من لينين الى بوتين

07/02/2018 - 18:13 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

مئة سنة مهمة مرت على العالم منذ انشاء الاتحاد السوفياتي وحصول الثورة الشيوعية في سنة 1917. سيحاول لعقود عديدة قادمة الباحثون تقييم ما حصل، اذ أن فهم التاريخ يأخذ الكثير من الوقت خاصة في ظروف لم تكن المعلومات خلالها واضحة معلنة أو موجودة. لذا أوضاع الاتحاد السوفياتي وثم روسيا شغلت وما زالت تشغل العالم. روسيا متقدمة جدا عسكريا ومتأخرة اقتصاديا، فهل هذا النموذج ناجح ويمكن نسخه؟ اعادة انتخاب بوتين بالطريقة غير التنافسية التي تمت بها مؤخرا تشير الى أن روسيا لم تعتمد بعد الديموقراطية السياسية كما يجب.

الولاية الأخيرة للرئاسة البوتينية

هذه هي الولاية الأخيرة للرئاسة البوتينية، هذا اذا لم يعدل الدستور ليبقى سنوات أخرى كما فعل الجار الصيني وكما ربما يرغب ترامب في القيام به في أميركا. العلاقات بين الغرب والشرق عادت الى التأزم مع ما حصل للجاسوس الروسي المزدوج وابنته في بريطانيا نتيجة الغاز الذي تتبرأ منه موسكو حتى الآن. اذا لم تكن روسيا الفاعلة، فمن ترى يكون ومن له مصلحة في قتل الجاسوس الروسي بهذه الطريقة؟ المشكلة ليست القيادة وانما العلاقات بين الغرب والشرق التي عادت الى التأزم، وكأننا مجددا في حرب باردة لن تنتهي بسرعة. العلاقات بين الغرب والشرق لا تقتصر فقط على روسيا وانما أيضا على الصين وكوريا الشمالية أيضا. هنالك اليوم موجة جديدة من النزاعات الباردة المقلقة والمضرة.

الثورة الروسية

حصلت الثورة الروسية في سنة 1917 في 6 و 7 تشرين الثاني تبعا للمفكرة الغربية وفي 24 و 25 تشرين الأول تبعا للمفكرة الروسية. المتعارف عليها هي "ثورة أوكتوبر" التي حققها لينين (18701924) بالرغم من فشل أولي مهم. حاول لينين القيام بثورته قبل أشهر قليلة الا أنه فشل، ففر الى فنلندا بعد ان كان لاجئا في سويسرا. حصلت الثورة وتنازل القيصر واستلم الشيوعيون وكانت الآمال كبيرة بالنسبة للنتائج، الا أن الرياح لم تجر كما تشتهي السفن. تحقق النمو الاقتصادي القوي من تراكم رأس المال التقني والمادي وليس من التكنولوجيا المتطورة ومن حسن استعمال المواد الأولية والآليات.

البرنامج الاقتصادي السوفياتي

كان البرنامج الاقتصادي السوفياتي يبنى على الركائز الثلاثة التالية المبنية على الماركسية العقائدية:

أولا: دفع الصناعة وخاصة الثقيلة الى الأمام. الصناعة هي العمود الفقري للاقتصاد والقسم الثقيل أهم في رأي الحكم السوفياتي من الخفيف. بين سنتي 1928 و 1940، ارتفع الانتاج الصناعي السوفياتي 170% لكن المشكلة التي ظهرت لاحقا هي في التكلفة والفعالية والانتاجية. الكمية مهمة لكنها غير كافية للنجاح والاستمرارية.

ثانيا: اعتمد الاقتصاد على توافر يد عاملة عديدة في الريف يمكن الاستفادة منها في الزراعة كما يمكن نقلها الى المدن وتحويلها الى الصناعة. هذا الاحتياطي البشري كان مهما جدا واستنزف الى أقصى الحدود حتى بالفرض والقوة.

ثالثا: التركيز على التعاونيات الزراعية للانتاج الكمي والنوعي حيث نعم الاتحاد السوفياتي بأراض شاسعة كان يمكن استخدامها بطرق أخرى رفعا للانتاجية التي كانت وبقيت ضعيفة. لم تنجح الدولة زراعيا اذ انخفض الانتاج الزراعي حوالي الربع بين سنتي 1928 و 1940، فلم تتمكن الحكومة من نقل الغذاء الكافي الى المدن. من كان يعتقد أن الاتحاد السوفياتي سيستورد الحبوب والقمح من الغرب وهو الشاسع الواسع.

القيادات العالمية

أعجب هذا النموذج العديد من القيادات العالمية منها نهرو الذي قام في سنة 1955 بجولة على المناطق السوفياتية دامت 16 يوما. استفاد نهرو من منهجية الخطط الخمسية السوفياتية، فاستوحى منها الكثير لخططه الوطنية. حصل على المساعدات العينية والتقنية من السوفيات. هنالك دول أخرى أعجبت بالتجربة السوفياتية كالصين وكوبا وفينيزويلا وغيرها وما زلنا اليوم نسمع قيادات حالية تقيم ايجابا بعض التجارب الاشتراكية منها جيريمي كوربن رئيس حزب العمال البريطاني دون أن ننسى الرئيسين الكوبي والفنيزويلي.

أتى لينين الى الحكم مع حلم كبير فوضع برنامج اقتصادي طموح ساهم في تحقيق نمو قوي فاق أحيانا النمو في الغرب. وضعت أول خطة خمسية في سنة 1928 اعتمدت على تخفيف دور القطاع الخاص وتأميم الزراعة مما سبب كارثة انتاجية تحققت معها مجاعة كبيرة في سنة 1933 فمات الملايين. لكن الصناعة الثقيلة نمت بنسب سنوية قاربت 10%. بالرغم من أن النجاح لم يكن كليا ولم يعم كل القطاعات، ما الذي سبب السقوط الاقتصادي بدأ من السبعينات والذي أدى الى زوال الاتحاد السوفياتي؟ هل كان بامكان غورباتشوف انقاذ الاقتصاد؟ هل كانت هنالك أخطاء كبيرة ساهمت ليس فقط في ضرب الاتحاد وانما في انهيار الشيوعية كنظام حيوي وفاعل؟ الى أي حد ما زال بوتين يحكم بالطريقة السوفياتية نفسها بالرغم من كل الشعارات الرنانة؟ ان فترة يلتسين الرمادية أو السوداء لم تدرس بعد كما يجب في خصائصها ونتائجها.

الانتصار على الشيوعية

أولا: أتى لينين الى الحكم مما سبب انتخاب هيتلر في ألمانيا، لأن الألمان خافوا من الطموح الروسي الاقتصادي والعسكري. اعتقد الألمان أن انتخاب هيتلر يساهم في الانتصار على الشيوعية. كانت فترة صعبة نعاني من نتائجها حتى اليوم.

ثانيا: يمكن اعتبار فترة الخمسينات العصر الذهبي للحكم السوفياتي حيث ارتفع الناتج المحلي السنوي 6% لكن هذا لم يدم لأن الحماسة للنظام خفت بسبب سؤ الممارسات والانفاق الكبير على التسلح. بينما بلغ الانفاق العسكري السوفياتي 16% من الناتج، لم يتعدى هذا المؤشر 5% من ناتج الولايات المتحدة. استنزف الانفاق العسكري السوفياتي ايرادات كبيرة، فأضعف الاقتصاد مع الوقت وأتعب الشعب.

ثالثا: اعتمد النمو السوفياتي على التراكم السريع لرأس المال وعلى استعمال اليد العاملة بشكل مكثف واستغلال الموارد الأولية دون النظر الى استمراريتها وتجديدها. لذا ما زالت روسيا اليوم تعتمد نفس الطريقة أي تتكل على المواد الأولية دون أن تطور انتاجية القطاعات.

رابعا: لم تتقدم الانتاجية بالرغم من وجود نظام تعليمي مدرسي وجامعي فاعل ومتطور وذلك بسبب غياب الحوافز المادية للنجاح. رأينا العديد من العلماء السوفيات ينجحون في الغرب بسبب البيئة المناسبة منهم الاقتصادي كوزنتس مثلا الذي طور أنظمة المحاسبة الوطنية وأدخل الاحصائيات الى الاقتصاد كما لم يحصل سابقا. حصل على جائزة نوبل لسنة 1971.

خامسا: لم تكن الظروف الخارجية مناسبة أي عوامل الحرب الباردة والحروب المتواصلة في أسيا وغيرها لم تعط النظام السوفياتي الوقت الكافي ليهتم بالداخل كما يجب. طبعا كان هنالك تقصير حيث كان الاهتمام بالنفوذ الخارجي يفوق الاهتمام بالاستقرار الداخلي، وهذا ذنب الجميع من لينين حتى بوتين. حاول غورباتشوف قلب التطورات أي تحويلها من سلبية الى ايجابية لكنه تأخر جدا في التنفيذ أي في تحويل الاقتصاد تدريجيا الى النظام الحر.

سادسا: وضع غورباتشوف خطته الخمسية 1986 1990 لكن النمو لم يتجاوب اذ بقي في حدود 2% في الثمانينات وتدنى الى سلبي 4% في 1990 وسلبي 13% في 1991. من الأسباب تدني أسعار النفط واعتماد الدعم والاعانات التي أوقعت الموازنات في عجز كبير لا يمكن الاستمرار به. في آخر سنة 1991، استقال غورباتشوف وتفكك الاتحاد السوفياتي.

لا شك أن العوامل الاقتصادية أسقطت الاتحاد السوفياتي، الا أن العوامل الادارية لم تكن قليلة. الثورة الشيوعية هي ثورة الشعوب والعمال وليست الثورة على العمال كما حصل. حكم الاتحاد السوفياتي مجموعة من السياسيين والاداريين أساؤأ الى الثورة والعقيدة وجعلوا الشعب يكرههم. استعملت العقيدة للاستمرار في استغلال الموارد الوطنية في غياب المحاسبة والشفافية.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment