الحقائق الاقتصادية في سنة 2018

12/29/2018 - 11:47 AM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

هنالك موجة من التشاؤم والقلق تعم المجتمع اللبناني بعضها مبرر والآخر مبالغ فيه. طبعا الوضع الاقتصادي المالي في لبنان متعثر، لكنه بعيد جدا عن الانهيار الذي يتكلم عنه بعض من "العارفين" في الشؤون على الأرض. الناتج المحلي الإجمالي ضعيف ويبلغ حوالي 55 مليار دولار أو معدل 12 الف دولار سنويا لكل لبناني. هذا قليل أمام الطموح اللبناني، لكن ما هي الغاية من تخويف اللبنانيين في غياب المبرر الواضح؟ لماذا نبث موجات سوداء خاطئة داخل المجتمع اللبناني الذي يتوق دائما الى الأفضل؟ هل يستأهل الحصول على مركز نيابي أو وزاري أو اداري أن نبث كل هذا الخوف في المجتمع؟ ما هي الوقائع وكيف نصفها؟,

انهيار في لبنان؟

لن يكون هنالك انهيار في لبنان كما حصل في فينزويلا لأن الأوضاع مختلفة والاقتصاد اللبناني مفتوح وما زال يجذب الراغبين لأن اللبناني ما زال يؤمن بمستقبل بلده حتى لو عمل في الخارج أو هاجر. ما زال يؤمن بلبنان وان يكن غير راض مطلقا عن ما يجري في السياسة والادارة العامة. هنالك رغبة في الحياة والتقدم والطموح تنبض بقوة في لبنان وداخل المواطن. حتى في هذه الفترة الداخلية والاقليمية الصعبة، الأسواق في الأعياد ليست ضعيفة كما يتصور البعض بانتظار الأرقام النهائية الصحيحة.

احصائيات صحيصة!

المطلوب احصائيات صحيصة وهذا ما لم نصل اليه في لبنان بعد عن قصد حكما.

أولا: في منطقة عربية تغلي بالحروب والمواجهات بدأ من سوريا وحتى اليمن مرورا في الخليج وفي ظل انخفاض أسعار النفط التي تؤثر مباشرة وبصورة غير مباشرة على كل دول المنطقة، نرى أن الاقتصاد اللبناني ينمو بمعدل 1,5% سنويا. أيا كانت الأسباب، هذه نسبة مقبولة في منطقة تغلي اجتماعيا وبشريا واداريا وأمنيا. هذا معدل ضعيف لا شك، لكنه ايجابي ويقدر للشعب اللبناني هذا الانجاز الكبير. طبعا نريد نسب نمو فوق ال 5% كي يزدهر الوطن، لكن ما نحققه في لبنان ضمن المعطيات الدقيقة في المنطقة وفي غياب حكومة فاعلة هو انجاز بحد ذاته. نمو مستمر بالرغم من كل التحديات الاقليمية والداخلية.

ثانيا: العجز المالي والدين العام حيث لا قدرة للبنان اليوم على معالجة هذا الخلل الموجود منذ عقود. في العجز البالغ 9% من الناتج هنالك استحالة لاقفاله اذ لا يمكن تخفيف العبء البشري الذي يتقاضى رواتب من القطاع العام ومن المستحيل زيادة الضرائب على المواطن. أين الحل، حكما في تخفيف أو الغاء عجز الكهرباء لكن هذا يتطلب وقتا طويلا وربما سنوات. هنالك تقصير أكيد قديم وجديد في كل قطاعات البنية التحتية المهترئة في أكثريتها، والتي تتطلب انفاقا كبيرا وادارة حكيمة لحسن التنفيذ بعيدا عن الفساد. العجز المقبول دوليا هو 3% من الناتج أو أقل، ونحن بعيدين جدا عنه.

أما نسبة الدين العام من الناتج فهي تكبر وتصل الى 166% من الناتج علما أن المقبول دوليا هو 60%. تخفيض النسبة يكون عبر تكبير الناتج أي عبر الاستثمارات التي نأمل أن تأتي بعد تشكيل الحكومة وربما قبلها لكن يجب تطمين المجتمع الداخلي والدولي حول سلامة الأوضاع وهذا ما يسعى العديد في الداخل الى العمل عكسه. من الحقائق الجيدة الي حصلت هي سلسلة الرتب والرواتب التي هي حق والتي ساهمت في انعاش الاستهلاك في الظروف الصعبة التي نعيش فيها. لا يمكن أن نبقي أصحاب الآجر ينتظرون حتى تعالج الدولة مشكلة الفساد كي تتحسن أجورهم. حسنا فعلت السلطلت اللبنانية في الموافقة على حق زيادة الأجور في وقت أن التقصير في معالجة الفساد واضح للجميع.

مشكلة عالمية وليست لبنانية فقط

ثالثا: لا بد من القلق تجاه توسع فجوة الدخل والثروة بين اللبنانيين. هذه مشكلة عالمية وليست لبنانية فقط. فلنسمع ما يقول المتظاهرون في فرنسا مثلا لنرى عمق المشكلة هنالك. هذا لا يعني أن تقف الدولة اللبنانية مكتوفة اليدين تجاه الفقر والفقراء وأمام خطورة الفجوة. هنالك برامج ومساعدات يمكن ويجب أن تعطى للمواطن الفقير وللمناطق المحتاجة، على أن تسلم عبر أياد بيضاء سليمة لا تتأثر بالفساد المعشعش في القطاع العام والسياسة. لا شك أن الدولة مقصرة تجاه الفقراء والمناطق وهذا غير مقبول. كيف يمكن أن نتصور تحسين الانتاج الزراعي عندما تكون المناطق مهملة مدرسيا وصحيا ومعيشيا؟ كيف نقبل أن نستورد معظم السلع الزراعية في وقت نستطيع عبر التنظيم والارادة أن ننتج الكثير منها.

رابعا: العجزين التوأمين والليرة حيث يعاني لبنان منذ عقود من عجز الموازنة وعجز ميزان الحساب الجاري. معالجة الأول صعب كما قلنا أعلاه لكن معالجة الثاني أسهل عبر تطوير الصادرات وقطاع الخدمات وتخفيف العديد من الواردات. في كل حال سعر صرف الليرة تجاه الدولار ثابت وفي استطاعة المصرف المركزي المحافظة عليه وهذا ما سيحصل. في احصائيات البنك الدولي يبلغ حجم الاحتياطي النقدي ما يعادل 16 شهر من الواردات علما أن المطلوب عالميا هو فقط 4 أشهر. تشير الوقائع أيضا أن هذا الاحتياطي يرتفع مع الوقت من 12 شهر في سنة 2013 الى 17 شهر في سنة 2017. لبنان ما زال يجذب بفضل اقتصاده المفتوح والتزامه الرسمي والشعبي باحترام الملكيات والحريات بكافة أنوعها.

نتائج اقتصادية لبنانية مرضية

خامسا: في ظل أوضاع دولية مقلقة، تبدو النتائج الاقتصادية اللبنانية مرضية. نعلم جميعا تأثير الحرب التجارية الدولية على الاقتصاد العالمي وعلى اقتصاد مفتوح كالاقتصاد اللبناني. لا يمكن للبنان من أن لا يتأثر بالعقوبات المفروضة على الداخل وعلى ايران. لا يمكن أن لا نتأثر بالتشنج السياسي الذي نشعر به في حياتنا اليومية.

ما هي الحلول الواجب تطبيقها؟ ما هي الخطوات التي يجب السير بها؟ طبعا تشكيل حكومة أمر مفروغ منه والتقصير في التشكيل لا عذر له وغير مقنع في كل الحالات. ماذا باستطاعتنا أن نفعل وما هي الأولويات؟

يجب أن نبدأ بالبنية التحتية التي من دونها لا ازدهار اقتصادي مستقبلي في لبنان. المهم أن نبدأ وليس من أين نبدأ. النواقص موجودة في الاتصالات والكهرباء والمياه والمطار وبقية المرافق العامة والنفايات وغيرها. أي من هذه النواقص أهم من غيرها؟ كلها مهمة ويجب أن تكون لنا حكومة تستطيع السير ايجابا في كل الاتجاهات. هل يجري تشكيل هكذا حكومة؟ كل المعلومات تشير الى عكس ذلك، لكن لم يفت الآوان بعد.

المنافسة الاقليمية والدولية للبنان كبيرة ولم نعد نشكل هذا المختبر الفريد من نوعه في المنطقة ودوليا. لكن أين اهتمامات المسؤولين في لبنان اليوم؟ في الحصص الوزارية والمشاريع الوهمية والمناقصات المغلوطة والحجج الخاطئة والتيريرات غير المقنعة وغيرها. نأسف أن نقول أن السلطات السياسية والادارية اللبنانية غير مهتمة بأوجاع اللبنانيين وقلقهم وتسبب زيادة هذه التوترات دوريا.

تقصير سياسي وفساد اداري

أخيراً، بني الاقتصاد اللبناني منذ سنة 1943 على أكتاف وسواعد القطاع الخاص أي نتيجة جهد وانتاجية سيدات ورجال الأعمال الذين حققوا الأعجوبة اللبنانية حتى سنة 1975. من ضرب هذه الأعجوبة ويستمر في اعاقة احيائها؟ التقصير السياسي والفساد الاداري المحمي سياسيا. الحل يبدأ من محاربة الفساد ولسنا طموحين بالقدر الكافي حتى نقول بالقضاء على الفساد اذ من يقضي على من؟ هل يمكن أن نتخيل في لبنان أن السياسيين سيحاربون الفساد وهم الذين أوجدوه ويغطون الادارة والفاسدين. اللبناني يعرف ذلك وللأسف يتأقلم معه ولا يواجهه، كما حصل في رومانيا مثلا. تحية الى الشعب الروماني البطل والصامد الذي حقق الكثير بفضل الشجاعة والمثابرة والجهد.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment