رسالة إلى الشعب اللبناني في زمن الظلم والفساد المستشري

11/07/2018 - 17:43 PM

 

بقلم: محمد زريق

في مثل هذا اليوم من العام 2016 تمَّ انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، وذلك بعد أشهر طويلة من الشغور الرئاسي ومن الخصومة الواضحة بين الجماعات السياسية في لبنان، وكما جرت العادة عند أول منعطف أو استحقاق مصيري سيدخل الوطن في حالة من التلكأ أو الخوف، الخوف على الجماعة والطائفة والحزب والمناصرين والمناصب والموروثات السياسية. ولكن الحق أقول لكم، إنَّ ما شهدناه وما زلنا نشهده في وطننا ليس بالغريب، فلبنان هو وطن حديث النشأة وطري العود، أما تجارب الحياة الديموقراطية والمداورة في السياسية ليست واردة في التاريخ اللبناني.

إنَّ الشعب اللبناني قد مرَّ بالكثير من الظروف الصعبة والبشعة أيام حكم العثمانيين والفترة كانت ليست بالقصيرة، سياسة تتريك وخصوع وإذلال وتعليق مشانق ونفي وأعمال سخرة ومجاعة، هكذا كان المشهد. وبعدها انتقل هذا الوطن إلى مرحلة أخرى من الخصوع أيام حكم الفرنسيين، فلبنان تابع لفرنسا وهو بلد فرنكوفوني والعلم هو العلم الفرنسي تتوسطه الأرزة. ومع نيل لبنان استقلاله دخل هذا الوطن في نفق مظلم وموحش، نفق متفرع ومتشعب، لم ننتهي منه إلى يومنا هذا، فمن الإحتلال الإسرائيلي، إلى القوات الأجنبية على أراضينا إلى المنظمات الفلسطينية التي كان لبنان هو المركز للدفاع والتصدي، أضف إلى ذلك الكره والحقد الذي استوردناه بدافع الدين والاتجاه السياسي (ما بين قوى يسارية وقوى اليمين)، كل هذا والوطن ينزف.

لبنان ليس بخير اليوم، وكل ما نشهده من تناتش للحقائب والحصص الوزارية وكل هذه الفترات الطويلة من انعدام الحياة الديموقراطية التي نشهدها عند الاستحقاقات المهمة، تدل على أن لبنان اليوم منقسم إلى جماعات طائفية والجماعات الطائفية منقسمة إلى جماعات حزبية، وكل مجموعة تبحث عن مصلحتها الخاصة وهذا يعني مصلحة الأتباع والمناصرين والحزبيين والمتدينين، أما الإنسان الوطني فلا مكان له ضمن هذه المعادلة البشعة لأنه خارج هذه المعادلة وهذه المنهجية وبشكل تلقائي سيجد نفسه دخيلا وسيشعر بأنَّ الخارج هو مكان آمن له ويستطيع التعايش أكثر مع مجتمع غريب لا يشبه مجتمعه اللبناني.

لماذا الجميع يفضل الخارج على الداخل؟ إنَّ استخدامي لمفردة الجميع ليس عبثياً، أجل لأن شريحة الناقمين وأصحاب الآراء الحرة والعقول النيّرة تزداد يوماً بعد يوم وبوتيرة أعلى، فليس الكل يستطيع التعايش مع حالة إرضاء الزعيم أو الحزب أو الطائفة من أجل العمل أو الطبابة أو كسب لقمة العيش، ربما هذه الحالة هي مقبولة فقط في لبنان لأنه لا سبيل للبقاء والاستمرار سوى بإرضاء الغير، فما أبشع هكذا حياة وما أصعب لقمة العيش المجبولة بالقهر والإذلال.

أنتم لستم شعباً عظيماً ولا أولاد فينيقيا ولا أصحاب الهمم والبطولات التي سطّرها أجدادكم في الماضي الغابر، إنَّ زماننا اليوم مختلف عن الماضي ففي عصر التكنولوجيا والانفتاح وتقبل الاخر والحريات، نرى أنه في لبنان يتم استعباد الغير فالسيدة اللبنانية تفضل استعباد الفتاة الآسيوية أو الإفريقية على أن تعمل وتقوم بواجباتها المنزلية، ولكن لماذا لم تتعلمن الاحترام أيتها السيدات اللبنانيات، ويا من تدعون العلم والثقافة والانفتاح والتحدث بالعديد من اللغات هل تعلمون أن الغير ينظر إلى لبنان على أنه بلد الزبالة والفساد والمشاكل والأحزاب، فقد انتقلنا من مرحلة سويسرا الشرق ومهد الحرف وجامعة معرفية عالمية إلى مرحلة الفساد والنفايات. فلكل زمن رجال ولزمن الزبالة هذا رجالاته التي تمثل الشعب اللبناني وبكل فخر، وهذا الشعب أيضاً يفتخر بهذه النوعية من الحكام وهو يمدد لها مرة عبر الانتخابات ومرة أخرى يكون التمديد تلقائي من النواب أنفسهم، هكذا تكون الديموقراطية، وبهذه النوعية من التشريع تفتخر بيروت أم الشرائع.

فخامة الرئيس، في العام الماضي لقد كتبت لكم رسالة مباشرة فيها الكثير من الوجع وهموم الناس والأمور الملحّة، رسالتي وصلت دون رد مباشر أو رد غير مباشر عبر العمل على تحسين الوضع. أكتب هذه الكلمات مجدداً بعد عامٍ على رسالتي الأولى، ولكن هذه المرة نبرتي مختلفة، لأنني لن أطلب منكم شيئاً وأنا الذي أصبحت على يقين بأن من يحكم هذا الوطن هو ليس بالحاكم الفعلي. أحببت هذا الوطن وكتبت الكثير وتحدثت عن الكثير من المشاكل والهموم، ولكن ما الفائدة من الحديث، ففي زمن قمع الحريات يبقى السكوت خيرٌ من الكلام والنظر بوجع خيرٌ من الصراخ. إنني على ثقة بأنَّ كلماتي تمثل شريحة كبيرة من الشعب اللبناني، بالتحديد شريحة الشباب وأكثر تحديداً الشباب الغير منضوي تحت لواء الأحزاب اللبنانية، لأنَّ هذه الفئة هي أكثرية ولكنها صامتة وهذه الفئة هي من أصحاب العقول النيرة التي تريد التغيير ولا تستطيع أن تغير لأنَّ هذه المهمة مستحيلة في وطن الارتباطات الخارجية.

فخامة الرئيس، لقد أثبتت التجارب بأنكم من الشخصيات الوطنية اللبنانية وأردتم تتويج حياتكم العسكرية والسياسية بحكم هذا الوطن عبر الوصول إلى سدة الرئاسة، اليوم وبعد أن أصبحت إدارة هذا الوطن بتصرفكم وبعد أن أصبح الأمر لكم أقول "لماذا لم يتغير الوضع والمشاكل تتفاقم؟"

إليكم أيها الشباب اللبناني الواعي والمنفتح وإليكم أيها الشعب اللبناني الذي يعاني، إنَّ أبواب النور والأمل تغلق على هذا الوطن، ولبناننا يدخل في مرحلة جديدة من الظلمة، مرحلة أبشع من المراحل التي عشناها في السابق، لهذا أقول لكم لا تنتظروا إنسان سياسي أو حزبي أو دولة خارجية للتغيير، لأنَّ التغيير يبدأ بكم ومعكم يكتمل التغيير نحو وطن عصري، هذه الكلمات أتوجه بها إلى من يؤمن بوطن اسمه لبنان وبضرورة إعادة المجد المسلوب إلى وطننا.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment