الديموقراطيات والفساد

08/15/2018 - 19:26 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

الديموقراطيات الحقيقية الصافية المثالية لا تعمر كثيرا، وان طال زمنها تواجه عقبات كبيرة بل مطبات مرتفعة تعرقل مسيرتها. تكمن المشكلة ليس فقط في الدساتير والقوانين وانما في الممارسات كما في درجة نضوج الشعوب وقدرتهم بل معرفتهم في كيفية محاسبة المسؤولين. يطرح هذا الموضوع اليوم بقوة مع وصول "دونالد ترامب" الى الرئاسة الأميركية حيث تظهر تجارب السنتين تقريبا على أنه يحاول تشديد السيطرة على مسيرة الدولة واتخاذ قرارات لم تشهدها البلاد سابقا في الطريقة والمنهجية والأسلوب والتوقيت. اقالة وزير الخارجية السابق مثلا كانت مفاجئة للشخص نفسه وهنالك منهجيات لم تعتمد.

هل تتعثر الديموقراطية الأميركية فعلا مع دونالد ترامب؟ وما هي مؤشرات هذا التعثر وهل الممارسة السياسية وحدها كفيلة بعرقلة المسيرة.

لا شك أن تفاقم فجوة الدخل والثروة يفقدان الديموقراطية وهجها ويجعلان المواطن يتصرف بعنف أو بطريقة تخلو من الذوق والتفكير والادراك. الأوضاع الاجتماعية السيئة تشنج العلاقات بين المواطنين وبين المواطن والدولة وتفقد العملية الديموقراطية رونقها. الأهم هو ما هو تأثير محاولات السيطرة السياسية على المستقبل الاقتصادي للولايات المتحدة؟ من المتوقع أن تحسم الانتخابات التشريعية قبل آخر هذ السنة هذا الموضوع، فيظهر ترامب منتصرا أم خاسرا.

هل تموت الديموقراطيات أم تمر بفترات صعبة تتعافى بعدها وتزدهر عندما تصبح الظروف مناسبة؟ يمكن للديموقراطية أن تموت فعلا عندما يحدث انقلاب سياسي أو عسكري يطيح بالحكومات المنتخبة وهذا ما حصل سابقا في عشرات الدول كالتشيلي والبرازيل واليونان. بعد فترات صعبة، عادت هذه الدول الى طبيعتها الديموقراطية، وها هي تواجه التحديات السياسية والاقتصادية التي تقف في وجهها. ادارة الدولة الديموقراطية أصعب بكثير من ادارة الدولة الديكتاتورية حيث قرار شخص واحد يسير الدولة، بينما يجب أخذ عشرات الأراء وربما أكثر لتسيير امور الدولة الديموقراطية. هنالك العديد من التركيبات الديموقراطية، لكن في جميعها يأخذ اتخاذ القرار وقتا طويلا ليتفق عليه ضمن المؤسسات التشريعية والتنفيذية وثم لينفذ من قبل الادارات المعنية.

عملية تشكيل الحكومة اليوم

الديموقراطية في لبنان مثلا متعثرة في آلياتها وتنفيذ قراراتها بسبب الخلط بين مصالح الأحزاب والأشخاص والمناطق والطوائف والمذاهب وبين مصالح المواطن المشتركة في الدولة الواحدة. عملية تشكيل الحكومة اليوم تؤكد على صعوبة ادارة البلد ديموقراطيا. حتى القرارات البديهية تأخذ الوقت الطويل كي تدرس وتقرر ومن ثم تنفذ. في الكهرباء مثلا، ما زلنا غير متفقين داخليا على طريقة حل المشكلة لا على المدى القصير ولا على المدى البعيد. الديون تتراكم ولا حل نظري متوافق عليه بعد، فكيف بالحل العملي الذي ينتج كهرباء.

كذلك الأمر في المياه والاتصالات والشؤون الاجتماعية والتربوية وغيرها. هل يكمن الحل في الغاء الديموقراطية والذهاب الى حكم الشخص أو الحزب الواحد لتسريع الحلول؟ حكما لا، خاصة في دولة متنوعة جدا، لكن يجب تسريع القرارات والبدء بمحاربة الفساد الذي أودى بلبنان الى المرتبة 143 في مؤشر الشفافية الدولية بعد ان كان في المرتبة 102 في سنة 2008، وهذا مقلق. فعالية الادارة اللبنانية تتراجع في غياب الحساب والعقاب وتجاهل المسؤولين. مقارنة لبنان بدول عربية أخرى يبين الواقع أكثر ويشير الى عمق المشكلة، أي مثلا تقع دولة الامارات في المرتبة 21 وقطر (29) والسعودية (57) والأردن (59) مما يعني أن على اللبنانيين التحرك ديموقراطيا واعلاميا.

كيفية موت الديموقراطيات

تبعا للكاتبين الأستاذين "ليفيتسكي" و"زيبلات" في كتابهما "كيفية موت الديموقراطيات"، يقولان انه يمكن للديموقراطية أن تموت برصاصة قاتلة عبر الانقلاب ويمكن أن تموت سريريا اذا وجد الرئيس المتسلط أو الذي يسيء استعمال السلطة أو الذي يقمع المعارضات والاحتجاجات الشعبية. ما هي المؤشرات التي يجب النظر اليها أو تحليلها قبل وصف رئيس ما بمتسلط وقاتل للديموقراطية. يشير الكاتبان الى الأمور الأربعة التالية:

أولا: اذا رفض الرئيس أو لم يكن ملتزما باللعبة الديموقراطية التنافسية. هل يحترم الدستور ويلتزم بنتائج الانتخابات الديموقراطية حتى لو خسر حزبه؟ عندما انتهت الانتخابات الرئاسية الأميركية وبسبب فوزه بالناخبين الكبار فقط وليس بالصوت الشعبي، هدد ترامب بعدم قبوله بالنتائج اذا لم تظهره رابحا. دفع الواقع بهيلاري كلينتون بسرعة الى تهنئته والقبول بالخسارة قبل أن تبحث في امكانية الطعن أو اعادة فرز أصوات بعض الولايات المتقاربة.

ثانيا: اذا لم يحترم حقوق المعارضة وحرية تصرفها. هل يصف المعارضة مثلا بالخائنة أو العميلة ويستعمل الوصف لتقييد حريتها في التصرف على الأرض؟ يسعى الرئيس ترامب بطريقة شبه يومية الى تذكير المجتمع الداخلي والدولي بهيلاري ووصفها بالفاسدة كما يهاجم عبر "تويتر" يوميا العديد من المسؤولين المحليين والدوليين بطرق لم يعتاد عليها المجتمع.

ثالثا: القبول بالعنف كوسيلة للمطالبة بقوانين أو مشاريع أو حقوق. هل هنالك أي علاقة مثلا مع العصابات أو المافيات أو قوى السوق السوداء أو منظمات العنف والاجرام، وقد رأينا علاقات وثيقة بين العديد من الحكام والقوى غير الشرعية أي علاقات مالية وسياسية وعضوية. تؤدي هذه العلاقات الى الكثير من العنف والخطف والابتزاز، والأمثلة معروفة ويظهرها الاعلام بوضوح. لا شك أن تصريحات الرئيس ترامب فيما يخص العديد من المواجهات السياسية والعرقية في "شارلوتسفيل" وغيرها مثلا مقلقة. كما أن رفضه معالجة موضوع اقتناء الأسلحة الفتاكة بعد العديد من المجازر في المدارس والجامعات مقلق. يتجاهل كليا المطالبات الشعبية لوضع حد لاقتناء الأسلحة الخطرة ومسايرته الى حد بعيد مصالح شركات الأسلحة وتجمعاتها المعروفة ب NRA.

رابعا: الاستعداد لتقييد الحريات العامة وخصوصا المعارضة والاعلام والقضاء أي الاستعداد للتحول الى ديكتاتور قامع. هل هنالك رغبة دائمة بوضع قوانين طوارئ غير مبررة تقيد الحريات؟ هل هنالك ممارسات قمعية ضد المعارضة من سياسيين أو صحافيين أو حتى موظفين في القطاعين العام والخاص؟ هل هنالك تمييز في التعامل مع مواطنين من أصول مختلفة علما أن الرئيس ترامب يعلم أن من انتخبه هو الانسان الأبيض أو الرجل الأبيض تحديدا الذي عانى اقتصاديا لسنوات مضت. لكن الحل لا يكمن في التقييد الاقتصادي والتجاري وانما في تشجيع الاستثمارات الداخلية والاستمرار في استقبال العقول المهاجرة التي صنعت أميركا الدولة العظمى القوية. ضمن هذه الأطر تدخل أيضا طريقة التخاطب ليس فقط مع الداخل وانما مع الخارج أيضا كروسيا وأوروبا والكوريتين والصين وغيرهم. الممارسة الاقتصادية عبر التعريفات الجديدة على استيراد الفولاذ والألمنيوم وغيرهما ومحاولته اعادة العلاقات التجارية عقودا الى الوراء كلها مقلقة بل مضرة للشعب الأميركي على المدى البعيد وان ظهرت بعض الفوائد الآنية الحالية.

التوازن المؤسساتي والسياسي الداخلي

جميع هذه الوقائع تشير الى ضرورة القلق من بعض التصرفات الترامبية، لكن من الجائر وصفه بالدكتاتور أو بمحاولته الوصول الى هذا الهدف. يرغب حكما في تقوية سلطاته لكن التوازن المؤسساتي والسياسي الداخلي يطيح حكما بمن يسيء التصرف أو من يحاول الاخلال بالتوازن الدستوري والمؤسساتي المزمن. استمرار الديموقراطية الحيوية الأميركية يعتمد على تحمل الأميركيين بعضهم البعض وعلى بقاء المؤسسات قوية. ان لم تكن هذه الأمور مدونة خطيا في الدستور، لكن الأميركيين نجحوا في العرف والممارسة على الحفاظ عليها بذكاء وفعالية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment