باقة من المحبّة الزحليّة إلى الشاعر ميشال موسى طراد

08/13/2018 - 12:59 PM

 

بقلم: محمد زريق

رحَلَ ميشال طراد ورحَلَ مَعَهُ العصفور الجميل الذي كان يزين تلال وبساتين لبنان، رحَلَ ميشال طراد وانكسر أجمل غصن من شجرة الشِعر اللبناني، والبردوني ذرفَ على غيابه بدل المياه دما، هو اللبناني الأصيل الذي يفوح عطر المحبة من عينيه وترى البراءة في كلماته، ميشال طراد ابن زحلة الذي أحبّ أرضهُ وناسهُ وكانت هذه المحبّة متبادلة، فهياكل بعلبك لن تنسى فضل الأب الحنون والمارد الشامخ الذي أخذَ عَظَمة من بعلبك وأعطى هذا المَعلَم الكثير من المحبة والرِقّة.

أكتُبُ عن الشاعر العظيم ليس بلغة العَظَمة بل بلغة الجمال والحنين والرِقّة، لأنهُ أسقطَ كل تيجان العَظَمة عن رؤوس المختالين، ولَبِسَ تاج التواضع والرِفعة والمَحَبة والكَلِمة الصَادِقة النّابِعة من القلب. وفي هذا الإطار كَتَبَ هذا الشاعر:

"قصوركن لِ مشعشعين

تيجانكن لِ مألزين

نياشينكن لِ مدهّبين

بدلاتكن لِ مقصّبين بُكرا بهَالوادي الضّباب

رَح تبحوِشها

بإِجريها الكلاب! ..."

الكلمات الصادقةَ والنابعةَ من قلب الشاعر ستدخل القلب من الباب العريض ومعها سيدخل صاحب الكلمات "الشاعر ميشال طراد"، ليحفر لهُ مكاناً لا يزول مهما مرّت الأيام.

ليس من المُستغرب أن يُكَرم ميشال طراد من قبل Z إبداع هذا العام وأن يُطلق على هذه سنة "سنة الشاعر ميشال طراد"، فهو الشاعر الذي لا يُحد بمكان أو زمان، ففي زحلة منزل ميشال طراد وفي بسكنتا القلب وفي بعلبك الروح، أما لبنان فهو القصر الأزلي وميشال طراد هو سيد هذا القصر اليوم وكل يوم؛ فالشاعر الجميل "ميشال طراد" الذي أحبَّ لبنان لا يمكن أن نختصره في سنة لتكريمهِ، فالتكريم هو واجب وطني لن يكون بالعبارات إنما بإدخال أعمال هذا العظيم في الكتب والمناهج المدرسية والجامعية، فما أجمل هذا الجيل الذي سيكبر على أفكار رجل مُحِب من وطني!

سكب ميشال طراد كأساً من الشعر اللبناني المعتّق على شفاه لبنان لِيُسكِرَ هذا الوطن مجداً وفرحاً وعظمة. "العظماء لا يموتون"، كما أرز لبنان تزداد قيمتهم وعظمتهم مع مرور الزمن، هكذا هو ميشال طراد العظيم الذي ما غاب إلا ليطل من خلفه عظيم وفنان ومبدع يشبهه بالشكل وبالروح الإبداعية. ميشال طراد لم يغب فقد كانت روح هذا الشاعر حاضرة في هذا التكريم، فالمُكرّم هو ميشال طراد أما الذي تحدّث باسم ميشال طراد ومثَلَهُ فقد كان نجله موسى ميشال طراد.

الفنان موسى هو نجل الشاعر ميشال طراد، وابن المنزل الذي خرّجَ مبدعين وفنّانين، هو منزل الثقافة والفن والجمال. فهل هي خطيئة الدهر أنَّ هذا المنزل أوجدهُ الله في لبنان، أما هي بركة مقدّسة على مدينة زحلة بهذا البيت؟

ميشال طراد الفنان الذي يستخدم لغة القلب والعاطفة أكثر من لغة العقل، فعند حديثه عن والده ستَمُسكَ كلماته البريئة ولن تصمد دموع الحنين طويلاً داخل مقلتيك. موسى طراد هو المبدع الذي إن نطق تحدث جمالاً، فكيفَ بهِ وهو يرسم أجمل اللوحات بريشتهِ ليصور لنا أجمل ما خُلِقَ وأكثر ما يُمكن للعقل البشري أن يتخيله. موسى طراد هو الرسام الذي لا يخفي الدور الكبير الذي لعبهُ والدهُ في حياته ليكون على خط الفن والرسم والإبداع، فالمحبة الكبيرة للشعر والجمال جعلت من موسى طراد ذلك الفنان الذي يحمل ريشة وراء لوحة ليصب فيها كل إبداعه، فكما الفكر لا يُحد كذلك الإبداع لا يُحد ومداه طويلٌ جداً، يذهب إلى البعيد ليلامس قلب الله، فالرسام هو الذي يُشاطر الله في الخلق.

لا يمكن أن نتحدث عن زحلة وعن ميشال طراد دون ذكر سعيد عقل، فسعيد عقل هذا الشاعر والفيلسوف العبقري الذي أثرّ على الكثيرين، قد تأثّر بميشال طراد، ليس لأنَّ ميشال طراد هو جارهُ الزحلي والشاعر المبدع، بل لأنَّ ميشال هو الذي افتتح مدرسة الشعر العامي المحكي وسعيد عقل هو في صلب هذه المدرسة، وهذه اللغة هي لغة البسطاء لذلك كان ميشال طراد قريباً من عامة الشعب وليس بالشاعر الغريب عن أهله وبلده، فقد تحدث ميشال طراد في شعره عن وجع وألم الناس والوطن، كما وتحدث عن الحب والفرح والمرأة.

عندما يلد الشاعر رسّاماً على أرض زحلة المقدّسة، وعندما يعترف أهل بلدة زحلة بالجميل الذي قدمهُ هذا الشاعر من خلال تكريمِهِ وإطلاق اسمه على هذه السنة "سنة الشاعر ميشال طراد"، يمكننا القول أنَّ القلب البشري لم يَمُت والطيبة والمحبة اللبنانية المعهودة لم تندثر، فالشكر للقائمين على هذا التكريم والخلود لشاعرنا ميشال طراد وأطيب التمنيات بدوام التألق والإبداع للأستاذ موسى ميشال طراد.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment