أيها السياسيون: شيء من الصمت!

11/16/2015 - 19:08 PM

 

بقلم فاديا فهد

تصرّ ابنتي، ابنة الخمس سنوات، على ان كلّ ما يُقال في نشرات الأخبار كذب. وتقول إنهم يمثّلون، تماماً كما في برامج الدمى المتحركة التي تُشاهدها على التلفزيون. «يتنكرون بأزياء الجنود حيناً، والحرامية أحياناً. ويفتعلون الحروب الكاذبة، ويصرخون، كي يخيفونك ماما!»، تشرح ابنتي بحماسة كبيرة، وإصرار أكبر. لذلك، وبرأيها «السديد»، علينا ان نطفئ التلفاز قبل ان يحلّ موعد النشرة المسائية، بكل ما فيها من بؤس وقتل ودماء... وكذب.

ويبدو ان حدس الأطفال تفوّق على حدس بعض المنظّرين العرب من سياسيين ومحللين الذين يطلّون علينا يومياً بآراء ونظريات وتوقّعات،  أين منها توقعات المنجمين ليلة رأس السنة؟! فكلّ إطلالة تلفزيونية هي رأس السنة لهم، ينامون ويستفيقون على تهويل جديد يشلّ البلاد ويزرع الشكّ في يومنا وغدنا. ثم ينفونه في اليوم الثاني، ويطلقون آخر أكثر شراسة لا يمكن ان يخطر في بال، على أساس ان "المعطيات المحلية والإقليمية والدولية تغيّرت".

الحرب الإعلامية سائرة، تسابقها الحرب بالرشاشات والمدافع والصواريخ. حربان من شأنهما ان تقضيا على المنطقة بحجرها وبشرها وخرائطها القديمة، في انتظار تقسيمات جديدة. دولة تظهر، وأخرى تختفي، هكذا يبشروننا. الحدود الفاصلة ليست مؤكدة بعد، لكن المؤكد انه لن يبقى بشريّ يعبر هذه الحدود... فمسلسل التهجير والتصدير البشري المذِلّ مستمرّ حتى اخر عربي صامد في أرضه وبيته، وبمباركة دولية عنوانها "الإنسانية". في المقابل، تشرّع دولة داعش أبوابها لإعرابيي العالم الدواعشيين الآتين من بلاد العم سام والقارتين الأسترالية والأوروبية وكلّ حدب وصوب، يغريهم الموت، وتشدّهم مغامرات«رامبو» العراق وسوريا وما بينهما، تُصوّر أمام عدسة مخرج فيلم  قدير وتتولى بثّها شبكة الإنترنت باسم الشهرة والترهيب.

"إنهم يمثلون"، تقول ابنتي، هذا صحيح. لكن المَشاهد تنضح دماء ساخنة، وتدوي رصاصا حيّاً. ثم تطالعك الأنباء: طائرات التحالف الدولي تقصف الدواعش بعنف، فتُصيب... شاحنة نقل أسلحة! تبدو اتصريحات  لوهلة، أكثر دقة من أهداف الطائرات الحربية. يطلق السياسي الفلاني الواقف في أرض المعركة والجثث من حوله تصريحاً ووعيداً، يردّ عليه آخرمن قصره "في الغابة النائمة" بتصريح ناري يشعل الشارع، ويردّ ثالث من دولة صديقة داعمة بمؤتمر صحافي محموم. ثم من جديد، يرفع الأول سقف تصريحه المعقّب وتهويله.

شيء من الصمت، أيها السياسيون الكرام، شيء من الصمت الوقور... احتراماً للموت، ورأفة بالصامدين في هذه الأرض. هؤلاء الذين في حناجرهم سكين. 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment