الخلاف مستمر حول الوقائع

02/10/2019 - 13:51 PM

Kordab Law

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

بعد أكثر من عشر سنوات على "الركود الكبير"، لا زال الخلاف مستمرا حول الأسباب وطرق المعالجة.  اذا كنا نختلف كمتابعين بالنسبة الى الأسباب، فكيف يمكن أن نتفق على العلاج والحل؟  من هو المسؤول أو من هم المسؤولون عن كارثة 2008 وهل كان يجب أن تحصل المحاسبة بجدية أكثر منعا للتكرار؟  نعلم جميعا أن للنجاحات مئات الأباء والأمهات، أما السقوط فيبقى دائما يتيما اذ يتهرب الجميع منه ومن المسؤولية.  الهدف ليس فقط تفسير ما حدث وانما أخذ الدروس الصحيحة لتجنب تكرار هذه الكوارث المالية الاقتصادية.

يخشى دائما بعد الأزمات من أن تطبق السلطات الرسمية حلولا قاسية تعرقل النمو المستقبلي وتضر بركائز الاقتصاد على المدى البعيد.  لذا دراسة الحلول مهمة جدا كي يكون العلاج بمستوى الأزمة وليس أقل أو أكثر.  تشير التجارب أن السلطات في أسيا وأميركا اللاتينية وروسيا وغيرها وضعت قوانين وقواعد واجراءات قاسية جدا بعد الأزمات لعدم معرفتها للأسباب الحقيقية، وبالتالي أضرت بالاقتصادات ومنعت عمليا نهوضها.  العلاجات ضرورية دائما شرط أن تكون صحيحة وموزونة وليس مبالغا فيها.  المشكلة الأسواء هي اعتماد علاجات خاطئة مرتكزة على دراسات مغلوطة تعمق الأزمات.

الجميع متفق على أن أزمة 2008 بدأت في القطاع العقاري الأميركي وانتشرت وطنيا ودوليا بسبب حجم الاقتصاد الأميركي وعمق المشكلة.  شكل الركود الكبير خضة كبيرة في الاقتصاد الدولي الذي كان ينمو سنويا بمعدل 3.5% خلال العقد الذي سبق وتراجع بأكثر من 1% في سنة 2009.  هذه نقلة نوعية سلبية أطاحت بالنمو والتفاؤل وجعلت الجميع يدرس ويفتش عن الأسباب الحقيقية للأزمة.  لم يكن أحد يتوقع أن تحصل الأزمة بالشدة التي حصلت فيها، بمن فيهم أهم الاقتصاديين العالميين والذين يتعاملون في السوق شراء ومبيعا.  النمو كان قويا وكان الجميع يتوقع أن يستمر هذا النمو الى ما لا نهاية، وهذا هو قصر النظر بحد ذاته.

هل تعود أسباب السقوط الى عوامل السوق العادية أي الى جنون العرض والطلب أم هنالك دوافع لجعل العرض والطلب يتحركان بشكل غير طبيعي حتى لا نقول اصطناعي؟  هنالك أفكار متداولة نعرضها كما يلي:

أولا:  هل تكمن المشكلة في النظام الرأسمالي نفسه.  هل تنتج الرأسمالية أزمات من داخلها نتيجة قواعد العمل التي أحدثت فجوات كبرى في الدخل والثروة؟  اذا كانت المشكلة مرتبطة بالنظام نفسه، تصبح المعالجة أدق بكثير حيث يجب عندها ايجاد البدائل التي لا تتوافر اليوم.  الأنظمة الأخرى كالشيوعية والاشتراكية لم تعط النتائج الجيدة والخلاف يدور اليوم واقعيا حول أي شكل من الرأسمالية يجب تطبيقه؟  هنالك فوارق مهمة بين الأنظمة الأميركية والأوروبية والاسكندنافية لا يمكن تجاهلها.  يقول "جورج سوروس" المستثمر المجري الذي اختارته صحيفة "فاينانشل تايمز" رجل 2018 "أنه منذ وصول ريغان وتاتشر الى الحكم، أصبح اقتصاد السوق الفكر الأيديولوجي المسيطر عالميا".

ثانيا:  تهدف كل الحكومات الى تحقيق النمو القوي مهما كانت التكلفة، أي على حساب الحقوق والبيئة والعدالة والصحة.  المهم تحقيق الربح دون النظر الى أوضاع الضحايا من فقراء وغيرهم.  أنتج هذا الجشع خسائر كبرى وأمراض حقيقية تكدست مع الوقت لتضع المجتمعات كلها في خطر.  ساد التفكير أن الأسواق المالية هي التي تنتج النمو الاقتصادي وبالتالي خلقت كل الأدوات التي تحقق الربح السريع المرتكز على مخاطر كبرى.  قال الاقتصادي "مينسكي" أن الأسواق المالية تتعرض دائما للمضاربات الدورية التي تسبب في آخر المطاف أزمات كبيرة.  قال "مينسكي" أيضا أن النقطة المفصلية هي عندما تخف السيولة في السوق ويبدأ بيع الأصول وبالتالي تتجه الأسعار نزولا مما يسبب الكارثة.  هذا ما حصل في معظم الأزمات وبالتالي الجميع يقرأ اليوم "مينسكي".  بعد أزمة 2008 تغير التفكير وأصبح التركيز منذ ذلك الوقت على دور التكنولوجيا والابداع والعلوم في خلق النمو وتطويره.  الربح عبر الأسواق المالية أسهل وأسرع وأخطر، لكنه غير دائم.  الربح عبر العلوم والتكنولوجيا أصعب وشاق ومتواضع، لكنه دائم أو يطول أكثر لتأثيره على مصادر النمو.

ثالثا:  عندما حصلت الأزمات وغاب النمو وارتفعت البطالة، ماذا فعلت الحكومات؟  زادت الانفاق العام لمواجهة الخلل في السوق ولتجنب حصول كارثة كما في 1929.  ماذا كانت النتيجة؟  ارتفاع كبير في عجز الموازنات وفي الدين العام للتقليل من الخسائر الاقتصادية ومن الغضب الشعبي.  بعده ولمعالجة الخلل المالي، قامت الحكومات بتطبيق سياسات تقشفية قاسية أغضبت الجمهور وسلبت بعض الحقوق وسببت فوضى في المجتمعات آخرها ما ظهر عبر السترات الصفر في فرنسا وأوروبا عموما.

ما هي العبر التي يمكن اتخاذها مما حصل وهل تمت المعالجة بشكل يجعلنا متأكدين أن التكرار مستحيل؟  يرتكز الاطمئنان على الأمور التالية مجتمعة:

أولا:  هل تقدمت العلوم الاقتصادية بشكل يسمح للمواطن بالاطمئنان مرتكزا على البحوث والدروس التي حصلت؟  لا شك أن العلوم تطورت وتقدمت، الا أن الاطمئنان الكلي هو في غير محله خاصة وأن قسما كبيرا من العلماء ما زال يؤمن بنظريات لا تشير الوقائع الى صحتها الأكيدة.  في الاقتصاد هنالك نظريات متعددة يمكن أن تصح في ظروف معينة وتخطئ في ظروف أخرى، منها نظريات "الأسواق الفاعلة" أو النظريات التي تربط الاقتصاد بعلم النفس أو الأعصاب أوغيرها.  لا يمكن وصف أي من هذه النظريات بالخاطئة دائما أو بالصحيحة دائما، وهذه هي الصعوبة.  كما أن التدريس في كليات الاقتصاد وادارة الأعمال العالمية ما زالت نظرية عموما، وبالتالي لا تؤهل الطالب بشكل كاف لمواجهة الحقائق الاقتصادية وتغيرات الأسواق.

ثانيا:  هنالك دور كبير للاعلام المتخصص عبر الصحف والاذاعات والوسائل الأخرى يمكن أن يكون ايجابيا أو العكس.  في العديد من الأحيان كان الدور سلبيا أي شجع لأسباب غير بريئة المستثمرين والمواطنين العاديين على التهور والمخاطرة غير المدروسة.  دفعهم نحو الجشع والمغامرة في وقت ليسوا مستعدين ماليا وعلميا لمواجهة التحديات.  من يضبط هذا الاعلام المتخصص وغير البريء؟  هو غير بريء لأنه في بعض الأوقات يمثل مصالح معينة تهدف التي توجيه السوق باتجاه أو آخر.  لا شك أن هنالك أزمة في الصحافة المتخصصة العالمية وعلى القارئ أن يتنبه الى الغاية ويطالع مصادر متعددة وان كانت في العديد من الأحيان متناقضة.

ثالثا:  لا شك أن الدورات الاقتصادية تبقى موجودة وحية ولا بد من التنبه لحصولها.  معظم الخاسرين اعتقدوا أن الصعود مستمر ولا نهاية له.  حصل السقوط بشكل مفاجئ لهم، فخسروا الكثير.  كلما طال النمو الايجابي كلما زاد احتمال السقوط، وهذا مهم ويجب التنبه له دائما.  من المؤشرات المخيفة هي الفوائد المنخفضة التي تشجع دائما على الاقتراض والاستثمار وبالتالي ترفع المخاطر.  الفوائد ارتفعت 4 مرات السنة الماضية على الدولار مما يخفف من دافع المغامرة لأنها تصبح مكلفة أكثر.

رابعا:  هنالك دور كبير للسلطات الرسمية في تنبيه المواطن الى المخاطر وفي تطبيق القوانين بقساوة وعدالة على المخلين بقواعد السلامة.  هدف العقوبات ليس فقط محاسبة الماضي وانما خاصة زيادة سلامة المستقبل.  تكمن المشكلة أيضا في أن مؤسسات الرقابة تتأثر أحيانا بالسلطات السياسية، فتخفف من صرامتها لارضاء السياسيين وهذا سيء جدا.  المطلوب اعطائها الحصانة الكافية لمواجهة السياسيين تماما كما يحصل في أميركا بين المصرف المركزي وترامب.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment