تحيّة قلبيّة في اليوم الوطني البرازيلي

09/09/2018 - 11:14 AM

 

بقلم: محمد زريق

 

أحمِلُ قلبي وأغادر إلى أقصى الشرق، إلى بلاد الوجوه الغريبة والطعام المختلف واللغات الغير إعتيادية، أغادِرُ وأنا أحمِلُ في فكري وقلبي هويتين كانتا معي طيلة حياتي، ربما هي الهوية المزدوجة والتي أصبحت مع الزمن هوية واحدة لا يمكن أن تتجزأ، فليس من المستغرب أن ينتمي الإنسان إلى ثقافتين وحضارتين متقاربتين إلى حدٍ بعيد رغم المسافات المادية البعيدة، إنها تحية ولاء وطنية أرسلها من الصين إلى البرازيل بمناسبة العيد الوطني البرازيلي.

لا أدري لماذا يجولُ في خاطري فكر الكاتب أمين معلوف عند الحديث عن الهوية، ربما لأنني أجد ذاتي في هذا الرجل، وهو الذي ينطق بالكلمات التي أعجز أنا عن النطق بها أو إخراجها، فكم كانت عظيمة كلماته حين قال "ما يحدد كياني وليس كيان شخص آخر هو أنني أقف على مفترق بين بلدين، ولغتين أو ثلاث لغات، ومجموعة من التقاليد الثقافية. وهذا بالضبط ما يحدد هويتي". إنَّ الهوية في فكر هذا الرجل لا يمكن أن تُقسّم أو أن يتم تجزأتها، فلا يجب القول بأنني أنتمي إلى هذا البلد وإلى ذاك البلد، بل يجب القول أنَّ هويتي واحدة مجبولة بالإنتماءات والثقافات المتعددة، وكلها مجتمعة تشكل هويتي.

ما أجمل الكلمات المُنسابة بشكل تلقائي وعفوي عند الحديث عن الإنتماء الوطني، فكيف إذا كانت هذه الكلمات عبارة عن تحية وطنية في ذكرى العيد الوطني أو ذكرى الإستقلال!

في السابع من أيلول من العام 1822 كان يوم الفجر البرازيلي، حيثُ سطعت نور الحرية على أمّة عظيمة من شعوب أميركا اللاتينية ونالت البرازيل استقلالها من المملكة البرتغالية المتحدة، وهكذا عُرِفَت هذه المناسبة باسم يوم الإستقلال البرازيلي أو السابع من أيلول، وهو اليوم الوطني البرازيلي الذي يُحتَفَل به في كافة أرجاء البرازيل، كما وتُقِيم البعثات الدبلوماسية البرازيلية الإحتفالات على شرف هذه المناسبة في كافة أنحاء العالم.

إنهُ يوم مجيد بكل ما للكلمة من معنى، ويوم شرف وعزّة على أمّتنا البرازيلية لتبقى الراية مرتفعة ومكانتها دائماً الأعلى بين دول العالم؛ فيمكنك أن تحب البرازيل ولكن لا يمكنك أن تبغضها أو تعلن عليها العداء لأنها دولة مسالمة لا تعتدي، وتتعامل مع كافة دول العالم باحترام ودبلوماسية ضمن الأطر والحدود الدولية المتعارف عليها.

أتحدثُ عن البرازيل وأطيل الحديث نظراً لأهمية هذا البلد بالنسبة للبنان، فالعلاقة تاريخية وهي تعود إلى الزيارات الأولى التي قام بها دون بييدرو إلى منطقة الشرق الوسط، فقد أحبَّ اللغة العربية والشعب اللبناني ورغب بأن يكون هناك جالية لبنانية في البرازيل. وبعض الدراسات، خصوصاً كتاب حجر غافيا، تشير إلى التواجد الفينيقي هناك منذ زمن بعيد، أي أنَّ الرحلات الفينيقية قد افتتحت تلك البلاد إذا صح التعبير.

إنَّ العلاقات اللبنانية البرازيلية هي علاقات تاريخية، وقد تحوّلت مع مرور الزمن إلى علاقات فوق العادة بفضل روح المحبة والتعاون والإخاء والإحترام. هكذا يمكن أن تُلخّص العلاقة بين البلدين، وفي العيد الوطني البرازيلي أصبح من الواجب على لبنان أن يُرسل أجمل تحية إلى البرازيل وأجمل التمنيات إلى هذا البلد الذي كان دائماً السند والصديق الحقيقي، ففي أيام الأزمات والحروب كانت البرازيل تحاول أخذ المواقف لصالح لبنان، واليوم القوات البحرية البرازيلية التابعة للأمم المتحدة تُزيّن شواطئ لبنان وتحمي حدوده.

تحية قلبية في اليوم الوطني البرازيلي وأجمل التمنيات إلى هذا البلد العظيم الذي لا يمكن أن تختصره الكلمات .. عاشت البرازيل أمّة قوية وعزيزة!

* كاتب سياسي وناقد إجتماعي وناشط في المجتمع المدني اللبناني ومترجم، لديه العديد من الدراسات المنشورة، وهو مهتم في السياسات الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment