مفهوم الدولة العادلة من المنظور الاقتصادي

12/29/2018 - 12:16 PM

 

 

فؤاد صباغ

إن كلمة الاقتصاد تعني في مدلولها اللفظي التنظيم المالي والنقدي داخل الدولة ومؤسساتها وهي تختص كليا بوضع الأسس القاعدية للنمو الاقتصادي والتنمية بشتي فروعها. أما مفهوم كلمة الدولة فهي تختلف جذريا عن كلمة سلطة لأنها أوسع شمولية وتبسط نفوذها بصفة كاملة وشاملة من أجل التنظيم الوزاري والتسيير الإداري لكافة الهياكل العمومية وخاصة منها القطاعات الإقتصادية. بالتالي يمكن تقييم العدالة الاجتماعية في كل بلد من بلدان العالم وفقا للسياسة الاقتصادية المنتهجة والبعد الإستشرافي المرسوم ضمن المخططات التنموية الإستراتيجية.

هناك العديد من المتغيرات

إذ لا يمكن الجزم اليوم علي أنه هناك العديد من المتغيرات علي الصعيد العالمي ولعل أبرزها تلك الإحتجاجات المتنوعة من الثورات الإجتماعية تحت مسمي الربيع العربي وصولا إلي إحتجاجات أصحاب السترات الصفراء التي تجتاح الدول الأوروبية وربما عدواها ستنتقل إلي دول أخري تعاني من تعاسة الأنظمة الرأسمالية الرجعية. إن العولمة الإقتصادية العالمية المصدرة لسياسات التحرر المالي والتجاري، للتأهيل الشامل، للإصلاحات الهيكلية والإدارية برزت نتائج إفلاسها وعقمها في تحسين تسيير الشؤون الإقتصادية. كما أنها كانت دائما هي السبب الرئيسي في جميع الأزمات المالية العالمية والإحتجاجات الشعبية وعجز ميزانية أغلب الدول العربية التي تعاني من ضعف القطاع الخاص والسياسة الجبائية في ظل قطاع مالي وبنكي هش بطبعه.

تنظيم المالية العمومية والمحاسبة الوطنية وميزانية الدولة

فالسياسات الإقتصادية تأخذ أشكالا متنوعة منها السياسة النقدية والمالية والسياسة التجارية وسياسة الإقتصاد الكلي المنظمة لهياكل الدولة خاصة منها المختصة في تنظيم المالية العمومية والمحاسبة الوطنية وميزانية الدولة. لكن جوهر الأنظمة السياسية لهذه الإقتصاديات تختلف في العمق الإيديولوجي وفقا لمختلف النظريات التي تأسس عليها الإقتصاد العالمي بحيث تمثل السياسة الرأسمالية العالمية المستوحاة من نظريات المدرسة الكلاسيكية والكاينيزية والنيوكاينيزية المسيطرة بالكامل علي النظام الإقتصادي العالمي الحالي وذو القطب الواحد.

أما في المقابل فالأنظمة السياسية الإشتراكية والشيوعية التي تأسست علي قيم العدالة الإجتماعية وتوزيع الثروة الوطنية علي كافة الطبقات الشعبية والتي كان يروج لها عالم الإقتصاد كارل ماركس أصبحت اليوم مقموعة أومقبورة بعد وفاة الثورة القومية وخاصة بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي وإنكماش الكتلة الآسيوية الشيوعية علي نفسها بقيادة الصين الشعبية. أما بخصوص الدول العربية فكانت حرب العراق سنة 2003 التي تسببت في سقوط نظام صدام حسين الإشتراكي وإستكمال تفكيك نظام الإقتصاد الإشتراكي خلال فترة بما يسمي الربيع العربي سنة 2011 وذلك بإسقاط نظام العقيد معمر القذافي ومبادئ الكتاب الأخضر تمثل في مجملها وثيقة رسمية لوفاة النظام الإقتصادي الإشتراكي في أغلب دول العالم.

الدولة العادلة

إن الدولة العادلة هي تلك الدولة التي تنتهج في تسيير شؤون إقتصادها المناهج المركزية أواللامركزية في التنمية الإقتصادية التي تحقق العدالة الإجتماعية وتلبي الحاجيات الأساسية من أجل العيش بكرامة والإستفادة من برامج التعويض الحكومية ودعم المواد الغذائية الأساسية. هنا يتضح شرح النظرية الإقتصادية العادلة التي تأخذ طابع تحقيق التوازن داخل هياكل المجتمع المدني وفي المقابل التحكم في ميزان المدفوعات والمداخيل الحكومية تحت إشراف القطاع العام المسيطر علي كافة القطاعات الحيوية داخل الدولة. فعدالة الدولة تعني الوطن في خدمة الشعب أما في المقابل الشعب يخدم الوطن.

فإذا تخلت الدولة عن مكاسبها العمومية ليقع تفويضها للقطاع الخاص وللدويلة الصغيرة التي يديرها رجال المال والأعمال داخل الدولة في مفهومها الكلي، فهنا تغييب العدالة الإجتماعية وتبرز الإحتجاجات الشعبية. فالنظام الإقتصادي الإشتراكي تعتبر جذوره الأساسية المؤسسة للإستقرار والإزدهار الذي يحقق الرخاء والرفاهية والسلم الإجتماعية داخل الأوطان التي تنزف دماءً من جرح تسببت فيه الرأسمالية المتوحشة والتعيسة.

الدولة العادلة تبسط نفوذها على كامل هياكلها الإقتصادية

إن الدولة العادلة تذكرنا بتلك الدولة التي تبسط نفوذها على كامل هياكلها الإقتصادية وتقوم بتأميم جميع مؤسساتها المالية والبنكية والإنتاجية وخاصة منها توفير التعليم المجاني والصحة المجانية والنقل المجاني. فهنا تكمن جوهرية العدالة الإجتماعية داخل المجتمع بحيث يمكن تمثيله كخلية النحل التي تنتج العسل وتوزعه على نفسها وليس للغير بحيث تكون الدولة بمثابة الشرطي العادل والضامن لحقوق الجميع. كما أن الفساد المالي والإداري والتهرب الضريبي والجبائي وغيرها من التجاوزات في الحوكمة الإقتصادية تبرز بوضوح داخل الأنظمة الإقتصادية الرأسمالية الفاشلة. أما في الأنظمة الإقتصادية الإشتراكية فالعدالة الإجتماعية تكون الفيصل بين الجميع ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبرز تجاوزات إقتصادية أومالية من فساد ومشتقاته.

فالدولة العادلة هي الدولة المنتجة والجميع يعمل داخل المنظومة العمومية بحيث لا توجد ضرائب على الدخل أو تعسف في التشغيل ومحسوبية في الإنتدابات وتهميش للطبقات الفقيرة والمحتاجة بحيث الجميع سواسية أمام القانون تحظي برواتب شهرية متساوية وعادلة. بالإضافة إلي ذلك التمتع بحياة كريمة تحت مظلة وطن واحد لا توجد فيه إعتصامات أو إحتجاجات علي غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية أو تزايد السخط والتذمر الشعبي من سياسات القطاع الخاص المجحفة السالبة لجميع حقوق الطبقات العمالية الكادحة.

*باحث اقتصادي دولي

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment