إرتهان الإقتصاد الأردني لإملاءات مؤسسات البريتن وودز

12/01/2018 - 13:32 PM

SOUTHERN CALIFORNIA REGIONAL RAIL AUTHORITY

فؤاد الصباغ *

أنشأت مؤسسات البريتن وودز بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1945 تحت إشراف و قيادة الدول المنتصرة في الحرب, و ذلك وفقا لأجندات إقتصادية, سياسية و إستراتيجية بعيدة الأمد. ومن أبرز تلك المؤسسات نذكر صندوق النقد الدولي الذي أوكلت له مهام الحفاظ علي الإستقرار المالي العالمي و البنك الدولي الذي يقوم بالتنمية المستدامة في مختلف دول العالم.

إنتهت الحماية العسكرية فكان البديل بعد ذلك الوصاية الإستعمارية الإقتصادية علي بقية دول العالم من البوابة التجارية و المالية. فقد مثل مؤتمر البريتن وودز الغنيمة الكبري للدول العظمي من أجل إقتسام الكعكة و توزيع أسواق المستعمرات الإستهلاكية قصد ترويج و بيع منتجاتها الصناعية و الإستفادة من المواد الطبيعية الخام خاصة منها توزيع الثروات الباطنية و التنقيب عنها مثل الغاز والنفط وغيرها من المواد الأولية كالفسفاط والفولاذ والألومنيوم. ففي هذا الإطار سارعت أغلب الدول العربية في أواخر الثمنينات في تطبيق الإملاءات بتعلة الإندماج في العولمة الإقتصادية العالمية وسياسات التحرر التجاري والمالي وفقا لأجندات صندوق النقد الدولي المعروفة ببرنامج التأهيل الشامل والإصلاحات الهيكلية والإدارية.

إن السياسات الرأسمالية المنتهجة من قبل الدول المانحة و الجهات المقرضة تفرض علي الدول المستفيدة إجراءات إقتصادية و مالية تتماشي فقط مع أجنداتها الخاصة المستقبلية. و لعل أن الإقتصاد الأردني كان في مجمله تحت رهينة تلك الإملاءات الأجنبية المجحفة من قبل المؤسسات المالية العالمية التي فرضت عليه الإسراع في تنفيذ إجراءات الإصلاحات الهيكلية التي تشمل جميع القطاعات لكن في باطنها كانت تلك الإجراءات الإقتصادية لا تتماشي مع رغبات الفئات الإجتماعية الأردنية.

إذ بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي في أواخر الثمنينات وإنكماش النظام الشيوعي الصيني علي نفسة مع غياب القومية و الإشتراكية في جامعة الدول العربية تحول العالم كله إلي قطب إقتصادي واحد تديره بالأساس سياسة الرأسمالية العالمية التي تروج دائما لخصخصة القطاع العام و المؤسسات الحكومية و التدرج نحو تحرير الأسواق المحلية بالكامل والإندماج في فضاء التبادل التجاري الحر، هذا الإرتهان لمثل هذه السياسات الإقتصادية التحررية لها إنعكاسات سلبية علي الأوضاع الإجتماعية لأغلب طبقات الشعب الأردني.

ولعل تلك الأحداث التي شهدتها الأردن خلال السداسي الأول من سنة 2018 كان لها الجزء الأكبر والأهم كنتيجة لتلك التوجهات التي فرضت قيود إضافية علي الإقتصاد الوطني الأردني. إذ خرجت الجماهير الشعبية مطالبة بتحسين ظروف العيش نظرا لتردئ الرواتب الشهرية والمطالبة بالتشغيل بحيث أصبحت الأردن اليوم تعاني من أعلي نسبة بطالة في العالم العربي تبلغ 18% وأيضا المطالبة بخفض الضرائب الجبائية علي الدخل و علي المحروقات و تخفيض الأسعار قصد تحقيق التوازن بين العرض و الطلب والقدرة الشرائية و زيادة الدعم في المواد الأساسية.

كل هذه العوامل ساهمت في تعميق هذا الجرح بحيث تسبب في تذمر وسخط شعبي لا مثيل له لدي أغلب طبقات المجتمع الأردني نتيجة لمثل هذه السياسات الليبرالية التي لا تراعي ظروف غلاء المعيشة. بالنتيجة هذا الإرتهان تسبب خلال شهر أفريل الفارط في سقوط حكومة هاني الملقي الرأسمالية لتحل مكانها سياسة مماثلة مع اليميني الليبرالي عمر الرزاز لكن الإحتقان مازال متواصل في ظل غياب كلي لمراجعة السياسات المنتهجة مع صندوق النقد الدولي الذي تسبب في أغلب الأزمات المالية العالمية وكوارث اجتماعية وإفلاس دول وقع إغراقها بالديون علي غرار سيناريو دول أمريكا اللاتينية التي كانت في مجملها ضحية لمثل تلك الإملاءات و الإرتهانات. فوفقا لتقرير لصندوق النقد الدولي صدر مؤخرا يصنف الأردن ضمن الدول التي تعاني من تباطؤ الإصلاحات الهيكلية الخاصة بحيث كان تنفيذ الإجراءات في خصخصة قطاع التعليم والصحة لا تتماشي مع أجندة الصندوق الإستشرافية.

إن الدور الذي تلعبه تلك المؤسسات في الإقتصاد الأردني لا يقتصر فقط على الجانب الاقتصادي بل يتجاوزه ليرسم الاستراتيجية الرأسمالية و الليبرالية و يقضي بالضربة القاضية علي جميع التحركات الشعبية المطالبة بالزيادة في الأجور و حقوق الطبقات العمالية الكادحة التي تتحصل علي أجر زهيد مقابل الاستغلال التعسفي من قبل القطاع الخاص مع غياب أدني حقوق التغطية الإجتماعية أو ضمان التقاعد و الترسيم في الوظيفة مع تراكم مشكلة التشغيل بالتعاقد المؤقت.

هذا النهج الإقتصادي الرأسمالي يولد النقمة والحقد في مختلف الطبقات الإجتماعية نتيجة لسياسة التهميش والمحسوبية وسياسة التفقير والتحقير للطبقات العمالية الكادحة. كما لا تساهم هذه السياسة الرأسمالية التحررية التي تدعم القطاع الخاص وتحد من دور القطاع العام مع غياب كلي لتلبية الحاجيات الأساسية أو التوزيع العادل للثورة الوطنية في تحقيق السلم الإجتماعية والإستقرار الإقتصادي.

بالتالي يجب علي علماء الإقتصاد الإشتراكي وأصحاب الفكر الماركسي رفع القلم كسلاح لمحاربة سياسة صندوق النقد الدولي التي تروج للعولمة المالية و التجارية و السياسة التحررية و دعم القطاع الخاص مع تقليص الدعم الحكومي للمواد الأساسية بحيث أصبحت الأوضاع الإجتماعية الأردنية ضحية لتلك السياسات الإقتصادية السيئة التي لا تحقق أدني درجات العدالة الإجتماعية.

*باحث اقتصادي دولي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment