المرأة العربية ومجتمع الفقاعات

08/08/2018 - 17:19 PM

بقلم: محمد زريق

خلال الزيارات التي قمت بها إلى بعض الدول العربية والشرق أوسطية كُشِفَ النقاب عن بصيرتي ورأيتُ بأمِ العين مجتمعات لا تعرف من الديانات السماوية ولا من الإنسانية سوى الشعارات الواهية، تتمسك باللاشيء لتحارب طواحين الهواء، مجتمعات تنظر إلى الغرب بعين الغيرة والعجز وتريد في المقابل أن تُبيّن للغرب أنها الأفضل وهي نفسها غير مقتنعة بإمكانياتها، إنها بكل بساطة "مجتمعات الفقاعات".

إنَّ التربية المدرسية والمنزلية التي تلقيناها كانت تصب في خانة العدالة والمساواة بين الرجل والمرأة، وهذه التربية رائجة وتتفشى مع الوقت، على الأقل في لبنان الذي يعتبر من الدول العربية التي تتمتع بهامش لا بأس به من الحرية، إلا أنَّ هذه الحرية مشروطة وتظل تحكمها القواعد الدينية والأبوية المتوارثة. وبما أنَّ المرأة هي الحلقة الأضعف في المجتمعات العربية، فالكثير من الظلم والتهميش يطالها والقليل من الدعم المعنوي الذي لا يتعدى بعض الكلمات يكون إلى جانبها.

لقد أحسن "هوكيلي" توصيف الحالة التي تمر بها المرأة حين قال "المرأة مثل العشب الناعم ينحني أمام النسيم، ولكنه لا ينكسر للعاصفة"، وهذه العبارة تنطبق بشكل كبير على وضع المرأة في المجتمع العربي. إنَّ النسيم والأفعال التي يظن البعض أنها تؤثر سلباً على المرأة ما هي سوى جرعات دعم للنهوض وإكمال المسيرة، من أجل العدل والكرامة والمساواة. أما عواصف الأنظمة السياسية أو الدينية أو الاجتماعية الظالمة لن تقوى على اقتلاع العشب الرقيق، إنما سترتد كل أفعالها البالية والرجعية سلباً عليها، والأمثلة واضحة في بعض المجتمعات العربية.

إنَّ زمن القبائل والعشائر والمجتمعات الدينية والعرقية والاثنية المنعزلة قد ولّى وبغير رجعة، فالسؤال الأهم اليوم الذي أوجهه إلى العرب، إلى متى ستدوم حالة الإنفصام في الشخصية العربية؟

تنظرون إلى المجتمعات الغربية على أنها الأفضل ومجتمعاتكم لا تزال تقبع في الدرك الأسفل من التاريج، تمجدون بالحرية والكرامة الإنسانية وآلة القتل مصوبة على بعضكم البعض وأنتم أعداء لبعضكم، تستهويكم نساء الغرب ونساؤكم تعامل أبشع معاملة. إنَّ حالة التراجع التي تعيشها المجتمعات العربية تليق بكم، أقولها وبالفم الملآن، وكل أمجاد الماضي التي بناها العرب الأوائل تدمر على أياديكم.

إنَّ التفرد والهمجية وإلغاء دور المرأة في مجتمعاتنا أدى إلى خلل بنيوي، فهذه المجتمعات لم تعد تفقه سوى لغة القوة والقتل والحزم، ولكننا نسينا أنَّ هذه هي أبشع اللغات، هي لغة شيطانية لا تجلب معها سوى الخراب والدمار والبعد وهذا هو الحاصل في مجتمعاتنا اليوم. مجتمعاتنا همّشت الصوت الإنساني، صوت القلب والرحمة، وضربت بميزان العدل عرض الحائط، وأعطت المرأة صفة "هي" بدل "نحن". لن تصلح هذه المجتمعات لا والله، لا اليوم ولا إلى يوم الدين، طالما أنَّ هذا العقل الذكوري المتحجر هو المسيطر والمتحكم، وطالما أنَّ هذه القبضة الحديدية تخنق مجتمعاتنا ومما لا شك فيه أنها ستؤدي إلى الزوال والضياع والانهيار.

ولكن أيضاً إليكم يا من تدعون مناصرة المرأة والوقوف إلى جانبها بشكل علني أما سراً فالواقع مختلف والنفوس تضمر العكس، إليكم وإليكن أقول أنَّ الله يبغضكم وهو يعلم ما تسرّون وما تعلنون ولكن كل لأجلٍ مسمى. إنَّ اللون الرمادي هو لون قبيح مليء بالحقد والتصنع وعدم الوضوح، لذلك أقول لكم كونوا اللون الأسود في مجتمعاتنا لأنه أجمل من الرمادي، والضد يظهر حسنه الضد. وهذه الأبيات الشعرية توصف حال هذه الفئة من الناس بشكل جيد:

لا خير في ود امرئٍ متملق *** حلو اللسان، وقلبه يتلهب

يلقاك يحلف أنه بك واثقٌ *** وإذا توارى عنك فهو العقرب

يعطيك من طرف اللسان حلاوةً *** ويروغ منك كما يروغ الثعلب

إنَّ الله خلق الحياة بشطريها "الرجل والمرأة"، ولن يستطيع أحدهما التغلب على الآخر أو السير وحيداً دون الآخر، وإلا سنعيش في دنيا الفوضى والتعب، وهذا الخلل الحاصل سيؤدي إلى دمار وهلاك البشرية. أتوجه إلى الفئة الواعية في مجتمعنا العربي وأقول "إنَّ مجتمعنا العربي هو مجتمع فقاعات، فخارجه جميل وهش أما داخله فارغ، مجتمعنا هو مجتمع كلمات ولا أفعال، لذلك فلتكن ثورة على الأعراف والتقاليد البالية، ولتُحطّم الجدران الورقية، ولا تخيفكم الهالات ولا المقامات فكلها ستزول عند أول صرخة حق، وما ضاع حق وراءه مطالب، هذا ما وعد به الله وهذه هي العدالة السماوية التي تنتظرنا لتتحقق".

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment