لبنان من الجلجلة الى القيامة

11/28/2018 - 12:04 PM

 

 

بقلم الدكتور فيليب سالم

نجتمع اليوم في هذا الصرح البطريركي الذي "مجد لبنان أعطي له". ولكن تعالوا نسأل: ماذا الذي بقي من مجد لبنان؟ هذا المجد الذي يغوص في التاريخ ويتمدَّد على مساحة الأرض كلها، لماذا لا يسكن هنا؟ بل لماذا هاجر من هنا؟ وهذا اللبنان الذي نحبه، لماذا هو كبير في كل مكان من الأرض إلا في أرضه؟ لماذا هو هزيل هكذا في وطنه؟ لبناننا الحبيب يمر في مرحلة مفصلية تاريخية وخطرة تهدد وجوده ومعناه معًا. ثلاث وأربعون سنة ولبنان على طريق الجلجلة: من ألم إلى ألم، من حرب إلى حرب، من أزمة الى أزمة، وهو يحمل صليبه ويمشي. يحاولون قتله لكنه يرفض أن يموت. وأوجعُ ما يوجعه أن بين قاتليه أناسًا من أهله.

ما جئتكم اليوم لأتكلم عن الجلجلة بل عن القيامة، وعن الطريق التي توصلنا إلى القيامة. علمتني ممارسةُ الطب ومعالجةُ الامراض السرطانية طيلة خمسين سنة، أن ليس أمرٌ مستحيلًا، وأن الاستسلام للإحباط ليس خيارًا. جئتكم اليوم لأقول: "لا تخافوا الظلمة. حدقوا بالنور الخافت البعيد. من لا يحدقون في هذا النور يغرقون في الظلمة". وجئتكم لأقول: "تعالوا نمشي صوب هذا النور". إنما قبلذاك فَلْنَرْكَع ونُصَلِّ ونعترف أمام الله والعالم أن مسؤولية الحرب في لبنان وانحداره الى هذا القعر لم تكن مسؤولية الآخرين بل مسؤوليتنا نحن اللبنانيين. نحن وحدنا. "قد يفشل المرء مراراً إنما لا يصبح فاشلاً الا عندما يلوم الآخرين على فشله". وكذا نحن اليوم: قيامةُ لبنان مسؤوليتنا نحن اللبنانيين. نحن وحدنا. علّمني الطب أنْ لا يمكنك شفاء مريض ان لم تحدد بدقة هوية مرضه. فتعالوا نحدد هوية المرض الذي أصاب لبنان وأسبابه.

السبب الرئيسُ: أن اللبنانيين منذ الاستقلال حتى اليوم لم يتمكنوا من بناء الدولة، وذلك لأسباب عدة أبرزها ثلاثة:

  1. المدرسة السياسية التقليدية التي حكمت لبنان لم تشأْ قيام الدولة لأنه يهدد مصالحها ويلغي امتيازاتها. ولا أفشي سراً إذا قلت ان هذه المدرسة التقليدية، ولو شاءت، في المطلق، بناء الدولة لـما كانت لها قدرة القيام به.
  2. عدم الولاء للبنان، وفيه اختصار القضية اللبنانية. ففي لبنان وحده، بين دول العالم، يحاضر "زعيم" سياسي في الوطنية فيما يعترف علنًا ومباهيًا بأن مرجعيته السياسية ليست في بيروت بل في مدينة أخرى، غير مدينتنا. وفي لبنان وحده تستجلبُ قوةٌ سياسيةٌ قوةً من خارج الوطن كي تتسلق على أكتاف شركائها في الوطن. 
  3. النظام السياسي الطائفي يكبل قدرة لبنان على الحياة ويقتل مواهب شعبه. فالمفهوم السياسي للمواطن عندنا ليس بما هو ومن هو كإنسان، ولا بفكره وعقله واخلاقه ونظافة يده وولائه للبنان، بل بانتمائه الى هذا الدين أو تلك الطائفة، بل، وأكثر إذلالًا، بانتمائه الى هذا الزعيم السياسي أو ذاك الزعيم الديني. لذا فانتماؤك الى لبنان الوطن والشعب اللبناني لا يعطيك قيمةً، فأنت غير موجود سياسيًّا إن لم تكن متزلِّـمًا إلى طائفة أو زعيم. والمشكلة أن القادرين على التزلُّـم ليسوا قادرين على بناء الدولة.

والآن، بعد هذه الأسباب الثلاثة التي أوصلتنا الى هنا، تعالوا نبحث عن الضوء في طريقٍ تحددها خمسة مفاهيم:

  1. إلغاءُ الطائفية السياسية وحده لا يكفي، بل يجب فصل الدين عن الدولة وعن التربية. أعظم ما لدينا في هذا الشرق: الأديان، لكننا نجحنا في تحويلها قوةً ضدنا بدل ان تكون قوة لنا. واستعمالُنا الدينَ أداةً سياسية وأداةً للحروب، لم يكن اعتداء على الدين فقط بل اعتداءً على الله. أما فصل التربية عن الدين فَلِكَي يتمكنَ الدين من إغناء الروح وتتمكنَ التربية من تدريب العقل فيصبح هذا العقل قادرًا على استنباط المعرفة، وتصبح هذه المعرفةُ طريقًا الى الايمان، هي الطريق الى الله. فأنا "أؤمن بإله واحدٍ، آبٍ ضابطٍ الكلَّ، خالقِ السماء والأرض"، وأؤمن بأني كلما غُصت في المعرفة اقتربتُ من الله ومن أخي الانسان.
  2.  بناءُ الدولة المدنية التي وحدها: تليق بلبنان، وتعبُر به الى القرن الحادي والعشرين، وتُرَقِّي الناس من رعايا الى مواطنين، وتحملنا إلى فضاء الى الحرية والحضارة. وقد يكون لبنان وحده القادر في هذا الشرق على بناء دولة مدنية يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق وفي الواجبات.
  3. إرساءُ دبلوماسية حياد فاعل يخدمُ مصلحةَ لبنان. وسياسة النأي بالنفس، كما تبنتها حكومات أخيرةٌ في لبنان، خطوة إلى الحياد لكنها ليست الحياد. فكيف نبلغ هذا الحياد ونحن في نظامٍ طائفيٍّ مهترئٍ لدولةٍ عاجزةٍ عن بسط سلطتها على أراضيها؟ 
  4. الولاءُ للبنان مطلقًا ومقدَّساً، والولاء لبعضنا بعضًا مقدسٌ ايضاً. لذا فشل لبنانيون استجلبوا الخارج الى الداخل اللبناني واستقوَوا به لبلوغ مغانم على حساب إخوانهم في الوطن. وسيفشل أيضًا من لم يتعلموا من الماضي ويحاولون اليوم الاستقواء بالخارج.
  5. المدرسة السياسية التقليدية اللبنانية المتخذةُ الحكمَ جاهًا، والعملَ السياسيَّ بلوغَ النفوذ، والنفوذَ وسيلةَ الإثراء وخدمةَ المصالح الشخصية والعائلية، هي التي أوصلت لبنان إلى الحضيض. فلنَقْتَنِعْ بأن من أوصلوه الى هاوية الموت لا يمكنهم أن يعيدوه الى فضاء الحياة، وبأن قيامَ لبنان مسؤولية مجتمعه المدني. فوحده لبنان، بين دول العالم العربي، يتمتع بمجتمع مدني قادر على التغيير والقيام بـــ"ربيع" جديد.

بعد كل هذا، نسأل: ما سرُّهُ هذا اللبنان؟ وما ضرورةُ وجوده؟ طبعًا نحن نحبه، حتى الثمالة وكيفما كان. لكنه ليس لنا وحدنا بل هو ضرورة للشرق والعالم. فبرغم حضوره السياسي الهزيل المعيب، أطلعَ شعبه حضارةً مميزةً يحتاجها الشرق ليحيا، ويحتاجها الغرب لينعم بالسلام. وهي حضارة الإصرار على الحرية والتعددية الدينية والحضارية. فالحرية بوابة الحضارة التي بدونها لا تنمو حضارة ولا تحيا. التعددية بوابة المستقبل. وما حدث في لبنان لم يحدث في تاريخ العالم: ثلاث وأربعون سنةً حروبًا وانحدارًا سياسيًّا ولا تزال المسيحيةُ تعانق الإسلام، ولا تزال تسعَ عشرةَ طائفةً قادرةً على العيش والفرح معًا، ولا تزال حضارة الشرق تعانق حضارة الغرب. ثلاث وأربعون سنةً حروبًا وليس في مدن العالم لاجئ لبنانيٌّ ولا متسوِّل لبناني. وبعد إقرار إسرائيل قانون القومية اليهودية، أصبح لبنان الدولة الوحيدة في الشرق لا دين للدولة فيها. وعندما نذهب الى العالم، لا نقدِّمَنَّهُ فقط وطن حوار وثقافات وحسب، بل نموذجًا ضد الإرهاب والتطرف. الحرية والتعددية الحضارية والدينية مداميك السلام، وعظمة لبنان ليست بالحضور المسيحي الكبير فيه بل بـما في ايمانه بالحرية والتعددية الحضارية. ولكي تبقى المسيحية في هذا الشرق ساطعةً يجب تفعيل دورها.  وإذا المسيح أوصانا أن "أحبُّوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم" فكيف لا نحب إخواننا ونبارك شركاءنا. تبقى المسيحية ساطعةً طالما تبقى رسالتها: رسالةُ المحبة التي "لا تسقط أبدًا"، ومعانقةُ الآخر، ونشر ثقافة العلم والسلام.  تبقى المسيحية ساطعةً نبني الدولة المدنية التي وحدها تؤمّن الإطار السياسي لترسيخ المسيحية في الشرق.

وختامًا: تعالوا نسأل التوبة عن خطايانا، ونطلب من الله أن يعطينا "شيئًا من نوره"، وأن يهِبَنا القوة لنقوم بــ"ربيع" لبناني حضاري، فندحرج الحجر عن باب القبر حتى يقومَ في اليوم الثالث ويعودَ إلى لبنان مجدُ لبنان فـ"يعطى هذا المجد" إِلى بطريرك هذا الصرح العظيم.

__________________________________________________________

*القيت هذه الكلمة في المنتدى الاجتماعي الاقتصادي الدولي الأول الذي عقد في بكركي 9-11  تشرين الثاني 2018  بدعوة من المنتدى ولتكون الكلمة الأساسية في افتتاحه.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment