القانون الانتخابي الجديد بين المد والجزر... وأقصى الممكن تحسينات طفيفة على القديم

12/01/2015 - 17:48 PM

 

كتبت ميشلين أبي سلوم *

ملفان قفزا الى واجهة التطورات السياسية في الحقبة الأخيرة، ملف قانون الانتخابات الجديد، وملف ضخ الحياة في الجسم الحكومي. وحتى الان، لا توجد مؤشرات واضحة على امكانية وصول اي من الملفين الى خواتيمه السعيدة.

تسهيل عودة الحكومة الى العمل والانتاجية

لا يفوّت رئيس الحكومة تمام سلام مناسبة، إلا ويستغلها لمطالبة المكونات السياسية تسهيل عودة الحكومة الى العمل والانتاجية. وفي كل جلسة حوار حضرها كان يشدّد على ضرورة تسهيل انعقاد مجلس الوزراء للبت في قضايا حيوية تهمّ الناس، ولا يمكن الاستمرار في التغاضي عنها. في الجلسة ما قبل الأخيرة، كان لافتا ان دعوة سلام لقيت التجاوب من مكونات 8 آذار، وقد شجعه على الدعوة الى عقد جلسة لمجلس الوزراء بمن حضر، اكثر من مكوّن في هذه القوى، الأمر الذي ترك علامات استفهام توحي بأن هذا الفريق في غالبيته غير موافق على سياسة تعطيل عمل الحكومة التي يتّبعها الحليف العماد ميشال عون، منذ أزمة التمديد للجنرال شامل روكز، وانتهاء المفاوضات الى فشل.

في المعطيات المتوافرة حتى الان، لا يوجد ما يوحي بأن عون سوف يبدّل موقفه في هذا الموضوع. في المقابل، لا يبدو ان رئيس الحكومة مستعد لأن يعمل بالنصائح التي تحثه على الدعوة الى انعقاد جلسة بمن حضر، لأنه لا يريد أن يدفع بالأمور الى أمكنة أشد تعقيدا، قد تطيح بالحكومة في توقيت دقيق وغير مناسب. وعليه، من المرجّح ان تمتد الأزمة الحكومية القائمة الى أجل طويل، ما لم تستجد تطورات تخرق الستاتيكو المفروض حاليا على الجميع.

قانون الانتخابات

في موازاة الأزمة الحكومية، تبدو أزمة الاتفاق على قانون جديد للانتخابات أشد صعوبة، وتعقيداتها تتجاوز الحسابات المصلحية الضيقة، لأنها تتعلق باعادة تكوين السلطة، وتوزيع الحصص السياسية والأوزان في المرحلة المقبلة. هذا الموضوع شديد الحساسية، ولن يكون التوافق حوله من الأمور المتاحة وفق المعطيات القائمة حتى الان.

في هذا السياق يمكن تسجيل ملاحظات كثيرة، ومتطلبات ينبغي تأمينها في اي قانون انتخابي جديد، وهي كالتالي:

اولا - ينبغي تأمين صيغة تؤمّن للمكوّن المسيحي اكبر قدر من العدالة في تطبيق المناصفة على اساس حرية الاختيار. أي ان المناصفة العددية القائمة في الدستور، ينبغي ان تنتقل الى مناصفة انتخابية تمنح المسيحيين القدرة على اختيار نصف النواب. وفي هذا المجال، هناك قناعة بأن الوصول الى هذه النقطة صعب، لكن المطلوب تحسين الوضع بحيث تصبح نسبة النواب الذين يصلون بأكثرية اصوات مسيحية اكبر من النسبة القائمة اليوم وفق القانون الانتخابي السائد.

ثانياً - ينبغي بالقانون الجديد، ان يراعي الانقسام السياسي العامودي بين 8 و 14 آذار، بحيث لا تؤدي أي صيغة جديدة الى تمكين أحد الطرفين من الحصول على اكثرية نيابية مطلقة في المجلس المقبل، تفسح له المجال امام الحكم والتغيير من دون قدرة الطرف الآخر على الاعتراض والتعطيل.

ثالثاً - ينبغي بالقانون الجديد ان يراعي التوازنات المناطقية والزعامات القائمة، وربما يراعي بعض الاسماء بحيث ان القانون الجديد لا يمكن ان يؤدي الى إضعاف زعامة مذهبية او حتى مناطقية الى درجات دنيا. وهناك بعض المواقع التي قد تحتاج الى تفصيل دقيق على قياس بعض الاشخاص لضمان وصولهم الى المجلس. صحيح ان هذا المطلب الشرطي لا يتم الاعتراف به علنا، لكنه قائم ويعرفه كل المكلفين العمل على قانون انتخابي جديد. كذلك، فان التيارات السياسية والطائفية الموجودة لديها بعض الاستثناءات في مقاعد معينة، وتطلب مراعاتها.

هذه المطالب والقواعد التي ينطلق منها الجدال لصياغة قانون انتخابي، تجعل من مهمة اللجنة النيابية التي جرى الاتفاق عليها لبدء التداول في قانون جديد شبه مستحيلة. وسيجد النواب العشرة، أعضاء اللجنة انهم في مواجهة معضلات لا يمكن تجاوزها. وتكفي الاشارة الى ان أدراج المجلس النيابي تحتوي على 17 اقتراح قانون انتخابيا، لكي نقدّر حجم التناقضات القائمة، وعمق الهوة التي تفصل بين الاقتراحات التي يتم التقدّم بها. وحتى صيغة القانون الذي اتفق عليه كل من تيار المستقبل، حزب القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي لم يصمد طويلا. ويبدو ان النائب وليد جنبلاط كان السباق الى التنكّر الى هذه الصيغة.

الشكل والمضمون

بعد سقوط فكرة القانون الذي اتفق على تسميته بالقانون الارثوذكسي، والذي يقضي بأن ينتخب ابناء كل مذهب نوابهم، يتم التركيز حاليا على الصيغة النسبية كبديل مقبول يمكن ان يمنح المسيحيين فرصة تكبير عدد النواب الذين يستطيعون ايصالهم الى الندوة البرلمانية، وتحسين فرص تمثيل أطراف لديهم حيثيتهم، ولا يستطيعون الوصول الى ساحة النجمة بسبب القانون الاكثري القائم. لكن، ولو ان معظم الاطراف صارت تسلّم بضرورة إدخال النسبية الى أي قانون جديد، الا ان التفاصيل والتقسيمات، وتوزيع النسب والمقاعد بين ما هو نسبي وما هو أكثري، تجعل من هذه الصيغة مشروع أزمة مستعصية على الحل.

في هذا الاطار، يُلاحظ ان الصيغ التي جرى تقديمها حتى الان، مفصّلة جميعها على قياس المكونات والزعامات والاشخاص. حتى ان كل قانون موجود في الادراج، يمكن ان يتبين لمن يمعن النظر فيه، من هي الاسماء التي سيتم إسقاطها على القياس لهذا المقعد أو ذاك. وتتضمّن الاقتراحات استثناءات نافرة، تُظهر بوضوح انها أجريت من اجل فلان في هذه المنطقة، وفليتان في منطقة أخرى.

بالاضافة الى هذا الاشتباك في المصالح، تبرز مشكلة التماهي بين حقوق طرف سياسي ما، وحقوق حليفه. بمعنى ان ما يكسبه هذا الطرف من مقاعد اضافية وفق صيغة معينة، قد تؤدي الى فقدان حليفه لعدد اكبر من المقاعد، بما يطيح بالتوازن القائم بين 8 و14 آذار. ورغم انه يطيب للبعض ان يدّعي ان مسألة 8 و14 قد انتهت، الا ان الواقع غير ذلك، وحتى الان لا تزال معظم الاطراف مرتبطة بهذا التقسيم، لأن امتداداته اقليمية، ولا يمكن تجاوزها ما دامت الاوضاع الاقليمية كما هي اليوم.

المعجزة

في ظل هذه التعقيدات، هل يمكن الوصول الى صيغة تراعي كل تلك الحسابات السالفة الذكر؟

الاجابة المنطقية ان هذا الانجاز لن يحصل، لأن المعطيات تشير الى عدم وجود تغييرات جذرية تسمح بهذا الاعتقاد، والامر يبدو وكأنه يحتاج الى معجزة. وقد يكون رئيس المجلس نبيه بري، ومن خلال القول ان اللجنة النيابية تستطيع ان تنطلق من صيغة جديدة، وليس عليها بالضرورة ان تعمل وفق روزنامة الاقتراحات المقدمة، انما أراد تحرير اللجنة من الدخول في متاهة لن تخرج منها بسهولة. ومن المؤكد ان ايجاد صيغة مشتركة بين مشاريع القوانين القائمة، اشبه بايجاد ابرة في كومة من القش.

من هنا، لا يمكن التفاؤل بالنتائج التي ستصل اليها اللجنة النيابية في ملف قانون الانتخابات الجديد. وقد يعود الجميع في النهاية الى فكرة السلة الكاملة، ومن ضمنها الاتفاق على رئيس للجمهورية، ورئيس للحكومة، وقانون انتخابي مستوحى من القانون القائم، مع بعض التحسينات الطفيفة لارضاء الأشد اعتراضا على هذه الصيغة. وكل ما عدا ذلك، لا يزال في خانة التمنيات ليس إلا.

في هذه الحالة، صحّ المثل اللبناني القائل: "حافظ على قديمك، جديدك ما ب دملك"...

* صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment