اعتراضات عنيفة على الرأسمالية

12/02/2018 - 19:42 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

ما يجري في فرنسا منذ مدة مقلق، اذ لا تكمن المشكلة في محتوى الاعتراضات على الرأسمالية ونتائجها وانما في طرق التعبير العنيفة. في دولة تسمح للمواطن بالتعبير بحرية عن أفكاره في الاعلام والسياسة والاقتراع، من المدهش أن يتم التعبير بهذا العنف الغاضب ليس فقط تجاه الأملاك العامة وانما خاصة تجاه "عرق الجبين" أي الأملاك الخاصة من سيارات ومحلات وغيرها. من قال لهم أن أصحاب السيارات والمحال هم من الأغنياء اذ يمكن أن يكونوا عاديين بل مقترضين من المصارف وبالتالي دمرت أوضاعهم المعيشية. في دولة يبلغ دخلها الفردي حوالي 40 ألف دولار سنويا أي من الأعلى عالميا نجد هذا العدد من الغاضبين المحتجين أو الرافضين لكل شيء. هل الرفض هو للنتائج الاقتصادية أم للنظام الديموقراطي البرلماني؟ هل يريدون قلب النظام أم تحقيق الاصلاحات المنطقية لتحسين الأوضاع الاقتصادية؟ هل يريدون نقل الدولة من الديموقراطية الى الديكتاتورية اليمينية أو اليسارية؟.

تحقيق الاصلاحات والتطوير؟

ماذا نقول اذا عن أوضاعنا الاقتصادية في أكثرية الدول العربية والنامية والناشئة. ماذا نقول في مجتمعات لا تملك حرية التعبير هذه ولا تملك المقومات القانونية والادارية والعملية لتحقيق الاصلاحات والتطوير؟ أخطأ ماكرون عندما قال أنه من غير المقبول للفرنسي أن يحتج لأن أوضاعه أفضل بكثير من غيره، اذ هذا الحق مقدس وليس للرئيس أن يوقفه. لكن في الوقت نفسه هل البدائل التي يريدها هؤلاء الثوار ستكون أفضل في النوعية والكمية؟ في كل حال حرية التعبير مقدسة في الدساتير والأديان والأعراف والممارسات، ومن الضروري الحفاظ عليها في كل الظروف. في دولة متطورة كفرنسا، تعتبر أوقات آخر السنة مهمة للأعمال حيث يعول القطاع الخاص كثيرا على الأسابيع القليلة المتبقية من 2018 لتحقيق الأرباح أو ربما للتعويض عن بعض التباطؤ الاقتصادي الحاصل خلال السنة.

رفض الضريبة على المحروقات؟

تجري الانتخابات في فرنسا بشكل متواصل على مختلف المستويات المدنية والقروية والمحلية كما العامة، وبالتالي يمكن للغاضبين أن يغيروا الكثير بهدؤ وفي صندوق الاقتراع. ما هي الحجة الأساسية للتحرك؟ رفض الضريبة على المحروقات التي تهدف الى دفع المواطنين والشركات نحو استهلاك الطاقات غير الملوثة. هذه فكرة جيدة، لكن اذا وجدت معارضة لها فهل تستأهل كل هذا العنف؟ هل تؤخذ هذه الضريبة كحجة لضرب الاقتصاد وربما السلم الأهلي من قبل المتطرفين يمينا ويسارا؟ هل ضرب الاقتصاد كما يحصل يساهم في تحسين أوضاع الطبقات غير الميسورة؟ نسمع من يقول أنه غير قادر على تأمين رزقه في فرنسا وأن ما يجنيه لا يكفي وبالتالي يثور على كل شيء. فالثورة الهادئة ممتازة، ومن الضروري من وقت لآخر توعية المسؤولين الغارقين في جنة السلطة على مشاكل المواطن العادي. لكن المشكلة تكمن مجددا في الكسر والعنف والضرب والحاق الضرر في الأبرياء من المطاعم والمحلات والمتاجر.

ضرورة التغيير المناسب أو الصحيح؟

لا شك أن هنالك أوضاعا عالمية صعبة اقترعت للبركسيت وأتت بدونالد ترامب رئيسا وها هي تنتج أضرارا في فرنسا لم يكن يتوقعها أحد. هنالك أجواء عالمية اليوم يمكن أن تأتي بالتغيير، لكن ليس بالضرورة التغيير المناسب أو الصحيح كأن يفوز مثلا "برني ساندرز" بالانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة وأن يصبح "جيريمي كوربين" رئيس وزرا بريطانيا قريبا اذا ما جرت انتخابات مبكرة نتيجة رفض مسودة الاتفاق مع الوحدة الأوروبية بشأن البركسيت. التغيير ضروري ومقبول طالما أن الموطن اقترع له حتى لو لم تكن النتيجة مناسبة أو مفضلة. يسري هذا الشيء أيضا على الانتخابات البرازيلية والمكسيكية وغيرها بنتائجها المتنوعة.

ما هي المشاكل التي أنتجها النظام الرأسمالي والتي تفسر الغضب وان لا تبرر العنف؟

أولا: سؤ توزع الدخل ليس فقط في فرنسا وانما عالميا. أتهم ماكرون على أنه رئيس الأغنياء وهو يحاول. فهل كان فعلا هذا الرئيس السيء. الأراء في فرنسا تختلف كثيرا حوله والانتخابات القادمة كان من الممكن أن تعبر عن الاستياء. لا شيء يؤكد انه سيخسر الانتخابات المقبلة اذ أن عدد المتظاهرين قليل وبالتالي ليس من المؤكد أن الأكثرية ضده اليوم اذا حصلت الانتخابات. في كل حال، لا بد له من أن يعيد حساباته وأن يتواصل مع المعترضين لتطبيق المقتراحات المعقولة والمنطقية.

ثانيا: قال كارل ماركس أن النظام الرأسمالي سيؤدي الى وجود شركات قليلة كبيرة تبتلع كل الأرباح وتؤدي الى استغلال المواطن وضرب المنافسة. هذا ما حصل فعلا في معظم القطاعات والدول وبالتالي تحققت الاحتكارات وضربت المنافسة التي هي أساس النظام الاقتصادي الحر. قال ماركس أن طريقة عمل الرأسمالية كما توقعها ستؤدي الى حوادث كالتي تعيشها فرنسا اليوم.

ثالثا: قال ماركس أن انتاجية العامل سترتفع مع الوقت بفضل العلم والتكنولوجيا وتطور القوانين والأنظمة. لكنه توقع أن العامل لن يجني ما يحق له، بل سيسلبه منه أصحاب رؤوس الأموال. العامل يشقى والغني يستفيد والفجوة ترتفع والغضب يكبر.

رابعا: توقع ماركس أن المنافسة القوية بين الشركات العملاقة القليلة ستدفعها الى عمل كل شيء لادخال التكنولوجيا والاستغناء عن العمال، وهذا ما يحصل في العديد من الشركات عالميا. توقع ماركس أن ترتفع بالتالي نسب البطالة ويذهب الغاضبون الخاسرون للانتقام عبر الثورة. بالنسبة لفرنسا وتبعا للمشاهدات، لا يظهر أن الغاضبين هم من العمال الذين خسروا أعمالهم اذ أن السرقات الحاصلة في المحلات تشير الى نوعية متدنية من قبل بعض المتظاهرين وهم أقلية. ألحقت هذه التصرفات الضرر الكبير بالأملاك الخاصة وستبعد السياحة عن فرنسا لأشهر قادمة. هل المقصود تحصيل الحقوق أم ضرب الاقتصاد؟ من يقود هذا التحرك؟ لا يظهر وجود قادة في العلن انما لا بد وأن يكون هنالك محرك أو محركون ما في الخفاء.

خامسا: توقع ماركس هذه النتائج السلبية للرأسمالية بسرعة اذ لم يفكر يوما أن السياسيين والقادة الرأسماليين يملكون من الحكمة والمعرفة لاطالة عمر النظام الرأسمالي واصلاحه دوريا عندما تدعو الحاجة، وهذا ما حصل.

أخطر ما يظهر اليوم أن الأجيال الجديدة غير متحمسة للنظام الاقتصادي الحر كما في السابق. في استفتاء أجري مؤخرا في الولايات المتحدة معقل الفكر الرأسمالي، تبين أن أكثر من نصف عنصر الشباب لم يعد يؤيد الرأسمالية مما سينعكس حكما على كل دول العالم. هل يمكن بعد انقاذ النظام الاقتصادي الحر؟ هنالك خطوات منها:

أولا: لا بد من العودة الى أساس النظام الحر وهي المنافسة التي غابت بفضل الاحتكارات وسيطرة عدد قليل من الشركات على الاقتصاد العالمي. تحقق هذه الشركات أرباحا ضخمة لا تبررها الأعمال مما يسمح لها بالقضاء على المنافسة وتوسيع السيطرة. هذا غير مقبول ويتطلب تنفيذ اجراءات وقوانين تعزز أوضاع الشركات الصغيرة والمتوسطة وتحمي الفقراء.

ثانيا: يجب وضع الأطر المناسبة لتشجيع الابداع والابتكار. حماية المبدعين مهمة شرط أن لا تقتل الابداع وبالتالي وجب ايجاد الحل الوسط الذي يحمي الفائز ولا يلغي المنافسة.

ثالثا: هنالك دور كبير للحكومات لتحفيز المنافسة عبر تسهيل تمويل الاستثمارات الصغيرة ومساعدة المخترعين على تسجيل براءات الاختراع وتسويق المنتج. ما نشهده في الدول النامية أن من يستفيد من الدعم والمساعدة العامة هو الميسور وهذه هي قمة الفساد.

البديل عن الرأسمالية ليست الأنظمة المتطرفة يمينا أو شمالا، انما نظام اقتصادي حر يرتكز كما أراده مؤسسه "أدام سميث" على المبادئ الانسانية والأخلاقية التي لا غنى عنها.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment