مجلس العموم البريطاني و الجدل حول إتفاق "البريكست"

01/30/2019 - 12:54 PM

 

فؤاد الصباغ*

إن تصويت مجلس العموم البريطاني بالرفض علي الإتفاق التجاري والمالي المبرم بين الحكومة البريطانية ومفوضية الإتحاد الأوروبي والمعروف "بالبريكست" يعد صفعة مؤلمة جدا لرئيسة الحكومة تيريزا ماي ووثيقة سحب ثقة عن سياساتها المستقبلية ولوهي مؤجلة إلي حين. كما تعد هذه المبادرة التي قدمتها عبر إتفاق تسوية للوضعية البريطانية في الفضاء الأوروبي المشترك يعد بمثابة وثيقة مهمة للخروج بمكاسب ثمينة منها علي الصعيد التجاري والمالي.

المغادرة المؤكدة

لكن هذه المغادرة المؤكدة للإتحاد الأوروبي والتي من الممكن أن تدخل حيز التنفيذ في 29 مارس 2019 تضع جميع أعضاء مجلس العموم البريطاني في مأزق حقيقي بحيث سيكون خروج بريطانيا مذل ومهين جدا. فعلي الرغم من مجهودات تيريزا ماي لردع الصدع الداخلي قصد الحصول علي ضوء أخضر من حزب المعارضين لحفظ ماء وجه بريطانيا كدولة عظمي يحقق لها خروج مشرف ومكرم، إلا أن العوائق الداخلية من قبل المعارضين وبعض الأطراف في المجتمع المدني تبقي من أهم العوامل السلبية لها والتي من الممكن أن تؤدي لوفاة هذا الإتفاق.

فهذا التصويت بالأغلبية من قبل مجلس العموم البريطاني بـ 432 صوت ضد هذا الإتفاق مقابل 202 صوت مؤيد لهذا الإتفاق يعد نذير خطر علي مستقبل تيريزا ماي السياسي بحيث دخلت حكومتها مباشرة بعد هذا التصويت في مساءلة مستمرة حول مصير سياسة بريطانيا ضمن الفضاء الأوروبي الموحد.

كما أن هذا التشتت في المواقف بين أعضاء مجلس العموم مع تمسك زعيم المعارضين بحزب العمال جريمي كوبن برفع عريضة لسحب الثقة عن حكومة تيريزا ماي مع دعوتها للإستقالة يفتح الآفاق أمام أزمة سياسية بريطانية داخلية من جهة وأزمة دبلوماسية أوروبية من جهة أخري.

طلاق بالتراضي أم إنتظار للمزيد من الإمتيازات؟

 إن هذا الإتفاق الذي تم إبرامه بعد مفاوضات دبلوماسية مكثفة طالت أكثر من سنتين بين أعضاء البرلمان الأوروبي ورؤساء دول الإتحاد الأوروبي مع الحكومة البريطانية الحالية يبقي المخرج الرئيسي والوحيد من هذه الأزمة. بالتالي أي إنحراف عن هذا المسار التوافقي الأوروبي بالإجماع بين جميع الأطراف سيمثل الإنجراف نحو المجهول وسيتسبب بخروج بريطانيا بكف حنين فارغ وبدون مكاسب أو إمتيازات مثل "الطلاق بين الزوجين بالتراضي". فالإتحاد الأوروبي لا يمكن له تقديم المزيد من التنازلات لبريطانيا وهي خارج فضائه وسياساته الأوروبية المالية، النقدية والتجارية الموحدة بحيث لا توجد هنا مصالح مشتركة في العمق.

أما من جانب مواقف الإتحاد الأوروبي التي صدرت مباشرة بعد هذا التصويت خاصة من قبل رئيس المفوضية الأوروبية جون كلود يونكر وكبير المفاوضين بالبرلمان الأوروبي الفرنسي ميشال بارنيه كانت في مجملها تدعو مجلس العموم بالتريث وبإعادة مراجعة الخطة "ب" التي من الممكن أن تطرحها تيريزا ماي مجددا بأفكار جديدة. إن هذا الرفض للإتفاق علي "البريكست" يكمن بالأساس من أجل المطالبة بحصد المزيد من الإمتيازات التفاضلية خاصة منها الإقتصادية كالإعفاءات الجمركية علي المبادلات التجارية التي كانت تتمتع بها بريطانيا قبل الخروج من الإتحاد الجمركي المشترك. فهذا الإتفاق هو بالأساس يندرج ضمن طرح مجموعة من المكاسب المالية والتجارية لبريطانيا كمبادرات إقتصادية لتسمح لها بالخروج في إطار صفقة تضمن لها المبادلات التجارية والمعاملات المالية مع الإتحاد الأوروبي.

البديل خطة "ب" أم إستفتاء شعبي ثاني؟

 أما بالعودة إلي الإستفتاء الشعبي البريطاني الأول نلاحظ أن نسبة 70% من الشباب لا ترغب في المغادرة من هذا الفضاء الأوروبي المشترك مقابل 70% من كبار السن ترغب بالفعل في المغادرة النهائية. بالتالي هذه النتائج لسبر الآراء تفسر بأن الرأي العام البريطاني غير قابل لفكرة الإنفصال من جانب واحد نظرا لبعض العوائق والسلبيات التي من الممكن أن يتسبب فيها قرار المغادرة بدون حزمة من التنازلات أوبدون مكاسب تذكر تشمل سهولة الحركة والتوظيف أوالحوافز الإستثمارية الأوروبية المشتركة. إذ من المعروف علي الساحة الإقتصادية أن إندماج بريطانيا في الفضاء الأوروبي الحر يشمل حاليا قبل المغادرة فقط السياسة المالية والتجارية المشتركة ولا يشمل السياسة النقدية المشتركة.

بالنتيجة هذا الخروج سيكون له تاثيرات سلبية مباشرة علي الإقتصاد البريطاني خاصة في الأسواق المالية الداخلية والمبادلات التجارية أومن جانب جلب رؤوس الأموال الإستثمارية الأوروبية. أما بخصوص هذا الإتفاق ضمن الخطة "أ" التي طرحت للتصويت ولوأنه محدود ولا يحمل الكثير من الإمتيازات فهوقادر علي تقليص الفجوة والحفاظ علي التوازن المالي الداخلي. فرهان حكومة تيريزا ماي بعد هذه الصفعة المؤلمة التي تلقتها خلال التصويت الأول بالرفض من قبل مجلس العموم البريطاني علي إتفاق الخروج من الإتحاد الأوروبي البريكست لم يتوقف بعد من أجل تحقيق مكاسب ثمينة.

إذ أن رهانها مازال قائما قصد كسب المزيد من الدعم الداخلي لحزبها وحشد أكبر عدد ممكن من المعارضين داخل مجلس العموم البريطاني وذلك من أجل التصويت الثاني علي الخطة "ب". أما في المقابل إذا تم رفض تلك الخطة مجددا وتم حجب الثقة عن حكومتها فإنها ستلجأ للإستفتاء الشعبي الثاني والذي يعد الورقة الأسوأ لها لأنه سيتسبب لها بنهائية مستقبلها السياسي.

كسب الرهان الإقتصادي

عموما إذا فشلت جميع مساعي الحكومة البريطانية لكسب الرهان الإقتصادي المستقبلي كالحفاظ علي عملة الجنيه الإسترليني القوية في الأسواق المالية العالمية والتوجه نحوالمزيد من تعزيز الشراكة السياسية، العسكرية والإقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية أوالخروج المشرف بحزمة مكاسب جيدة من البريكست فمن المؤكد أن الأمور ستسير من السيئ إلي الأسوأ. فبالنتيجة يمكن أن تدخل بريطانيا في الهاوية الإقتصادية والأزمة السياسية والدبلوماسية لأن الإستقرار والتوافق السياسي يحقق الإستقرار والإزدهار الإقتصادي والعكس بالعكس.

*باحث اقتصادي دولي

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment