ما بين زحلة البطولة والصين العظيمة "حكايات لا تنتهي"

02/09/2019 - 13:44 PM

Alferdows Travel

 

 

بقلم: محمد زريق

إنَّ قلمي الذي اعتاد على الكتابة الموضوعية والممنهجة وعلى خطاب العقل والفكر والسياسة والأرقام، قد قرّر اليوم الكتابة بحبر مختلف، هذا الحبر يدعى "حبر القلب والعاطفة والحنين". كيف لا أكتب وأتقن هذه اللغة، وأنا ابن مدينة عظيمة اسمها "زحلة"، هذه الأرض التي أنبتت الشعراء الكبار والفنانين والمثقفين ورجال العلم والقلم والوطن. للتاريخ مع زحلة قصة طويلة، فهي المدينة التي كانت عصيّة على كل الاحتلالات والتي تمسّك أهلها بالأرض وبكل حجر من حجارتها، إنها أرض الكِبَر والعنفوان والكرامة.

تفنن الناس باعطاء لقب يليق بهذه المدينة، فزحلة كانت "عروس البقاع وأرض الشعر والخمر والشهداء"، بالاضافة إلى نهر البردوني الذي كان ملهم الشعراء والذي يروي الأرض لتكون خصبة وخضراء. إنَّ التعصب هي آفة سيئة ومضرّة ولكن التعصب للوطن ولمحبة الوطن هي حاجة وضرورة وطنية من أجل التطور والتقدم، وأنا اليوم أكثر من أي وقت مضى أفتخر بقوميتي اللبنانية وبوطنيتي وبانتمائي لأرض زحلة، وأنا من المحظوظين لأنني عشت طفولتي وشبابي في مدينة لا تشبه غيرها من المدن وقلَّ مثيلها، إنها صورة مصغرة عن لبنان، تجسد قيم التعايش والمحبة والبساطة والتنوع والتقبل للآخر. قلتُ أنني من المحظوظين لأنني أنتمي لمدينة اسمها زحلة، ولكنني محظوظ جداً لأنني أصبحت أنتمي أيضاً لوطن آخر اسمه "الصين".

ما بين زحلة والصين الكثير من الاختلافات الحضارية والثقافية واللغوية، ولكن ما يجمع بينهما أيضاً أقوى بكثير من الاختلافات البسيطة، إنها "الطيبة". إنَّ الطيبة والبساطة أصبحت اليوم عملة نادرة وهي آيلة إلى الزوال، وهذا ليس كلاماً شعرياً وإنما حقيقة بشعة، فالمدنية والعولمة قد غيرت الحجر والبشر، والقلوب أصبحت أبشع والمادية سكنت النفوس. إن تجربتي مع الشعبين الصيني واللبناني تثبت أنَّ هذه الشعوب لا زالت تختزن الكثير من التواضع والبساطة والاحترام، عكس الكثير من الدول التي تدّعي أنها دول العالم الأول والدول المتحضرة.

في الصين على سبيل المثال، لكبار السن مكانة خاصة ومعاملة مميزة واحترام كبير، هذه القيمة لا تزال موجودة في المجتمع اللبناني، فاحترام وتقدير الكبار واجب. للعائلة أيضا قيمة كبيرة، فأثناء الأعياد والفرص في الصين من الواجب لم الشمل العائلي والتجمع في حال كان أفراد العائلة يعملون في محافظات أخرى، وهذا يشبه نمط حياة العائلة اللبنانية إلى حد كبير، وعلى عكس بعض المجتمعات الغربية التي تعاني من مشكلة التفكك الأسري والتي أصبحت ظاهرة متفشية.

من زحلة إلى الصين، أناس أحبوا الشعر وتفننوا في كتابته، فالشعر الصيني يعتبر من أجمل أنواع الشعر العالمي وكذلك الأمر مع الأدب الصيني، وزحلة غنية عن التعريف في مجال الشعر والأدب والفضل يعود لشعرائها وأدبائها الذين رفعوا اسم لبنان عالياً. كما ويعتبر النبيذ اللبناني من أفضل الأنواع عالمياً خصوصاً الزحلي منه، والمستهلك الصيني معجبٌ بالمشروب اللبناني وهو دائم الطلب عليه، لذلك نرى أن النبيذ اللبناني يشكل واحداً من أهم الصادرات اللبنانية إلى الصين.

إنَّ بلاد كونفوشيوس والتاريخ الطويل والحضارة العظيمة تفتح ذراعيها أكثر من أي وقت مضى لكل شعوب ودول العالم، من أجل التواصل والتفاعل السلمي والحضاري، ومدينة زحلة بالتأكيد ستكون من أولى المدن اللبنانية التي يجب أن تنفتح على الصين ثقافياً وحضارياً، فنحن لن نكتفي بالتوأمة بين زحلة والمدن الأوروبية ومدينة ساو باولو البرازيلية، فعملية التفاعل الحضاري الحقيقي لن تكون فعلية ما لم نعمل جاهدين على تعزيز التعاون البلدي والوطني المشترك.

إنَّ جميع ما يدوّن على الأسطر يبقى محفوراً للأجيال التي ستأتي بعدنا، ولكن أيضا الكثير من الكلمات والمشاعر من الصعب أن تحملها الورقة، لذلك تبقى داخل القلب والكيان، ولحكايتي مع زحلة والصين الكثير من الكلمات التي من الصعب أن تحملها هذه السطور، ولكن من يدري فالغد يحمل الكثير من الأخبار المدوّنة. وأنا الشخص الوطني المتمسك بلبنانيتي والذي لم يذهب إلى الصين إلا لاكتساب المعرفة العلمية والحضارية، سأقدم كل الممكن خدمةً لوطني لبنان أولاً وللدولة الصينية ثانياً.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment