العلاقات الصينية – العربية: من الحرير إلى الصداقة

05/31/2018 - 18:51 PM

 

Image result for ‫محمد زريق‬‎

بقلم: محمد زريق

يقول المثل الصيني الشهير: "سيد نفسه من لا سيد له"؛ هذه الكلمات البسيطة والمتواضعة تلخص سياسة الصين تجاه شعوبها وتجاه شعوب العالم أجمع. إنَّ الصين اليوم أصبحت بالدولة الاستراتيجية التي لا يمكن الاستغناء عنها، لذلك بات من الضروري والحتمي على جميع دول العالم إقامة أفضل العلاقات معها ونسج الروابط التي يمكن أن تعزز هذه العلاقة، ولأنَّ العالم قائم على سياسة المصالح فالكثير من دول العالم تقيم العلاقات مع جمهورية الصين الشعبية وفقاً لأجندة معينة ولمصالح خاصة، منها الاقتصادي أو الأمني أو الثقافي.

أما بالنسبة إلى العالم العربي، فالصين هي ليست بالدولة العادية أو الهامشية، لأنَّ بين الصين والعرب تاريخ حضاري واقتصادي وثقافي طويل وحافل، هذا التاريخ الذي لم ينتهي هو حاضر مميز ومستقبل واعد؛ ولكنَّ الأهم هو أنَّ هذه العلاقات قائمة على مبدأ الاحترام وعدم التدخل في شؤون العرب الداخلية ولا حتى في سياساتهم الخارجية، ولهذا السبب ما بين الصين والعرب اليوم علاقات أخوَّة واحترام متبادل قلَّ نظيرها. فإذا حدث والتقيت بشخص صيني فالعبارة الأولى ستكون "ألابو" أو عربي بالصينية وسيستقبلك بالترحاب، وبناءاً على نموذج الفرد الصيني هكذا هي السياسة الصينية اليوم، فهي تستقبل العرب وتتعامل معهم بروح الأخوة والصداقة.

يعود تاريخ بداية العلاقات الصينية - العربية إلى عهد أسرة تانغ، وتتطورت هذه العلاقات مع ازدهار حركة التجارة بين الأمتين، وبما أنَّ الصين كانت تشتهر بتصدير الحرير الجيد فقد أطلقت تسمية "طريق الحرير" على خط التجارة، وأنا بدوري أطلق عليه "طريق الصداقة". ازدهرت وتشعَّبت العلاقات الصينية العربية في التاريخ المعاصر، ففي العام 1930 انشأت الصين علاقات مع جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، وتمَّ اطلاق اسم "مكتبة فؤاد الاسلامية" في الصين تيمّناً بالملك المصري الراحل "فؤاد الأول". في العام 1956 قطع الرئيس المصري جمال عبد الناصر العلاقات مع الصين وانشئ علاقات مع جمهورية الصين الشعبية الشيوعية وافتتحت سفارة لها في مصر، وفي العام نفسه أقامت جامعة الدول العربية العلاقات مع جمهورية الصين الشعبية، وفي العام 1993 افتتحت الجامعة مكتباً لها في الصين. ومع حلول العام 1990 قطعت جميع الدول العربية علاقاتها مع جمهورية الصين، وأقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.

واحد من أهم رموز العلاقات العربية - الصينية هو منتدى التعاون الصيني العربي، الذي تمَّ تأسيسه عام 2004 وعند افتتاحه ألقى وزير الخارجية الصينى "لى تشاو شينغ" كلمة قال فيها "إنَّ العالم العربي هو قوة مهمة على الساحة الدولية، وأنَّ الصين والدول العربية تتمتع بصداقة طويلة، وإنَّ لتاريخنا المتشابه ولأهدافنا المشتركة ولمصالحنا الواسعة النطاق الفضل في تعزيز التعاون بين الجانبين؛ ومهما تغير الوضع الدولي، فإنَّ الصين كانت دائماً الصديق المخلص للعالم العربي". وقد تمَّ تأسيس منتدى التعاون الصينى العربى رسمياً خلال زيارة الرئيس الصيني "هو جين تاو" لمقر الجامعة فى كانون الثاني من العام 2004. وأشار "هو جين تاو" فى ذلك الوقت الى أنَّ تشكيل المنتدى يُعَد استمراراً للصداقة التقليدية بين الصين والعالم العربي في ظروف جديدة. وقد قال الرئيس الصيني حينها "إنَّ إنشاء المنتدى من شأنه أن يفضي إلى توسيع التعاون المتبادل في مجموعة متنوعة من المجالات. وأضاف أنَّ الصين قد قدمت أربعة اقتراحات؛ أولا، الحفاظ على الاحترام المتبادل والمعاملة المنصفة والتعاون الصادق على الصعيد السياسي. ثانيا، تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية من خلال التعاون فى مجالات الاستثمار والتجارة والمشروعات المتعاقد عليها وخدمات العمل والطاقة والنقل والاتصالات والزراعة وحماية البيئة والمعلومات. ثالثا، توسيع التبادلات الثقافية. وأخيرا، إجراء تدريبات للموظفين". وخلال انعقاد الدورة الثانية للمنتدى في بكين عام 2006 أظهرت الصين تعاطفها من قضايا العالم العربي واهتمامها في مسألة عملية السلام بين فلسطين واسرائيل، وبما أنَّ الصين هي دولة سلمية ومحبَّة للسلام فقد عرضت فكرة "شرق أوسط خالي من السلاح النووي".

تعتبر الصين الصديق الصدوق للدول العربية اليوم، فبالرغم من أنَّ بعض الدول العربية لديها علاقات متينة مع الدول الغربية التي لا تتناسب سياستها مع السياسة الصينية، إلا أنَّ كل الدول العربية تجمع على العلاقات الودية والجيدة مع جمهورية الصين الشعبية؛ فالمسألة اليوم أصبحت أكبر من سياسة أو ثقافة، إنما تعدتها إلى قضية وجود وبقاء. فالسياسة الخارجية الأميركية والسلاح الأميركي والروسي الفتاك والثقافة الأوروبية لا تهم المواطن العربي اليوم، ما يهمه اليوم هو لقمة العيش والاقتصاد، وهذا ما توفره الصين من خلال سياستها الاقتصادية الواعية والحكيمة، ومؤخراً من خلال اعادة احياء طريق الحرير أو مبادرة "الحزام والطريق"، التي توصف بأنها خارطة طريق لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الصين والدول العربية إذ أنَّ العالم العربي يقع في ملتقى الطريقين. لذا، الدول العربية شريك طبيعي للحزام والطريق، علماً بأن طريق الحرير القديم هو بالأساس طريق لتبادل السلع، شأنه شأن مبادرة الحزام والطريق التي تهدف أولا وقبل كل شيء إلى تسهيل التبادل التجاري. وبالرغم من أنَّ حجم التبادلات التجارية بين الصين والدول العربية تجاوز 200 مليار دولار أمريكي، أي زاد 10 مرات خلال العقد الماضي، لم يكن هناك أي ترتيب تجاري ومؤسسي لتيسير التجارة بين الجانبين.

تعتزم الصين، كدولة داعية إلى السلام والعدالة وقوة غير غازية، إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول العربية على أسس متكافئة لأنها تعتبر العالم العربي أخاً وصديقاً وشريكاً. وقد أثبتَ التاريخ أنَّ الصين تختلف عن قوى الاستعمار والإمبريالية التي لا ترى العالم العربي إلا مكاناً لنهب الثروات وتحقيق المطامع. كما أكد الرئيس الصيني تشي في خطابه التاريخي في جامعة الدول العربية أنَّ الصين لن تسعى إلى بسط النفوذ والبحث عن وكلاء في الشرق الأوسط. وستساهم المبادرات الصينية التي تهدف إلى خير شعوب المنطقة في تهدئة الوضع واستتباب الأمن والاستقرار من خلال التنمية الاقتصادية وتحسين معيشة الشعب، بما يتماشى مع أجندة التنمية لما بعد 2015 وتطلعات الشعب العربي إلى حياة أفضل، حيث تثبت التجربة الصينية أنَّ التنمية دون غيرها مفتاح لانتشال جذور النزاعات بكل صورها وأشكالها.

تعتبر الصين دولة محايدة عسكرياً – قريبة سياسياً، فخلال الأزمة السورية رفع المبعوث الصيني إلى مجلس الأمن يده ثلاث مرات، أي أنَّ الصين وبدبلوماسيتها الصادقة والحكيمة استطاعت أن تقف وتجابه العالم دون الدخول والخوص عسكرياً في وحول الحرب السورية وفي جميع المشاكل التي حدثت في العالم العربي. وخلال العرض العسكري الصيني مؤخراً استطاع الرئيس الصيني "تشي جين بينغ" أن يكشف عن الأوراق العسكرية القوية التي تمتلكها الصين ويوجه رسالة إلى كل حاقد وغازي أنَّ الصين ستكون دوماً بالمرصاد وعلة أهب الاستعداد والجهوزية إذا شنت حرب عليها، كما أنَّ الرسالة موجة أيضاً إلى حلفاء الصين مفادها أنَّ الصين القوية ستكون دائماً إلى جانبكم وداعمة لكم ولقضاياكم، وهنا تلوح قضية الأمن العربي في الأفق، فالعالم العربي اليوم بحاجة إلى شريك فعلي يمتلك القوة الكافية بحجم الصين من أجل التعاون الأمني المشترك والاستفادة من القوة العسكرية الصينية، خدمة للأمن القومي الصيني-العربي، ولضمان أمن ونجاح مبادرة "الحزام والطريق"، ولتعزيز علاقة الصداقة الصينية - العربية ورفعها إلى مستوى الحلف الاستراتيجي.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment