جنون العظمة...جدار ترامب العظيم

02/10/2019 - 14:03 PM

Kordab Law

 

 

 فؤاد الصباغ

تشهد الولايات المتحدة الأمريكية خلال هذه الأيام أزمة سياسية داخلية تسببت فيها القرارات الهستيرية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب و ذلك من خلال الإغلاق الحكومي الجزئي لأغلب المؤسسات العمومية الأمريكية و إصراره المتواصل علي تنفيذ مشروع بناء جداره الفولاذي الباهظ جدا. فهذه الأزمة الداخلية لها تداعيات مستقبلية عميقة علي الميزانية الحكومية بحيث تسبب هذا الإغلاق الحكومي في خسارة العديد من مليارات الدولارات يوميا.

مرض جنون العظمة

 إن مرض جنون العظمة لشخصية دونالد ترامب أدي إلي تدهور الأمور السياسية و الإقتصادية لإدارة البيت الأبيض بحيث برزت الإستقالات المتتالية بالجملة, كما زادت عليها قراراته بإنسحابه من أغلب الإتفاقيات الدولية مع فرض ضرائب جمركية علي المبادلات التجارية الأمريكية مع الإتحاد الأوروبي. لكن لم يقتصر الأمر علي هذا فقط بل إتجهت هذه القرارات الخطيرة نحو مجلس الكونغرس و ذلك من أجل تمويل مشروعه الضخم المعروف بالجدار الفولاذي العازل بين الولايات المتحدة الأمريكية و المكسيك. كما أن سيناريوهات تواصل هذه الأزمة لم تنتهي بعد خاصة بعد الخلاف الحاد بينه و بين أعضاء الكونغرس و علي رأسهم نانسي بلوسي و تشاك شومر. فهذه الهستيريا الترامبية لصاحب المال و الأعمال من جهة و السلطة و النفوذ لأقوي دولة في العالم من جهة أخري جعلته مريض نفساني يشعر بالعظمة و كأنه "فرعون العصر أو قارون القرن". إذ أصبحت هذه المواقف الصارمة للرئيس الأمريكي الحالي تشكل تهديدا حقيقيا لمستقبل العلاقات الأمريكية الخارجية مع دول الجوار أو مع بقية دول العالم.

تكلفة إنجاز مشروع باهظة جدا

فمن أهم مطالب ترامب بخصوص بناء هذا الجدار الفولاذي الضخم هو صرف ميزانية لتمويل هذا مشروع تقدر بمبلغ 800 مليون دولار كمساعدات إنسانية للاجئين و المهاجرين غير الشرعيين من أمريكا اللاتينية و العالقين علي الحدود المكسيكية. بالإضافة لذلك مطالبته بمبلغ إضافي ب 850 مليون دولار كمساهمة لمكافحة تهريب المخدرات و البشر و السلاح عبر تلك الحدود. أما في المقابل فتكلفة الجدار الفولاذي المزمع تشييده ستبلغ حسب التقديرات الأولية مبلغ إجمالي يقدر ب 5.7 مليار دولار و هذا يعتبر مبلغ مهول و باهظ جدا في مشروع لا يستحق إنجازه و لا يحقق عائدات مالية للخزينة العامة. كذلك صرح ترامب بأنه سيبقي علي قانون حماية المهاجرين الغير شرعيين و اللاجئين الذي وقعه الرئيس السابق بارك أوباما سنة 2012 و ذلك لمدة ثلاثة سنوات إضافية حتي يتسنى للجهات الأمنية تسوية وضعيتهم القانونية. إن هذا الجدار لا يمثل إنجاز تنموي ليقع الإستثمار في تمويله بكل هذه الأموال الضخمة و التي تتطلب كميات كبيرة من الفولاذ الباهظة أو أيضا إستعمال النفوذ لتعطيل المصالح الحكومية بفرض غلق شامل و كامل علي أغلب المؤسسات الحكومية. ففي المقابل يعد تمسك أعضاء الكونغرس بالرفض مبررا لأن كل هذه الأموال لها مصدرها و من الأجدر توجيهها إلي الشؤون الإقتصادية الداخلية المفيدة ذات المردودية الفاعلة و النجاعة العالية. إذ يمكن في المقابل كبديل إستعمال الأسلاك الحديدية و الكهربائية أو زراعة أشجار الصنوبر أو التين الشوكي علي طول الحدود مع فرض الرقابة بالإستشعار الحراري عن بعد و بالكلاب البولوسية أفضل من إستنزاف مبالغ مالية ضخمة من الخزينة الأمريكية العامة علي مشروع لا يستحق التنفيذ علي أرض الواقع. أما مطالبته بتوفير طاقم ضخم متكون من 1700 عامل و 85 خبير تكنولوجي للإشراف علي مراقبة هذا الجدار يمثل أيضا عائق نظرا لزيادة التكلفة المادية للإنجاز و للتسيير و للمتابعة.

الإيجابيات و السلبيات

 فعلي الرغم من إيجابيات هذا الجدار الترامبي الفولاذي للتصدي لتهريب المخدرات و البشر و تجارة السلاح و تخفيض نسبة الجريمة أو الإرهاب أو التسلل غير شرعي عبر تلك الحدود, إلا أن السلبيات كانت هي الطاغية و تمثل حاجز لمواصلة التنفيذ نظرا للتكلفة الباهظة و عزل الولايات المتحدة عن فضائها الإقليمي. فمن الأهم و الأجدر لإدارة البيت الأبيض إيجاد حلول جذرية لتدفق هؤلاء الفقراء و المساكين من دول أمريكا اللاتينية نحو الولايات المتحدة الأمريكية بحيث توفي العديد منهم خاصة في صفوف الأطفال و المسنين علي الحدود المكسيكية في ظروف إنسانية سيئة جدا. إذ بإعتبار أمريكا دولة للحرية و للديمقراطية عليها تحمل مسؤوليتها لإغاثة الأبرياء المهاجرين و اللاجئين و توفير لهم ظروف عيش لائقة التي لم يجدوها في أوطانهم. إذ من العار علي دولة عظمي أن تتلطخ أيديها بوفيات تلك الأطفال و اللاجئين علي الحدود و اللذين يبحثون عن العمل و المال فقط و لا غير. ففي هذا الإطار من الواجب الإنساني علي الكونغرس الأمريكي دراسة الأسباب العميقة لأزمة هؤلاء النازحين و اللاجئين و طرح أفكار حقيقية لمساعدتهم من أجل إعادتهم لأوطانهم أو توفير لهم الإقامة القانونية الدائمة و الحماية اللازمة كحق العمل و كسب المال الشرعي. أما في المقابل فيحق لأمريكا أيضا بتعزيز أمنها علي حدودها لحماية مواطنيها من المجرمين و الإرهابيين و تجار السلاح و المخدرات.

فمن غير الضروري علي الكونغرس الأمريكي أن يصرف كل تلك الأموال الضخمة المطلوبة لتنفيذ مشروع جدار ترامب العظيم و تهمل في المقابل جوهر القضية و هي المساعدات الإنسانية لهؤلاء المضطهدين و المتضررين في أوطانهم. إذ يمكن تحويل تلك المبالغ المالية المطروحة علي الطاولة لتمويل ذلك الجدار العملاق و التي تتجاوز 6 مليار دولار إلي قروض إستثمارية لرجال الأعمال الأمريكيين من أجل إنجاز مشاريع و فروع مصانع أمريكية علي الحدود المكسيكية. أيضا يمكن الإستثمار الأمريكي المباشر في دول أمريكا اللاتينية و ذلك للحد من الزحف لهؤلاء المساكين نحو الحلم الأمريكي الذي أضحي لهم وهم أو فناء من الحياة.

 

*باحث اقتصادي دولي

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment