أمستردام... ملكة الجسور وعاصمة البيوت العائمة!

12/15/2018 - 10:35 AM

 

كتبت لوسي حبيب

ها أنا من جديد أحلق في الفضاء الرحب على متن الخطوط الجوية الهولندية "كي أل أم" KLM متوجهة من لندن إلى أمستردام. وكم هي قصيرة المسافة بين العاصمتين. فما ان تسلك الطائرة طريقها فوق الأراضي البريطانية، ثم فوق بحر الشمال، حتى تطل علينا الأراضي الهولندية. وبعد أقل من 45 دقيقة من الطيران تباشر الطائرة هبوطها في مطار "سخيبول" الذي يعد خامس أكثر المطارات إزدحاماً في أوروبا، إذ يمر فيه سنوياً أكثر من 68 مليون مسافر. وبوصولي إلى باحة المطار الخارجية كانت تنتظرني سيارة "تيسلا" الكهربائية لتنقلني إلى مكان أقامتي في وسط المدينة.

بداية المشوار

إستقبلتني أمستردام بطقس خريفي مشمس ودافىء. فلا غيوم تحجب الرؤية، ولا مطر يعرقل المشوار. حوالي العشرين دقيقة كانت كافية لأكون في عمق العاصمة، ولأكون بجوار تلك البيوت المتواضعة ذات الواجهات الضيقة التي تحمل في أعلاها خطافاً لرفع المفروشات التي يراد إدخالها إليها عن طريق النوافذ بسبب ضيق السلالم الداخلية وصغر حجمها.

دهشت فعلاً عندما شاهدت العديد من تلك المباني منحنية قليلاً إلى الأمام، أو ملتوية إلى الجهتين اليمنى أو اليسرى. عندها سألت السائق عن سبب ذلك فأجاب: "أن المدينة تقع في أرض مستنقعات تحت مستوى سطح البحر، وتقطع المدينة أكثر من مائة قناة وتساعد على تصفية الأرض وتجفيفها. وشرح لي أن معظم المباني مشيدة في القرن السابع عشر على دعامات خشبية تصل قاع البحر حيث يتجمّد الرمل ويتحجّر كالصخر، وفي بعض الأحيان تنحني تلك المباني إلى الأمام بفعل تأثير المياه المتسللة الى الطبقات الجوفية تحتها، ولكن البلدية تولي أهمية كبيرة لهذا الأمر، وتتخذ الإجراءات اللازمة عند الضرورة".

فندق "دي ليروب" وحكاية لا تنتهي مع نهر "أمستل"

وبينما كنت تائهة بمراقبة تلك البيوت والجسور التي يفوق عددها الـ 500 جسراً في قلب المدينة، همس السائق بصوت منخفض: "تفضلي سيدتي، ها قد وصلت إلى الفندق". إنه "دي ليروب" De L’Europe أحد أجمل وأرقى فنادق العاصمة على الإطلاق. ولا يزال يحافظ على مكانته المرموقة بين فنادق الخمس نجوم منذ تاريخ إفتتاحه عام 1896 وحتى يومنا هذا.

موقعه الكائن في وسط المدينة التجاري وعلى ضفاف نهر "أمستل" جعل منه مكان الإقامة المفضل لدى الطبقة المخملية وبالأخص اولئك القادمين من العالم العربي. كل شيء فيه ينبض بروح الكمال والرفاهية، بدءاً من بهوه الفسيح الذي إكتسى السجاد الفاخر، إلى جدرانه المطلية بالألوان الفرحة والمزينة بنسخ ضخمة للوحات معروضة في المتاحف القريبة منه، إلى الأسقف التي تتدلى منها ثريات الكريستال الباهظة الثمن. ورحلة الفخامة في أرجاءه تمتد إلى جميع غرفه وأجنحته التي يصل عددها إلى 63 جناحاً أكثرها تميزاً جناح الـ "بانتهاوس" Penthouse Suite الذي يشمل على 6 غرف نوم، وشرفة واسعة تطل على نهر "أمستل" الحارس الأمين للفندق منذ زمن بعيد. لا يبعد الفندق كثيراً عن شارع الزهور"سنغل" الذي يشعركم بأن الربيع زائر دائم للمدينة.

ما أن وصلته حتى فاح الجو بأريج الزهور التي تتألق بالقرب من بعضها البعض بألوانها المشرقة وأشكالها الغريبة. وكم من السياح يقصدون هذا الشارع لشراء الزهور والبصل وفصائل النباتات الغريبة الشكل، والهدايا والتذكارات المصنوعة محلياً كالحذاء الخشبي أو القبقاب الهولندي الذي إشتريت واحداً منهم لأضمه إلى قائمة المشتريات.

إكتشفوا المدينة!

لا شيء يوازي متعة اكتشاف أمستردام سيراً على الأقدام، والوقوف على تلك الجسور وتنشّق نسيم الحرية الذي يعبق في الأزقة والطرقات.

هنا في ساحة "لايسدبلاين" Leidseplein لا يتوقف الفرح والحبور. فالساحة تفتح قلبها دائماً للموسيقى والألعاب البهلوانية التي تُقدَّم من شبان أحبوا أن يمتهنوا تلك المهنة السهلة للحصول على لقمة عيشهم من المارة. تتعانق في الساحة أصوات السياح والمارة وهتافاتهم مع إيقاع عجقة الترامات الملونة بالأبيض والأزرق وهي في رحلتها إلى أحياء العاصمة المترامية الأطراف.


مركز "دي باينكورف" التجاري حيث يحلو التبضع

أمستردام مدينة صغيرة وودودة بحيث ينتاب الزائر الشعور وكأنه يزور قرية كبيرة وليس عاصمة الممكلة الهولندية وأكبر مدن البلاد. تترامى متاجرها المتنوعة على جانبي شوارع المشاة التي تكثر فيها. وفي حال كان الطقس ماطراً وبارداً عند تواجدكم فيها، فندعوكم لزيارة أكبر وأرقى مراكزها التجارية -"دي باينكورف" De Bijenkorf أي ما معناه "خلية النحل"، والذي لا يزال يعتبر منذ تاريخ إفتتاحه عام 1870 كوجهة أساسية لمحبي شراء السلع المتنوعة التي تشمل الأحذية، والجزادين، والملابس الرجالية والنسائية، والعطور، وأدوات التجميل، والمفروشات وغيرها من المنتجات لكافة أفراد الأسرة.

يمد "دي باينكورف" رواده بمجموعة من الخدمات الحصرية التي تشمل إسترجاع الضريبة المضافة على المشتريات التي تفوق قميتها الخمسين يورو في صالة مخصصة لذلك في طابقه العلوي. كما يزود المتبضعين بخدمة إرسال المشتريات إلى الفندق، أو شحنها إلى الخارج لتفادي عبء نقلها إلى المطار وما إلى هنالك من تدابير وأجراءات قانونية أخرى، وكما هو وجهة رائدة للتبضع، فهو أيضاً مقصداً لمحبي الأطباق العالمية، والإيطالية، والآسيوية التي تحضر أمام أعينكم في مطاعمه المفتوحة على بعضها البعض والتي تفوح منها رائحة تلك المأكولات الشهية.

ما إن أنهيت ساعات طويلة داخل هذا المتجر الضخم، حتى كان موعد زيارة مصنع الالماس "غسان"Gassan Diamonds قد حان. في رحاب هذا المكان شاهدت كيف يتقطع الماس ويثقل ليتحول إلى قطع غاية في الروعة والجمال. كما دخلت صالة لعرض تلك القطع الماسية التي تباع إلى جانب الحلى والمجوهرات والساعات لأهم الماركات العالمية. ورحلة الماس إستمرت في مركز "ماس كوستر الملكي" Royal Coster Diamonds الذي يقوم منذ عام 1840 بمهمة تلميع الماس وبالأخص تلك التي تتوج تيجان بعض الملوك حول العالم.

أسياد الرسم!

لا يمكن زيارة أمستردام دون التعرج إلى متاحفها التي تحظى بشهرة عالمية واسعة. ولذلك لم أتردد بزيارو متحف "فان غوخ" Van Gogh Museum، وأنا في طريقي إليه قلت لنفسي أليس غريباً أن يكون الفنان الذي فشل في بيع أي لوحة أثناء حياته عدا لوحة "كرمة العنب الأحمر" قادراً بأعماله، وبعد مائة وثمانية وعشرين عاماً من وفاته، أن يضع نفسه على قائمة أهم الرسامين العالميين؟.

وصلت المتحف وكانت صفوف الزوار تمتد إلى ما لا نهاية. وهذا الشيء طبيعي لأن المتحف يستقطب شهرياً أكثر من 100 ألف زائر. ولحسن الحظ كانت بطاقة الدخول بحوذتي وهذا ما سهل علي الدخول بسرعة. ما أن دخلت عالم "فان غوخ" الذي يستضيف أكثر من 200 لوحة و600 رسم له ولبعض الرسامين الكبار، عم الصمت المكان. فالسكوت والتأمل سيدا الموقف هنا. الجميع منبهرون بلوحات تضج بالألون كلوحة "أزهار عبّاد الشمس"، أو لوحة "الغربان السوداء التي اكتظ حقل القمح الذهبي بها".

وسط الإعجاب بتلك الروائع الفنية، أخبرني المسؤول عن المتحف بأن الناس يعشقون فن "فان غوخ" لأنه يجسد أسطورة تقول "أن العبقرية جنون". فعندما ننظر إلى لوحاته نشعر بأن الرسام يعاني من اضطراب الألوان. ولهذا فإن المدرسة التعبيرية تأثرت به، حتى كثافة اللون وطبقاته وآثار ضربات الفرشاة أحياناً تكون مضطربة مثل حياة الرسام المأساوية القصيرة التي إنتهت وهو في عمر السابعة والثلاثين ربيعاً.


متحف الـ "رايكز" أكبر متاحف البلاد وأكثرها شعبية

محطتي التالية كانت في متحف "الرايكز" Rijks museum الذي يعد أكبر متاحف البلاد وأكثرها شعبية إذ يستقبل أكثر من مليوني زائر سنوياً. 8 آلاف قطعة فنية تتلاقى داخل أروقة المتحف يرجع معظمها لأشهر الرسامين الهولنديين أمثال "فرمير" الذي إشتهر بلوحة "الفتاة ذات القرط اللؤلؤي"، و"رامبرانت" الذي ولد في أمستردام عام 1606 وتميزت لوحاته بالقوة التعبيرية ليبرر الحالة العاطفية والنفسية، فضلاً إلى معرفته العميقة بنظرية الضوء والظل التي تجسدت في أعماله.

إنتهى ذلك النهار في متحف "الرايكز"، وبخروجي منه كان الليل قد حل ضيفاً على المدينة التي كانت تستقبله بأنوار مصابيحها التي تزين شرفات مبانيها ومطاعمها ومقاهي الأرصفة فيها. أمام تلك اللوحة البانورامية التي تضج بالأنوار المتعددة الألوان، تأكدت أن أمستردام تعشق الألوان الشبيهة بألوان زهورها. وحتى الأجبان فيها، فهي متوفرة بألوان ونكهات متنوعة.

لم أترك أمستردام دون القيام برحلة مائية على متن مركب ذي سقف زجاجي للتعرف على الوجه الآخر لمدينة الفن والحرية. وإنطلق المركب، وبدأ يأخذني في رحلة إلى أحضان الماضي، وأخذ سائق المركب يروي تاريخ البيوت المتناثرة على جانبي القنوات المائية، منها أبنية سكنية فخمة بناها تجار المدينة خلال القرن السابع عشر، ومنها مراكب متواضعة حولها أصحابها إلى منازل للسكن، وهي مرخصة من قبل البلدية وتتمتع بكافة وسائل الراحة والرفاهية التي يتطلبها عصرنا الحالي. ومما يزيد من جمالية هذه المنازل حدائقها الصغيرة المغروسة بالزهور الملونة التي تتألق حولها في إطار رومانسي، مثله مثل الأوقات التي ستهبكم إياها أمستردام عندما ستجدون أنفسكم في ربوعها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment