هل صار لبنان وطنَ الحقائب المتطايرة؟

09/11/2018 - 12:53 PM

 

بقلم هنري زغيب

 

مشهدٌ أَوَّل:

حقائبُ مدرسيةٌ مكتظَّة يَـنُوءُ بِـحَمْلها الأَولاد، وحقائبُ مدرسيةٌ فارغةٌ تنتظر كتُبًا يَـنُوءُ بِشِرائها أَهلٌ يَـنوؤُونَ بين ارتفاع الأَقساط

في مدارسَ تجاريةٍ بلا رحمة، وارتفاعِ الغضب لدى مُعلِّمين مُضْربين معْتصِمين مُطالِـبين بِـحقُوقهم الـمُهضومة بلا رحمة.

مشهدٌ ثانٍ:

حقائبُ وزاريةٌ تتطاير من تشكيلةٍ إِلى تشكيلة، ومن كتلةٍ إِلى كتلة، ومن "بيتٍ" إِلى "قصر"، ومن سرايَ إِلى ديوانية، ومن تنظير إِلى تقدير، والجميع مستعجِلون إِنما لا يَخطو أَحدٌ إِلى الأَمام كأَنَّ الناسَ بأَلْف خير، والاقتصاد بأَلْف خير، والبلاد بأَلْف خير.

مشهدٌ ثالث:

حقائبُ مصطفَّةٌ في قاعة الـمطار تنتظرُ رنين الـمذياع الداعي الـمُسافرين الـمُغادرين الـمُهاجرين للالتحاق بِبَوَّابات الـخروج إِلى طائراتٍ تُقْلع بهم لتَحُطَّ في بُلدان يَشعرون فيها أَنهم مواطنون مُـحتَرَمون بعد شعورهم في وطنهم أَنهم أَرقامٌ وأَزلامٌ ومَـحاسيب. هذا إِذا استطاعوا أَن يُغادروا ولم يَتَعَطَّلْ في وجوههم نظامُ أَجهزة الحقائِب الإِلكتروني كما حصل قبل يومين في فضيحة المطار، ما يَزيدهم غضبًا على غضب، وقرفًا على قرف.  

مشهدٌ رابع:

حقائبُ دﭘـلوماسيةٌ متَّجهةٌ إِلى بلدانها حاملةٌ تقاريرَ السفراءِ الشارحةَ الوضْع في بلادٍ تتآكَلُها النفايات ويغتالها التَلَوُّث ويُهدِّدها الاقتصاد وتتضاءَلُ فيها الكهرباء وتَستحيل فيها المواعيدُ بـزحمة السير اليومية، وسياسيُّوها آخذُون وقتَهم في قَذْف النَرْد على طاولة الزهر في تَـجاذُبات قاتلةٍ وهُم ليسوا آبهين إِلا لِحصَصهم في حكومةٍ ستولد ميتةً لأَنَّ الولادة القَيصرية ستَقْضي سَلفًا عليها.

مشهدٌ خامس:

حقائبُ إِلِكترونية تَطير مَـجنونةً في الفضاء الافتراضي بين شبَكةٍ عنكبوتيةٍ وأُخرى قَرَفًا وغَضَبًا واعتراضًا وافتراضًا واقتراضًا، وشَتْمًا وضْعًا يتدَهْوَر ولا من يسأَل من الـمَسؤُولين السائِلين فقط عن الـمُساءَلة حول حصَّتهم من قالب الـجبنة.

مشهدٌ استـثـنـائي:

حاكمٌ رؤْيَويٌّ اسمه محمد بن زايد يتوجَّه إِلى أَطفال شعبه عشيةَ دُخولهم الـمدارسَ مـخاطبًا إِيَّاهم: "غدًا يَـبْدأُ عامُكم الدراسيّ. مدرستُكم تَبْنيكم كي تَبْنوا وطنَكم. على دفاتركم تُسطِّرون مستقبلَ بَلَدكم. إِجعلوا مدارِسَكُم وَطنًا لكم".

***

تنسدلُ الستارة. تنتهي الـمشاهد. تَبدأُ الـمَأْساة. مأْساةُ وطنٍ تَراخى فيه الـمسؤُولون من ولايةٍ إِلى ولاية، من عهدٍ إِلى عهد، من حكومةٍ إِلى حكومة، من وزارةٍ إِلى وزارة، من مَـجلس نُـوَّاب إِلى مَـجلس نُــوَّام، ومن لامَسؤُول إِلى لامسؤُول، ومن حقائبَ تتطاير إِلى حقائبَ تَتَكَسَّر إِلى حقائبَ تَتَقَلَّص، تَتَقَلَّص، تَتَقَلَّص... تَتَقَلَّص، نعم. فالحقائبُ جِلديةٌ، والجِلد يَتَقَلَّص مع الوقت، وَيَتَجَعَّد وَيَنْكَمِش، وتَتَقَلَّص مساحته، وتَتَقَلَّص الحقيبة، و... يَتَقَلَّص الوَطَن.

فيا أَلْفَ ويلٍ وأَلْفَ وَداعٍ وأَلْف رحمةٍ لله على وطنٍ ظَلَّ الـمَسؤُولُون فيه يَتَنَاتَشُون الـحقائبَ من يدٍ إِلى يدٍ حتى أَخَذَت تَتَقَلَّص بين أَيديهم، تَتَقَلَّص، تَتَقَلَّص وتنكَمش، تَتَجَعَّد، تتَضاءَل، وبانهيارِها يَتَقَلَّص الوطن عليهم، وعلى جميع مَن فيه وما فيه. 

* هنري زغيب: شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني. تستطيع التواصل معه على البريد الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو الإطلاع على إنتاجه على: www.henrizoghaib.com أو www.facebook.com/poethenrizoghaib

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment