوب الكرز والكريما والشوكولا الأسود، إلى جانب مجموعة أخرى من الحلويات التي تحضر محلياً. وللحلويات أيضاً نصيبها في مكان بيع الحلويات "رامبلماير" Rumpelmayer وفيه يحلو تذوق ما لذ وطاب من أصناف الحلويات التي تزين واجهاته الأنيقة.

لا تنسوا هذه المعالم!

بمحاذاة نهر "اوس" الذي يترقرق بكل شاعرية في وسط المدينة، سرت وتأملت ذلك النهر الذي يطبع على صفحة مياهه خيالات الأشجار والبيوت الأنيقة التي تحمل بمعظمها بصمات "الحقبة الجميلة"La Belle Époque  التي راجت في أوروبا منذ أكثر من 100 سنة. عبر طرقات غاية في الهدوء والرومانسية وصلت  متحف "فابيرجيه" Fabergé Museum الذي يجمع تحت سقف واحد أروع القطع الذهبية والماسية والأحجار الكريمة التي كان يملكها ملوك وأمراء أوروبيين. في المتحف يتوه الزائر بين المعروضات الثمينة التي يفوق سعر بعضها ملايين الدولارات والتي تحمل جميعها توقيع "بيتر كارل فابيرجيه" الذي كان مصمم المجوهرات المفضل لدى الأباطرة الروس بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

مع بريق ولمعان تلك التحف الجميلة المسجونة داخل الواجهات الزجاجية، تعرفت على تاريخ كل قطعة، ومصدرها، ومن كان يملكها. معروضات باهظة الثمن تتلاقى مع بعضها، أكثرها شهرة البيضة التي أعطت "فابيرجيه" شهرته الواسعة، فهو كان يصممها للأباطرة الروس ليقدمونها لزوجاتهم كهدية بمناسبة عيد الفصح.

متحف "فريدر بيردا"

في متحف "فريدر بيردا" Museum Frieder Burda كنت أمام مئات اللوحات الزيتية والتعبيرية والتجريدية التي تتنافس في ما بينها، لتقدم إلى محبيها فسحة من الفن والإبداع. ساعتين داخل المتحف كانت كافية لانهي جولتي فيه وأنطلق من جديد عبر طرقات المدينة حيث كانت تصافح نظري مناظر بانورامية لم تمتد يد الحداثة اليها ولم تشوهها. بالوصول إلى عمق المدينة اتيحت لي الفرصة لزيارة صالة "فيشتبيل هاوس" Festpielhaus التي تعد أكبر صالة لحفلات الأوبرا والمهراجانات الموسيقية في ألمانيا، إذ بإمكانها إن تستوعب أكثر من ألفي شخص. تستقطب الصالة أهم الأسماء البارزة في عالم الغناء. فأي عرض فني على خشبة مسرحها هو بمثابة تكريم وتقدير للمواهب الفنية.

Baden-Baden Kur & Tourismus GmbH

لم أمر مرور الكرام أمام مبنى "ترينك هول" Trinkhall الذي كان في السابق مركزاً لضخ المياه إلى المدينة. فصعدت أدراجه، وهمت في روعة هندسته التي تزينها أعمدة كورنثية الطراز، وجداريات ملونة برسومات من أيام الرومان القدامى. ويقال أن مياه الشرب التي تتفجر من ينبوع يصب داخل المبنى لها منافع صحية عديدة. ومن هذا المكان توجهت إلى حديقة الورود "غونرانلاغ" Goenneranlage الشامخة على إحدى الروابي والتي أسسها تاجر البُن "هرمان سيلكن" في بداية القرن العشرين تكريماً لزوجته. ستستقبلكم الحديقة بأريج الورود الذي يعبق في الأجواء فتخالون كأنكم تتنشقون قارورة عطر فاخر، وستشعرون وكأن الربيع لا يفك حصاره عن هذه البقعة التي هي مسرح مفتوح لورود متعددة الأشكال والألوان، ترسم في مكان ما أقواس نصر، وفي مكان آخر ستجدونها تقف وحيدة أو في حالة عشق وهيام مع الأشجار التي تسللت إلى أغصانها لتحفر في الذاكرة منظراً يصعب نسيانه.

عقارب الساعة كانت تشير إلى الثامنة مساء، وكانت الشمس تلملم طرحتها الذهبية لتشرق في مكان آخر. وعندما مكن الليل سيطرته على المدينة ولفها بوشاحه الأسود، أضيئت الشوارع والطرقات والممرات بالمصابيح الكهربائية، وهب من جديد النسيم العليل المحمل بعبير زهور الربيع، كنت عند ذلك اعبر شارع "لشتنتالير اليه" متوجهة إلى فندقي، لأجمع أغراضي وأترك مدينة يعز على أي سائح تركها عندما تشارف الرحلة على نهايتها.

 

بيروت تايمز بيروت تايمز بيروت تايمز بيروت تايمز بيروت تايمز بيروت تايمز بيروت تايمز بيروت تايمز بيروت تايمز

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment