ماذا وراء عودة بضع مئات من النازحين السوريين إلى بلادهم؟

07/17/2018 - 12:19 PM

 

خاص بيروت تايمز- بقلم ميشلين أبي سلوم*

 

بضع مئات من النازحين السوريين، خرجوا أو هم في صدد الاستعداد للخروج من لبنان خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة. وأولى الدفعات كانت من بلدة عرسال التي احتضنت أكثر من 100 ألف سوري فيما عدد سكانها اللبنانيين لا يتجاوز ال60 ألفاً.

هذا الخروج المفاجئ لنازحين سوريين من لبنان يثير التساؤلات لأنه يأتي وسط بلبلة سياسية بين لبنان الرسمي والأمم المتحدة حول الملف، وفي ظل ضغوط دولية واضحة لتطبيع إقامة النازحين في لبنان ودول أخرى، كشرط لتقديم الدعم الاقتصادي الذي يحتاج إليه في ظل أزمته الخانقة.

وهناك ثلاث وجهات نظر يجري تداولها لتفسير ما يجري:

1 - التفسير المتفائل، وهو أن هذه الدفعات، ببضع مئات، هي مقدمة لبدء العدّ العكسي لنهاية ملف النازحين وعودة أكثر من مليون نازح سوري من لبنان إلى بلادهم. وهذا هو التفسير الذي يطمح لبنان الرسمي إلى تعميمه.

2 - التفسير المتحفظ، وهو أن هذه الدفعات ستتواصل لكنها ستبقى متواضعة ومحدودة الفاعلية، ولن تتمكن من معالجة الملف، والتي تتطلب توفير مستلزمات كبيرة سواء من جانب لبنان الرسمي أو المجتمع الدولي أو المعنيين بالملف في دمشق أو النازحين أنفسهم.

3 - التفسير الخبيث، وهو أن هذه الدفعات هي المبرِّر المنطقي لفتح قنوات الاتصال بين لبنان الرسمي ودمشق، إذ سيقال للبنانيين: أمامكم خياران. إما بقاء النازحين في دياركم وإما القبول بالتنسيق مع دمشق لفتح أبواب الحل.

وهذا التفسير الثالث يبدو مبرَّراً، بمعزل عن حسن نيّات العاملين على خط إعادة النازحين. وفي تقدير المتابعين أن ملف النازحين سيوضع على السكّة في فترة تصريف الأعمال، ليفرض نفسه جدياً مع الحكومة الجديدة. وسيكون الاتصال بدمشق أحد عناوينه الأساسية.

ومعلوم أن الحكومة ستضم غالبية وازنة من فريق 8 آذار الذي سرّبت مصادره بوضوح، أن أمام الحكومة المقبلة امتحاناً صعباً في إيجاد الحلول المناسبة. وفي موضوع تأليف الحكومة الجديدة، قالت المصادر: إما أن يأتي وزير دولة لشؤون النازحين ووزير للشؤون الاجتماعية يمثلان جهات سياسية غير معادية لسوريا، وإما أن يتمتعا باللّين والعقلانية المطلوبة للتواصل مع السوريين. فالموقف اللبناني الرسمي تجاه سوريا، على الأقل من بوابة النازحين، لا يمكن أن يستمر على هذه الحال. وقد حان الوقت ليكفّ الحُكْم عن المسايرة ويخطو خطوات جريئة لإعادة الحرارة إلى العلاقات الرسمية اللبنانية - السورية، خصوصاً أن العهد وَعَد بخطوة في هذا الاتجاه بعد الانتهاء من الانتخابات النيابية وتأليف الحكومة الجديدة.

وحتى خارج صفوف 8 آذار، ظهرت ملامح اتجاه لدى البعض بالسكوت على عملية التنسيق مع دمشق، بالحدّ الأدنى، إذا كان الأمر يسهّل حلحلة ملف النازحين.

وفي الانتظار، ثمة مَن يسأل: أساساً، هل يمتلك اللبنانيون قرارهم لإعادة النازحين... فيما لم يكن لهم قرار في دخولهم إلى لبنان؟

قبل نحو أسبوعين، وفي شكل غير متوقع، فوجئ اللبنانيون بصور السيارات التي تنقل بضع مئات من النازحين من بلدة عرسال البقاعية، إلى الداخل السوري. وقد يكون هذا المشهد جديداً على اللبنانيين الذين اعتادوا منذ 15 آذار 2011، تاريخ إندلاع الحرب السورية، رؤية قوافل النازحين تعبر الحدود لتستقرّ في لبنان. وقد عانت بلدة عرسال أكثر من غيرها من أزمة النزوح، ودفعت الثمن الأغلى إقتصادياً وعسكرياً.

شرط العودة الآمنة

هناك اتجاهان داخل الحكم في ما يتعلق بالنازحين السوريين: الأول يقوده الوزير جبران باسيل ويقول إن الوضع الأمني في سوريا بات يسمح بعودة آمنة لغالبية النازحين، إلى مناطق تحت سيطرة النظام أو المعارضة.

ولكن في المقابل، يرى تيار المستقبل أن المهم هو تأمين العودة الآمنة للسوريين، بحيث لا يتعرضون للاعتقال والاضطهاد بعد العودة. وهذا ما يستدعي العمل جدياً على حضّ الأطراف الدولية والإقليمية لتوفير الأمان للنازحين العائدين، بضمانة دولية. وفي تقدير مصادر سياسية من 14 آذار أن استعمال مسألة النزوح لفتح قنوات تواصل رسمية مع دمشق لن يفيد العودة الطوعية للسوريين بشيء. فأية ضمانات قد يعطيها النظام في دمشق لن تطمئن أحداً.

هل التوطين فزّاعة فقط؟

لطالما قال البعض: علينا الخروج من فرضية المؤامرة. شعارُ التوطين في لبنان ليس سوى فزّاعة اخترعناها نحن. والسوريون سيعودون إلى ديارهم عاجلاً أم آجلاً. وحتى الأمس القريب، كان أصحاب هذا القول يدافعون عنه بقوة. ولكن في الأشهر الأخيرة، بدأ الكثير منهم يتخلّى عن فرضية البراءة، ويقتنع بأن المؤامرة أقرب إلى الواقع... والوقائع!

فقد بات الرئيس بشّار الأسد يمتلك السيطرة الكاملة على دمشق، للمرّة الأولى منذ العام 2012. ورافقت هذه السيطرة عمليات إخلاء مكثّفة للعديد من المناطق والأحياء، بما فيها مخيم اليرموك الفلسطيني الأكبر في سوريا. وكانت وجهة غالبية المغادرين مناطق إدلب وحماه. وهذه المناطق، إضافة إلى مناطق أخرى في محافظة حلب، شهدت تدفقاً سكانياً وعمليات تبادل ديموغرافي خلال الأعوام الفائتة.

المخاوف بالأرقام!

نلفت هنا أن عدد سكان سوريا 24 مليوناً، منهم نحو 14 مليوناً غادروا منازلهم: قرابة 8 ملايين نزحوا في الداخل السوري، و6 ملايين في الخارج، يتوزعون تقريبياً كالآتي: في تركيا أكثر من مليونين وربع المليون، في لبنان نحو مليونين نصفهم نازحون ونصفهم الآخر عمال ومقيمون خارج المخيمات وفي الأردن أكثر من مليون وربع المليون، في العراق 250 ألفاً، في مصر 125 ألفاً، في باقي الدول العربية نحو 30 ألفاً.

وبناء على المنطلقات إياها، يرغب المجتمع الدولي، والأوروبيون خصوصاً، في تكريس إقامة النازحين السوريين في بلدان انتشارهم في الجوار، أي لبنان والأردن وتركيا. ويقدّم الأوروبيون الإغراءات لحكومات هذه الدول الرشاوى هي العبارة الأكثر دقّة لإبقاء النازحين في منأى عنهم.

وفي مؤتمر بروكسل الأخير، في شأن النازحين، وُضِع لبنان بشكل واضح وملموس أمام فخّ مدروس لتثبيت إقامة السوريين فيه، وإقرار حقّهم في العمل والتعليم والحصول على كل الضمانات اللازمة لاستمرارهم في لبنان إلى أن يقرروا هم أن ظروف عودتهم إلى بلادهم باتت ملائمة. وهذا أمر لا يمكن الركون إليه أو ضبطه، لأن الاجتهادات والتقديرات في هذا المجال مفتوحة، ويمكن أن تبقى كذلك لسنوات.

وخلال هذه الفترة، وُلِدت وستولد أجيال من السوريين في لبنان لم تحصل حتى على الوثائق الكفيلة بإثبات أماكن الولادة، وهو ما سيؤدي لاحقاً إلى نشوء مشكلة في تدقيق هوية هؤلاء وتحديد حقوقهم في المواطَنة. ويطرح حقوقيون لبنانيون وسوريون هذه المسألة على نطاق البحث لإجلاء ملابساتها وتجنب التداعيات، ولكن عبثاً.

وأصدر الرئيس السوري بشّار الأسد المرسوم الرقم 10، في 2 نيسان، بهدف ضبط الواقع العقاري في سوريا. وهو مرسوم سيؤدي تطبيقه إلى تغيير سوريا ديموغرافياً. والمرسوم جرى إصداره تحت عنوان الإفادة من فرصة إعادة الإعمار لتحديد الملكيات العقارية وتطبيق تنظيم مدني مناسب في مناطق كانت مبنية عشوائياً ويسكن فيها مئات الآلاف أو الملايين من المواطنين بلا قيود تثبت ملكياتهم لها. ولكنه، عملياً، سيكون فرصة للتخلص من شرائح معينة في هذا المناطق، مقابل تقديم إغراءات لآخرين للقدوم إليها والتملك فيها.

كما أن شركات عقارية تمتلكها جهات محددة ستتولى جزءاً كبيراً من المهمة. ولن يجرؤ الكثير من المعارضين على الحضور إلى الدوائر الرسمية للتقدم بإثباتاتهم خوفاً من اعتقالهم. وإلا فالحل أمامهم هو إعلان الولاء للنظام... إذا أصدر عفواً عنهم!

إذاً، في سوريا يتكرّس فرز المناطق. ولا مشكلة في بقاء النازحين في أماكنهم في الداخل والخارج. وطبعاً، هذه أيضاً رغبة المجتمع الدولي الحريص على حصر انتشار النازحين في الأماكن الموجودين فيها حالياً، لئلا يتدفقوا إلى أوروبا ويجلبوا معهم المخاطر الأمنية.

ابتزاز لبنان!

تدرك المؤسسات الدولية أن الإصلاح في لبنان من رابع المستحيلات، وأن التركيبة الطائفية - الإقطاعية المتخلّفة لغالبية الزعماء في لبنان ستبقيه رهينة الفساد. وعاماً بعد عام، ستتضاعف ديونه ويزداد العجز.

من باريس ١ وباريس ٢ إلى باريس ٣ وسيدر 1، يطلق لبنان وعوداً بتحقيق الإصلاحات المنشودة سياسياً واقتصادياً لكنه يتخلّف، فيمنحه المجتمع الدولي فرصاً جديدة ومساعدات.

وهكذاً، يقع لبنان تحت وطأة ابتزاز يتسبب به أولياء أمره الذين يستثمرون في النازحين... وفي الفساد! وقد يأتي اليوم الذي يصبح فيه لبنان عاجزاً تماماً عن الصمود. وعندئذٍ، سيقال لزعمائه: خذوا. هذا ثمن التوطين إذا أردتم أن يبقى البلد واقفاً على رِجليه!

وهذا الكلام على توطين مبطّن للسوريين ينطبق أيضاً على توطين مفضوح للفلسطينيين نحو نصف مليون في لبنان. وهذا الأمر يُعمَل له منذ عشرات السنين، وتستعد إسرائيل لفرضه في اللحظة المناسبة. وربما يكون تكريس القدس عاصمة لها هو أول الغيث في المسار نحو صفقة القرن.

يكفي توطين جزء من السوريين والفلسطينيين في لبنان يقاربون معاً 2.5 مليون نسمة لزعزعة لبنان الكيان. ولذلك، يبدو مريباً ما يحضَّر للبنان وسائر كيانات الشرق الأوسط في المطابخ الدولية والإقليمية، على رغم المظاهر التي تؤشر إلى عودة بضعة آلاف من أصل مليون ونصف المليون نازح. ويبدو مريباً أكثر كيف أصبح الفساد اللبناني هو الطريق الأفضل لاستسلام لبنان أمام المؤامرات.

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment