ما بين دبي وبيروت: مشاعر من الحزن والغضب

01/12/2019 - 11:10 AM

 

بقلم: محمد زريق

أكتبُ كلماتي والحرقة ثكلت الفؤاد والصدر يضج غضباً من قسوة قدر الزمن عليكَ يا وطني. أنا الذي حَمَلتُ وطني على كاهلي وصوّرتُهُ حُلُماً زمردياً جميلاً لم يكتب له القدر أن يعيش. أعذرني يا وطني فأنا لا أحملُ مالاً لأعيد الحلم الجميل إليك ولست بصاحب قرار لأبعد عنك خفافيش الليل، أنا لا أحمل سوى قلمي وقلبي الذي لم يرضى بغيرك وطناً له، ولكن هذا الوطن مجروح وحزين وهو اليوم مصدراً للشفقة بعد أن كان هو الأرض التي يحلم كل شخص من كافة أنحاء العالم بزيارتها للتنعم بجماله واكتساب الثقافة والعلم والتقرّب من الله.

لقد كانت الرحلة المشؤومة التي احتقرتُ نفسي فيها وعلمت في أثنائها أنني أنتمي إلى وطن صغير الحجم والقيمة، بعد أن كانت قيمة هذا الوطن كبيرة جداً وحدوده هي حدود العالم. عذراً منكَ يا أستاذ هنري زغيب، فأنتَ الذي قلت "لا تقولوا: كم العالم صغير، بل قولوا: كم لبنان كبير"، ربما هذا النداء كانت ينطبق على لبنان القديم الذي أحببناه ورحل، ولكنه لا يمت بصلة إلى واقعنا المعاش اليوم ولا إلى لبناننا الحالي.

لقد كانت وجهتنا إلى دبي وهي إمارة في دولة الامارات العربية المتحدة، ربما كنتُ أنا العربي الوحيد على متن الطائرة وباقي الركاب كلهم صينيون، ولكنني لستُ إماراتياً إنما لبنانياً، ووجهتي كانت لبنان وليست الامارات، أما باقي الركاب فالوجهة كانت الامارت العربية المتحدة وبالتحديد دبي بهدف السياحة وقضاء إجازة قصيرة. لقد كانت الفرحة تغمر الركاب لأنهم في طريقهم إلى زيارة بلد عربي جميل والتعرف عليه أكثر، وقد علمتُ أنَّ هناك بعض الأماكن السياحية الحديثة التي سعت الدولة الاماراتية إلى إقامتها من أجل جذب السيّاح ومن أهمها "جزيرة النخلة الاصطناعية وبرج خليفة والداون تاون والأكواريوم".

وعندما عدتُ إلى لبنان شعرتُ بالحسرة، لأنني وجدتُ وطنناً من دون حكومة ونفقاً غارقاً بالمياه وطرقات اجتاحتها النفايات وحفر كثيرة وأطفال تموتُ جوعاً، وأيضاً وجدتُ عائلات مرفّهة وسيارات لم يخلق مثلها في البلاد والكثير من الناس تنفق في سهراتها ما ينفقه المواطن الفقير ثمن طبابة. وأيضاً احتقرت نفسي من جديد لأنني أنتمي إلى هذا الوطن وإلى هذه الطينة من الناس، فلبنان السياحة والجمال والحضارة والثقافة قتلتموه والمناطق الصحراوية التي لم تدُسها رِجلٌ غريبةٌ من قبل أصبحت ملاذاً للسياح.

لا أضع اللوم على السياح الصينيين الذين اختاروا الامارات ولم يختاروا لبنان والذين ينعشون الاقتصاد الاماراتي أكثر وأكثر، ولكن أضع اللوم على شعب أصبحت المذلة له عادة، والموت على أبواب المستشفيات من المشاهد الطبيعية. إنَّ وطني هو الأجمل، أنا القومي اللبناني المتطرف والمتعصب لوطنيتي لا يمكنني أن أرى وطنناً رائعاً كلبنان يعيشُ حالة مأساوية ولا أحرك ساكناً، وأن أرى مناطق لا تشبه لبنان لا حضارة ولا ثقافة ولا طبيعة وهي تعيش حالة من الرفاه والرخاء.

ليس لأنَّ الامارت دولة غنية ولا لأنَّ لبنان دولة مديونة، إنما من يجلس على رأس الحكم في الامارات يعلم كيف تُدار البلاد وكيف يتم تحويلها من صحراء قاحلة إلى جنة، أما من جلس ويجلس على رأس الحكم في لبنان فقد تعلموا كيف تُسرق البلاد وتُنهب ثرواتها وكيف يتم تحويل جنة الله على الأرض إلى مزبلة للبنانيين ومهزلة وأضحوكة أمام دول العالم.

أقولُ لكم، إنَّ لبنان لن يتطور ولن يرتقي إنما هو متجه نحو القاع أكثر وأكثر وبسرعة هائلة، وأقولُ لكم ما لم تفكّوا ارتهاناتكم بدول جربناها منذ بدء التاريخ الى يومنا هذا فلن يتغير الوضع إنما سيزداد سوءاً، والرسالة الأخيرة هي للشعب اللبناني "لا تعلنوا الولاء لا لزعيم ولا لشيخ ولا لبيك ولا لمعلم"، ولا تكونوا درع حماية لفشل وتقصير وفساد الحكّام. "تحرروا فنحن بحاجة إلى الحرية".

وبعد تواصلي الدائم مع أصحابي الصينيين الجدد، قد قالوا لي أنهم أحبّوا الاماارت ولكن هناك وطن آخر اسمه لبنان يناديهم، ولكن هذا الوطن أجمل بكثير وشعبه أطيب ومأكولاته أشهى ومناخه أفضل.

بالرغم من كل شيء لبنان يرحب بكم!

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment