لماذا نشعر أن الماضي أفضل؟

10/15/2018 - 06:41 AM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

ما هو دور الانتخابات على مختلف الأصعدة؟ في القطاعين العام والخاص. حرية اختيار الأشخاص والسياسات المناسبة هي في غاية الأهمية. لكن المهم أيضا رفع مستوى السعادة في البلد بحيث يشعر المواطن انه صاحب القرار الرسمي أو القطاعي أو المناطقي. يشعر المواطن اليوم في كل الدول انه مقصر معيشيا ولا يستطيع تلبية حاجاته الأولية، بل أن الحياة تسبقه وبالتالي يحتج علنا أو صمتا. لما كل هذه الاضرابات المتواصلة في فرنسا مثلا ونحن نعلم ان المستوى المعيشي الفرنسي هو من الأفضل عالميا وبالتالي لا ضرورة لهذا العنف الاحتجاجي وارهاق المواطنين الذين لا شأن لهم في الموضوع. اضرابات سكك الحديد والطيران شلت الدولة والاقتصاد وأثرت على كل أوروبا لأن باريس هي القلب القوي النابض خاصة بعد مشروع البريكسيت. يريد ماكرون اصلاح القطاعات وهذا شأنه وهنالك منطق في التغيير المقترح، الا أن الحوار مفقود والمواطن يظلم ويمكن أن ينتفض.

الماضي أفضل من الحاضر

يشعر المواطن عالميا اليوم بأن الماضي أفضل من الحاضر بالرغم من أن كل المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية هي أعلى بكثير مما كان عليه الحال منذ سنوات أو عقود. يقول الفيلسوف الفرنسي "ميشال سير" أن الأوضاع الحالية أفضل بكثير من الماضي حتى في فرنسا وذلك من نواحي السلم وطول العمر والأمن والغذاء والنظافة وظروف العمل والاتصالات والعناية الصحية وغيرها. بالرغم من كل هذا التطور يشعر المواطن أنه غير سعيد وبالتالي وجب رفع مستوى السعادة في كل الدول. ربما وجود سلع وتقنيات جديدة كل يوم تشعر المواطن انه لا يستطيع اللحاق بالتطور وبالتالي يشعر بالتقصير والتخلف.

رفع مستوى السعادة

يحاول كل مجتمع رفع مستوى السعادة داخله لتأثير هذا العامل المباشر على الاستثمار والاستهلاك وبالتالي النمو. الهدف هو مستوى السعادة المشترك أي للجميع، وليس لأقلية محظوظة أو ميسورة. يقول الاقتصادي "ريتشارد ايسترلين" انه ضمن الدولة الواحدة نرى أن الأغنياء أو الميسورين هم أكثر سعادة أو يشعرون بها. على المدى الطويل، يقول الكاتب انه ليست هنالك علاقة واضحة بين الدخل الفردي ومستوى السعادة المعلن. لذا يرى ايسترلين أن العلاقة بين العاملين هي قصيرة الأمد ولا تدوم، اذ تغلب عندها عوامل أخرى تظهر تدريجيا كالأمن والمساواة وتوزع الثروة والدخل وغيرها.

فوارق الدخل ضمن المجتمع

يقول ايسترلين أن علاقة السعادة يمكن أن تكون مرتبطة بفوارق الدخل ضمن المجتمع أكثر مما هي مع مستوى الدخل. أي يقارن المواطن وضعه بالغير أكثر مما يقيم وضعه منفردا. يقول الكاتب أيضا ان طموحات المواطن تتغير مع الوقت وبالتالي ما هو مقبول اليوم يمكن أن يكون غير مقبول غدا. أخيرا يقول الكاتب ان الانسان يعتاد على وضعه، وبالتالي يمكن أن يقبل غدا ما رفضه اليوم وبالتالي هذا طبيعي ومعروف في كل المجتمعات. الانسان يتأقلم وهذه ميزة مهمة.

يشك "أدام سميث" مؤسس العلوم الاقتصادية بتأثير الثروة على السعادة. يقارن المواطن في رأيه بين وضعه الحالي وما يعتقد انه كان يجب أن يكون عليه. من هنا سعادة الانسان مرتبطة بشعوره ونفسيته وطموحه أكثر مما هو مرتبط بمستوى الثروة. هذا الشعور يتغير وبالتالي سعادة الانسان تتغير دون أن يكون وضعه المالي مختلف. أدام سميث كان أول من ربط العلوم الاقتصادية بالنفسية وهذا في غاية الأهمية وما زال هذا الرابط غير مدروس بما يكفي اليوم. في كل حال، تواجد السلع في الأسواق كما لم يكن سابقا يدخل معادلات جديدة صعبة على حياة الانسان وسعادته وقدرته على التأقلم والتطور.

أهم الكتب التي عالجت المواضيع الانسانية

من أهم هذه هي التي ألفها الاقتصادي "البرت هيرشمان" والتي يقول فيها أن الحريات مهمة جدا ومنها حرية التعبير والخروج كما الولاء تجاه من يرغب. استفتاء البريكسيت بني على أفكار هيرشمان، علم بها دايفيد كامرون أو لم يعلم. استعمل كامرون الاستفتاء (التهديد بالخروج) تجاوبا مع مطالب البريطانيين (التعبير) تجاه العلاقات مع أوروبا. لكنه لم يكن يدرك أو لم يقيم صحا كما يجب كم أن البريطانيين غير موالين للمجموعة الأوروبية (الولاء) وبالتالي انتصر الراغبين في الطلاق. في الواقع، البريطانيون غير متعلقين بأوروبا كما هو حال سكان القارة وكانوا ينظرون الى الوحدة الأوروبية كسوق وليس كهوية. شعروا أن الوحدة تخطت مهمتها في رأيهم وبالتالي تحمسوا للمغادرة. خرجوا أو سيخرجوا عمليا السنة المقبلة لأن الولاء للوحدة من قبلهم لم يكن يوما قويا.

هل يندمون؟ هل سيرتفع مستوى السعادة في بريطانيا بعد الخروج؟

اذا لم يرتفع أو انخفض فماذا يفعلون؟ العودة مستحيلة دون شك وعليهم ايجاد مخارج جديدة ربما انضمام الى وحدة أميركية شمالية أو غيرها. يقول الاقتصادي "بنتهام" أن هنالك 4 عوامل تؤثر على مستوى السعادة: الأمن، وجود موارد رزق كافية، البحبوحة العامة والعدالة والمساواة. ليس صعبا الحفاظ على الأمن وهو مستتب حاليا وسيبقى لما تتمتع به بريطانيا من أجهزة أمنية فاعلة ومتفوقة. موارد الرزق ستبقى واسعة لأن الاقتصاد متطور والقوانين تشجع على الاستثمارات واليد العاملة ذات نوعية عالية. أما البحبوحة فبريطانيا لم تعان حتى في الحروب القاسية من نقص في المواد والخدمات والسلع. أخيرا في المساواة بين المواطنين عبر المناطق والأجناس والأديان، فبريطانيا من أكثر الدول تطورا وتقدما وبالتالي احترام حقوق المرأة والأطفال والأقليات هي من الأفضل عالميا. اذا لا خوف على بريطانيا بعد البريكسيت، لكن المشكلة تكمن في مستوى السعادة الذي يجب تعزيزه. لا خطر على بريطانيا، هل سيكون البريطانيون أكثر سعادة بعد الطلاق أم لا؟ يظهر اليوم انهم مترددون لكن العودة الى الوراء يبدو أنها غير ممكنة.

انتخابات نيابية طال انتظارها

قام لبنان في أيار الماضي بانتخابات نيابية طال انتظارها ومن أسبابها ليس فقط الحفاظ على الديموقراطية التي يريدها اللبنانيون وانتخاب الأشخاص المناسبين، انما رفع مستوى السعادة بحيث يشعر اللبنانيون انهم أصحاب القرار في الدولة. أجلت الانتخابات مرارا دون أسباب مقنعة الا الحفاظ على المراكز للمنتخبين سابقا وهذا غير مقبول. شعر اللبنانيون بسعادة أكبر بعد الانتخابات لكنهم قلقون اليوم مجددا لأن تشكيل الحكومة الجديدة يتعثر لأسباب غير فاضلة وغير مقنعة. سلبت سعادة اللبناني عبر التمديد النيابي وتسلب مجددا عبر التعثر الحكومي. نحتاج الى رفع المعنويات الذي يؤمنه تشكيل الحكومة والبدء بالعمل حماية لمستقبل الاقتصاد والمجتمع.

ما المطلوب اليوم عالميا لرفع مستوى السعادة؟ هنالك أفكار:

أولا: تأمين دخل لكل المواطنين من قبل الدولة. تشير الدراسات أن تأمين حد أدنى من الدخل لكل مواطن يوفر على الدولة الأموال الطائلة من ضمانات وتأمينات وأجور موظفين في القطاع العام ودعم للسلع وبرامج اجتماعية وغيرها. تأمين هذا الدخل لكل مواطن يريح المواطن والدولة ويوفر المليارات على الموازنات الوطنية. اذا كان هذا الحال، لماذا لم تقم به الدول حتى اليوم؟ الجواب سهل وهو وجود قوى كبيرة تريد الحفاظ على الوضع الحالي أي قوى الفساد والهدر التي تبقى قوية وتخيف المواطن حتى لا يجرؤ على التغيير. سويسرا رفضت هذا الاقتراح في استفتاء سابق، لكن لا شيء يشير الى امكانية الرفض في المستقبل.

ثانيا: ما هو أهم؟ حق العمل أم حق الدخل؟ هل من واجب المجتمع تأمين وظيفة لكل مواطن أم تأمين دخل. ليس هنالك من دراسات تربط بين الدخل المؤكد والانتاجية، بل هنالك من يقول أن المواطن المرتاح نفسيا يعمل أكثر اذ يغيب عنده القلق ويصبح التحدي المعيشي هو التحسن والنجاح وليس الاستمرارية. فكرة تستأهل النقاش والدرس وثم التطبيق.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment