يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ

08/20/2018 - 12:16 PM

 

 

بقلم: محمد زريق

إنَّ أفضل من يمكن أن يعرف مجتمعه بشكل واضح وصريح هو المحقق، لأنهُ لا ينظر إلى ما تراه العين المجردة إنما ينظر بعقله التحليلي والمنطقي للأحداث والوقائع وشخصيات الناس. ولعلني مُنجذبٌ إلى شخصية المحقق شارلوك هولمز، هذه الشخصية التي ابتدعها الخيال البشري لتصبح حقيقة ترافقنا كما كل الأشياء، ومن يدري لعل واقعنا كله من نسجِ خيالٍ نحن صنعناه واخترناه. إنَّ المحقق شارلوك هولمز نطق مرةً بعبارةٍ جوهريةٍ تلخص الكثير من الكتب والمجلدات وتعطي فكرة عامة عن مجتمعنا المُعاش، فقد قال: "أنا لستُ منعزلاً عن المجتمع، أنا منعزلٌ عن الأغبياء"، أما بالنسبة لي شخصياً، فأنا أعود وأكرر عبارة هولمز وبكلِ ثقة وشجاعة.

كلما تقدّم بنا الزمن إلى الأمام نترحّم على الوراء وعلى الماضي، ويصبح ماضينا القريب والبعيد هو "زمننا الجميل"، ليس لأنَّ الماضي هو أجمل إنما لأنَّ الحاضر هو بشع، بَشِعٌ جداً ويزدادُ بشاعة مع غباوة البشر؛ فخلصنا يا رب من هذه الدوامة البشرية التي تدور لا لشيء بل لمجرد الدوران. يا رب إنَّ هذا العالم الذي رسمته بريشتك أصبحَ ملوثاً، وكل ما صنعته من جمال دمرته يد ابن آدم، هذا المخلوق العجيب الذي فضّلته على العالمين، نحن لا نستحق هذه الحياة يا الله لأننا نفني بعضنا البعض قبل أن نفني هذا الكون، والكثير من المخلوقات غيرنا تستحق أن تكون أسياداً على عرشِ هذا العالم، فالحيوان يفترس حين يكون جائعاً أما نحن فنفترس بعضنا البعض آلاف المرات تحت عين الشمس وتحت نور وجهك.

إنَّ مجتمعنا اليوم وبكل أطيافه لا يمثّلني وأنا براءٌ من جميع مجموعاته وأحزابه وتكتلاته لأنها لن تجلب إلى هذا العالم سوى المزيد من المتاعب. أعيدُ التذكيز بجمال الماضي فلحظة الحاضر المُعاشة ستدخل مرحلة الماضي الجميل، فلماذا نريد التخلي عن الحاضر والذهاب نحو الأسوء، نحو ما نتخيل أنهُ خيرٌ لنا ولكن في حقيقة الأمر ربما سيجلب علينا المتاعب. أنا براءٌ من الكذب والنفاق والمهاترات، ربما لأنني استطعتُ أن أكتشف الكذبة الجميلة التي يعيشها هذا الكون وأنا لا أزال في ريعان الشباب، لا أدري لماذا أراد الله أن يكشف أمامي الغطاء عن حقيقةِ المجتمع والنفوس المريضة، ربما لأقتنع بأنَّ لا خير في حاضرٍ مريض، وما أجمل ماضٍ بعيد، وكل الأمل في المستقبل القريب.

علّمنا السيد المسيح أن نغفر ونسامح خصوصاً لأعدائنا أو لمن لا يعرف الحقيقة، فقد قال: "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ"، ولكن زمان السيد المسيح ولّى وبغير رجعة، وعصرنا اليوم لا يشبه النفس البشرية المتواضعة والقلب الجميل القريب من الله، رحل زمان الصدق والمحبة الروحية وكل إنسان أثيري لم يعد لهُ وجود على المعمورة، وحلَّ مكانهُ الإنسان المادي الذي لا تهمهُ سوى المظاهر والمناظر والماديات، فكيف أغفر لهذه المجموعات التي تقطن هذا العالم، وهل المغفرة تصح مع هذه الفصيلة البشرية المستجدّة؟

أنا مؤمنٌ ولن أتخلى عن إيماني، أنا منزّهٌ عن طوائفكم ولن أتخلى عن إنسانيتي، أنا متعصبٌ لوطنيتي وسأحملها معي حين أدفن، وأنا الإنسان الذي لهُ قلبٌ لا ولن يعرف معنى الحقد أو الكره. إنَّ كل شخص يريد تصنيفي في خانة معينة أو يريد أن يجعل مني الرفيق النضالي اليوم و(ربما) غداً، إنَّ كل شخص يصدر الأحكام التي تخصني نيابةً عني، لكم أقول أنتم تتعدّون الخطوط الحمراء، فالماضي جميل ولكن المستقبل (ربما) سيكون جميلاً و(ربما) لا.

إنَّ بوذا لم يكن بوذياً والسيد المسيح لم يكن مسيحياً والنبي محمد لم يكن مسلماً، إنَّ إنسانيتنا هي التي توحّدنا فليس بالضرورة أن نمشي جميعاً على نفس الطريق، المهم أن نصل جميعاً إلى نفس الهدف وهو "قلب الله"، فلا تقل إنَّ الله في قلبي بل قُل أنا في قلب الله، ومن فضّلهُ الله وجعل من قلبه مكاناً له، كيف به بعد ذلك أن يهتم بأمور البشر وأن يحقد ويقتل وينشر الخراب على وجه الأرض. ربّي اجعل مني شعلةً تنير الطريق لهذه المجموعة من الناس التي اخترتها أن تكون على أرضك، ربّي لا ولن تهمني كل صغيرة أو كبيرة من هذه الدنيا، فالعمرُ ينقضي برمشة عين، وما هذه الحياة سوى حلمٍ نتمنى لو ينقضي، والموتُ في الأرضِ لابن الأرضِ خاتمةٌ وللأثيري فهو البدءُ والظفرُ.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment