العدة جاهزة ليوم 6 أيار... وكل امرىء عرف حاله...

04/11/2018 - 00:57 AM

العدة جاهزة ليوم 6 أيار... وكل امرىء عرف حاله...

خاص بيروت تايمز بقلم ميشلين أبي سلوم*

الآن، باتت العدّة كلها جاهزة ليوم 6 أيار. فالمرشحون انضووا في اللوائح، ومَن لم يفعل سقط ترشيحه تلقائياً. وهبط عدد المشاركين في اللعبة من 976 مرشحاً، عند إقفال باب تسجيل الترشيحات، إلى 583. وانحصر عدد اللوائح ب77.

العالمون يقولون: مع انتهاء مهلة تسجيل اللوائح، عرف كل امرئ حاله... وعرف حَدَّه ووقف عنده! ولكن، على رغم تبلور الصورة في كل الدوائر، فالمعركة ما زالت تتحمل المفاجآت. وسيكون ممكناً تقدير النتائج العامة للانتخابات في كل دائرة. وبالتالي، سيتمكن الخبراء من تقدير التوازنات السياسية في المجلس النيابي المقبل، وتحديد الغالبية والأقلية.

الواضح أن أحداً لا يستسهل المعركة الانتخابية المنتظرة بعد نحو 5 أسابيع. وحتى الثنائي الشيعي الذي يقال إنه عادةً يكون الأكثر ارتياحاً في الانتخابات، يبدو مهتماً جداً بمعركة بعلبك- الهرمل، حيث يمكن أن يؤدي تحالف المستقبل والقوات اللبنانية إلى خرق في مقعدين سنّي وماروني على الأقل.

كذلك، هناك كباش بين التيار الوطني الحر من جهة ومعظم القوى الأخرى في كسروان - جبيل من جهة أخرى. وقد سارع حزب الله إلى تسمية مرشح شيعي في جبيل من خارج الدائرة، بالتنسيق مع حركة أمل. وهذا ما رفضه التيار. لكن الحزب يردّ بالقول إن رئيس اللائحة العونية العميد شامل روكز هو أيضاً من البترون، لا من كسروان.

وتتصارع في كسروان لوائح عدّة: لائحة للتيار ونعمة أفرام، لائحة للكتائب وفريد هيكل الخازن وفارس سعيد، لائحة للقوات، ولائحة التضامن الوطني التي يرئسها الوزير السابق جان لوي قرداحي، وتضمّه ومرشح الثنائي الشيعي الشيخ حسين زعيتر.

وأعلن قرداحي أن الخطاب السياسي السائد حالياً في منطقة جبيل وكسروان، بعيد عن تطلعات أهل منطقتنا وتاريخها الوطني. وقد تراجع هذا الخطاب في منطقة نبذت التطرف وعاش أهلها مع إخوانهم من كل الطوائف مواطنين متضامنين أمام العواصف التي هبت على لبنان. وأمام هذا الواقع، رأينا من المناسب في هذه المرحلة أن نتقدم بالترشح للانتخابات النيابية ودعوة من يرغب من المستقلين إلى الترشح أيضاً بغية فتح الأبواب أمام إمكانية تأليف لوائح في منطقة كسروان - جبيل قبل انتهاء المهل القانونية، ورفض الأمر الواقع الذي يدفع البعض باتجاهه، وذلك احتراماً لحرية الرأي والديمقراطية. وسبق الترشّح إطلاق قرداحي حركة التضامن الوطني التي تضم مستقلين.

فسيفساء الشمال

أما في دائرة البترون - الكورة - بشري - زغرتا فقد جرت عمليات خلط أوراق حتى اليوم. وتحالف ميشال معوّض مع التيار الوطني الحر. وفي بشري تحاول القوات الحفاظ على المقعدين. وفي الكورة يعمل المستقبل لفوز مرشحه نقولا غصن.

وأما البترون فهي أم المعارك على الأرجح في رمزيتها ونتائجها. ومن هناك يريد الوزير جبران باسيل أن يدخل المجلس النيابي بعد محاولات سابقة لم تنجح. والأرجح أنه قادر على توفير الصوت التفضيلي لهذه الغاية. وقد تحالفت القوات والكتائب، في مقابل تحالف الشيخ بطرس حرب مع المردة والحزب السوري القومي الاجتماعي.

وفي طرابلس، الأرجح أن النتائج التي أظهرتها الانتخابات البلدية الأخيرة ستتبدل في الانتخابات النيابية. والمزاج السنّي يبدو اليوم، عموماً، أكثر تعاطفاً مع الرئيس سعد الحريري الذي عاد من زيارة المملكة العربية السعودية، أخيراً، بدعمٍ وتفهُّم واضحين. ويقول المطلعون: ستكون لائحة المستقبل في الطليعة، لكن حضور الرئيس نجيب ميقاتي واللواء أشرف ريفي والجماعة الإسلامية لا يمكن إغفاله. وكذلك، آل كرامي من خلال فيصل عمر كرامي. والأرجح، سيكون هناك تنوُّع للمرشحين الفائزين من مجموعة لوائح.

وفي عكار، يحافظ تيار المستقبل على نقاط القوة، ويتحالف هناك مع القوات اللبنانية إذ ضمّ مرشحها العميد وهبة قاطيشا إلى اللائحة. ويعمل التيار الوطني الحرّ على انتزاع مقاعد في الدائرة.

تنافس في الجبل

وبيروت مركز الثقل

إلا أن لمعارك بيروت مغزى خاصاً، في دائرتيها. ففي الدائرة الثانية تتنافس 9لوائح، وهو عدد اللوائح الأكبر بين الدوائر ال15. لكن أقواها هي لائحة الرئيس سعد الحريري التي يتوقع المحللون أن تحظى بغالبية المقاعد.

وأما بيروت الأولى، فتتنافس لائحة تجمع الوزير ميشال فرعون والقوات اللبنانية والكتائب مع لائحة التيار الوطني الحر. ويعتقد كثيرون أن الدائرة ستحافظ على أرجحيتها لقوى 14 آذار.

وأما في المتن، فتتعدد اللوائح المتنافسة، بعدما تعذر قيام تحالفات بين التيار الوطني الحر والكتائب والقوات والنائب ميشال المرّ، فأعلن كل طرفٍ لائحته. وينضوي في لائحة التيار الحزب القومي والطاشناق الأرمني، فيما تحالف حزب الرامغفار الأرمني مع القوات. وتشكو أوساط المرّ من تجاوزات وسوء استخدام للسلطة في المعركة.

وفي بعبدا، أربع لوائح ستتنافس على مقاعدها الستة: لائحة الثنائي الشيعي مع التيار الوطني الحرّ والوزير طلال ارسلان، وتحالف القوات اللبنانية مع الحزب التقدمي الاشتراكي، ولائحة كلنا وطني عن قوى المجتمع المدني وهي مكتملة، وأخرى تضم مجموعة ناشطين مدنيين يتحالفون مع حزبي الكتائب والوطنيين الأحرار بوصفهما حالة اعتراضية.

وأما دائرة الشوف وعاليه فقد شهدت تحالفاً بين القوات والحزب التقدمي الاشتراكي والمستقبل، في مواجهة لوائح التيار والوزير طلال أرسلان والوزير السابق وئام وهاب.

زحلة الميزان

وفي زحلة، حيث كان المستقبل العمود الفقري للائحة 14 آذار عام 2009، هو يتحالف اليوم مع التيار الوطني الحرّ الذي لم يتحالف مع قوى 8 آذار. وانطلاقاً من هذه المعطيات الجديدة، ترى المصادر ان خلط الاوراق في التحالفات لن يغير كثيراً في طبيعة النتائج المتوقعة باستثناء احتمال ضئيل، وهو تمكن هذه اللائحة او تلك من رفع الكسور في الحاصل الانتخابي مما قد يمكنها الفوز بمقعد اضافي، خاصة ان كل الاطراف الاساسية المنضوية في اللوائح الاربع الكبرى، اي لائحة نقولا فتوش، الثنائي الشيعي، لائحة القوات والكتائب لائحة المستقبل والتيار الوطني الحر، ولائحة الكتلة الشعبية برئاسة ميريام سكاف يستطيع كل منها الوصول الى الحاصل الانتخابي الذي يمكنه من الفوز بمقعد واحد على الاقل ما يعني ان المعركة الفعلية ستكون على ما بين مقعدين وثلاثة مقاعد على ابعد تقدير.

وأما في البقاع الغربي فأعلنت لائحة المستقبل للبقاع الغربي وراشيا بالتحالف مع الحزب التقدمي الاشتراكي وهي تضم 6 أعضاء: سنّيان ودرزي وشيعي وماروني وأرثوذكسي. فيما المعركة في مرجعيون - حاصبيا واقعة بين التحالف الشيعي من جهة والتيار الوطني الحر من جهة ثانية.

رمزية صيدا - جزين

ويطمح تحالف أمل وحزب الله، في الدوائر ذات الغالبية الشيعية، في الجنوب إلى تكريس انتصاره من دون خروقات. وأما صيدا - جزين فتبدو أنها واحدة من المعارك الأكثر رمزية. فقد سارع الثنائي الشيعي إلى تبني ترشيح أسامة سعد في صيدا وابراهيم عازار في جزين، ما جعل المستقبل والوطني الحر أمام خيار صعب لأن عليهما التفاهم على 3 مقاعد باقية. وفي المفاوضات بينهما لتشكيل لائحة مشتركة، وقع خلاف على المقعد الكاثوليكي في جزين، فافترقا.

وشكلت النائبة بهية الحريري لائحتها. وأما التيار الوطني الحرّ فاختار التحالف مع الجماعة الإسلامية. ويتحدث المتابعون عن مقايضة جرت بين التيار والجماعة تشمل دوائر عدة، ومنها الشوف - عاليه. واضطرت القوات والكتائب إلى التحالف في جزين.

إذا فاز التيار بالمقعد سيكون الحريري قد ابتعد عن جزين. ولكن، إذا خسر التيار المقعد أمام الحريري فسيكون عملياً قد خسر جزين وتساوى فيها مع الآخرين. فنواب جزين سيتوزّعون- عندئذٍ - ثلاثياً على ثلاثي السلطة: ماروني لعون، ماروني آخر لبري، وكاثوليكي للحريري. وهذه تركيبة مثيرة فعلاً ولا مثيل لها في أية دائرة أخرى!

العلّة المسيحية أين!

يمكن هنا التوقف عند مسألة التمثيل المسيحي التي رفع القادة المسيحيون لواءها كمبرر لرفض قانون 1960. فهذا القانون كان بالنسبة إليهم قانون المحادل والبوسطات الذي لم يسمح بانتخاب أكثر من 30 أو 33 نائباً بأصوات المسيحيين. ولكن، في ظل القانون الحالي، هل سيتأكد أن الحقّ على قانون ال60 فقط، أم إن العلّة أولاً هي في قادة المسيحيين أنفسهم؟

عندما تمّ التوافق في الدوحة، العام 2008، على العودة إلى قانون 1960، اعتبر المسيحيون أنهم حققوا انتصاراً نسبياً. فهم كانوا خارجين من انتخابات 2005 التي تمّت بقانون غازي كنعان، والذي جرى تدشينه في انتخابات 2000.

اعتبر المسيحيون، مع خروج السوريين من لبنان، أن قانون 1960 يشكل أفضل الممكن، وهو محطة مرحلية في الطريق إلى قانون أفضل يقوم إما على النسبية وإما الدائرة الفردية. ولم يكن هناك اختلاف مهمّ بين القوى المسيحية في النظر إلى قانون الانتخاب، كما إلى معظم المسائل المتعلقة باستعادة الحضور المسيحي في الحكم.

أساساً، كان الرئيس نبيه بري وحزب الله سبّاقَين إلى إعلان الرغبة في تغيير القانون أيضاً، نحو نسبية كاملة. وأطلق رئيس المجلس وعداً بأن تكون انتخابات 2009 هي انتخابات الوداع لقانون ال60 الأكثري.

استغرقت ورشة البحث عن قانون 9 سنوات و3 تمديدات للمجلس. وخلال معظمها، كان الملف نائماً في الأدراج. وفي ربع الساعة الأخير، قبل انتهاء المهلة الممدّدة للمجلس، في أيار 2017، جرى تمرير القانون الحالي مسلوقاً، لئلا يقع الفراغ. ورضخ الجميع لأولوية إنجاز قانون من دون دراسة متأنية.

كان العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع في شهر عسل المصالحة. وراهن المسيحيون على أن هذه المصالحة ستحقِّق لهم المعجزات، أي أنها ستعيد التوازن الذي اختلّ بسبب قوانين الانتخاب الظالمة في العهد السوري، وبسبب اتفاق الطائف وعدم تطبيق بعض بنوده وسوء تطبيق أخرى.

في مجلس 2009، ليس هناك أكثر من 30 نائباً مسيحياً أو 35 كحدٍّ أقصى، بأصوات مسيحيين، أي نحو ٥٠% من عدد النواب المسيحيين. وعندما جرى ابتكار قانون اللقاء الأرثوذكسي، الذي يؤدي إلى انتخاب كل طائفة لنوابها، جرى إسقاطه. وتبيَّن أنه طُرِح أساساً من باب المناورة السياسية.

ما أن ولِد القانون الحالي، النسبي - التفضيلي، حتى كاد الوزير جبران باسيل يتنصّل منه. فقد تخوَّف من أفخاخ كامنة فيه، وسارع في اللحظة الأولى إلى القول بضرورة إجراء تعديلات جذرية وسطحية عليه قبل وضعه موضع التنفيذ في أيار 2018. لكن الرئيس بري أقفل باب التعديلات جذرياً. وربما يكون الخلاف بين الرابية وعين التينة حول القانون هو أساس الأحقاد المتفجرة بين الطرفين.

قانون المخدوعين

القانون الحالي يمكن وصفه بأنه قانون المخدوعين. فباسيل كان يعتقد أن المكاسب التي سيحققها له أي قانون بديل لل60 ستزيد من كتلته النيابية وتمنح العهد قوة داخل السلطة التشريعية. وكذلك، اعتقد جعجع أن القوات ستتمكن من خرق دوائر لم تكن متاحة لها في قانون المحادل.

التقديرات الأولية كانت تستخلص أن القانون الحالي قادر على إيصال نحو 56 نائباً بأصوات الناخبين المسيحيين، من أصل 64. وتعتبر القوى المسيحية أن هذا التحسُّن في التمثيل مقبول، وأن القانون مفتوح على التحسين أكثر في الجولات الانتخابية المقبلة.

نظرياً، ووفق الأرقام، يمكن للقوى المسيحية أن تحقق النتائج الآتية في الدوائر ال15، إذا ما توحّدت اتجاهاتها الانتخابية على غرار الثنائي الشيعي:
دائرة الأشرفية 7، بيروت الثانية 2، المتن 7، كسروان- جبيل 7، الشوف وعاليه 6، بعبدا 4، البترون- الكورة- زغرتا- بشري 9، طرابلس- المنية- الضنية 1، عكار 2، بعلبك الهرمل 2، زحلة 4، البقاع الغربي- راشيا 1، صيدا- جزين 2، صور- الزهراني 1، مرجعيون- حاصبيا- النبطية- بنت جبيل 1.
ولكن، واقعياً، يقول بعض خبراء الانتخابات، لا توحي الوقائع والأرقام بأن القوى المسيحية سيتاح لها تحصيل هذا العدد من النواب. وفي حقيقة الأمر، أدرك الجميع أن القانون الذي انتظر المسيحيون إنجازه طوال سنوات، واستبشروا به بعد وصول الرئيس ميشال عون إلى الحكم، لن يقدّم الخدمة المطلوبة لتحسن التمثيل المسيحي بالقدر المطلوب.
وينتاب القوى المسيحية خوف من أن ينتهي الأمر بنتيجة مخيِّبة، ما يستدعي طرح السؤال: هل كان مناسباً خوض هذه المعركة الشعواء من أجل تحسين التمثيل المسيحي في المجلس، فيما القوى الرافعة شعار الحقوق المسيحية ليست مستعدة لأية تضحية في هذا السبيل؟
قد يكتشف المسيحيون أن سبب ضعف تمثيلهم في المجلس لا يعود فقط إلى القانون، بل أيضاً إلى الصراعات السياسية المسيحية، تماماً كما اكتشفوا أن سبب تراجع حضورهم في السلطة لا يعود فقط إلى الوصاية السورية، بل أيضاً إلى الصراع الطائفي الداخلي على السلطة.
والمراجعة الواقعية لما يمكن أن يحققه المسيحيون في كل من الدوائر ال15توحي بأن عدد النواب الذين سيصلون إلى المجلس بأصوات مسيحية أقل من العدد المأمول به. والتحالفات التي يجري طبخها هي التي ستحدد النِسَب النهائية، ما سيعيد طرح التساؤلات:
كيف سيبرّر التيار هبوط حجم كتلته في المجلس النيابي، بعدما كانت الأكبر مسيحياً، وكيف يتقبَّل في هذه الحال مقولة أن القانون الحالي أفضل تمثيلاً للمسيحيين من قانون ال60؟ وهل تطمئنُّ القوى المسيحية الأخرى، الحزبية والسياسية والمناطقية، إلى أوضاعها، في ظل الحرب الضروس التي يخوضها المسيحيون مجدداً، بعضهم في مواجهة بعض؟
قد يستنتج المسيحيون أن السبب الأساسي لتراجع حضورهم في السلطة التشريعية، وتالياً التنفيذية، هو ركوب زعمائهم قطار المصالح المتعاكسة. وما يقال عن المسيحيين ينطبق أيضاً على السنّة بمقدار أدنى، وكذلك على الدروز، لولا شبكة الحماية التي تمكّن النائب وليد جنبلاط من تركيبها لزعامته.
فحتى قانون ال60 لم يمكن سيّئاً إلى هذا الحدّ، لو اتبع المسيحيون نموذج التضامن الانتخابي الذي يعتمده الثنائي الشيعي، أي على طريقة أنصر أخاك ظالماً كان او مظلوماً، وهي طريقة لا تلقى الاستحسان إجمالاً، لكنها واقعية وناجعة في نظام الطوائف المتنازعة.
وبناء عليه، سيكون المجلس المقبل قائماً على: سيطرة شيعية، تماسك درزي، وتشرذم سنّي ومسيحي.

صراع الغرباء
وبرزت ظاهرة قديمة - متجددة خلال التحضيرات الانتخابية: هناك مقاعد نيابية في بعض الدوائر خرجت تماماً من أيدي المرشحين من أبنائها وبات محسوماً أنها ستكون لمرشحين وافدين إليها من دوائر أخرى. فهل يجب أن يسمح قانون الانتخاب بأن يكون النائب عن دائرة معيَّنة، من خارج هذه الدائرة؟
فالعميد شامل روكز يقود لائحة التيار الوطني الحرّ في كسروان، وهو من البترون. لكن التيار، في الوقت عينه، عاتِبٌ على حليفه الشيعي حزب الله لأنه جاء بمرشح شيعي في جبيل من الهرمل. وإذ يخوض التيار حملة شعواء لإقناع الناخبين في كسروان - جبيل بعدم التصويت لالغْريب، يردّ حزب الله بالتذكير بأن آل زعيتر نزحوا من أفقا الجبيلية إلى الهرمل!
إذاً، هناك تناقض في موقف التيار من هذه المسألة. وربما يعتقد العونيون أن الدائرة ذات غالبية مارونية، وأنها الدائرة التي منها جاء رئيس الجمهورية، وأن على الحليف أن يراعي خصوصيات حليفه. لكن ما لا يستطيع التيار تبريره هو: لماذا لا تكون لائحته بقيادة ماروني من كسروان أو جبيل؟
وفي أي حال، الرئيس عون نفسه لم يكن من هذه الدائرة، بل جاء إليها من قضاء بعبدا. فهل يحقّ لمرشح التيار الآتي من البترون أن يعترض على سواه؟
في هذه المسألة، لا أحد أفضل من أحد. فعلى المستوى الشيعي أيضاً، رشّحت حركة أمل محمد نصرالله عن دائرة البقاع الغربي - راشيا، وهو من السكسكية، قضاء الزهراني. كما أن المقعد الشيعي في زحلة، عن تيار المستقبل يشغله اليوم النائب عقاب صقر، وهو من الشياح.
كما دعمت القوى السياسية مرشحين عن المقعد الكاثوليكي في جزين، من خارج قضاء جزين. وأساساً بقي يشغل المقعد الكاثوليكي في جزين، لعقود طويلة، قبل الطائف، نواب من خارج القضاء كانوا لا يجدون مكاناً لهم في دوائرهم أحياناً.
وكذلك، في دائرة طرابلس، لم يشغل المقعد الماروني منذ العام 1992 أي من أبناء المدينة. فعلى التوالي، كان النواب جان عبيد قضاء زغرتا - الزاوية، الياس عطاالله قضاء الشوف وسامر سعادة قضاء البترون.
واليوم، لم يتمكن أي من المرشحين الموارنة الطرابلسيين، من دخول المعركة. وترشَّح عن هذا المقعد:
جان عبيد من علما، زغرتا على لائحة الرئيس نجيب ميقاتي، جورج بكاسيني من البترون على لائحة الرئيس سعد الحريري، حليم الزعني من البترون أيضاً على لائحة الوزير السابق أشرف ريفي، أنطوان خليفة من عمشيت- جبيل على لائحة النائب مصباح الأحدب وكارلوس نفاع من عكار على لائحة حزب سبعة.
وأما في بيروت الثانية، فالمرشح عن المقعد الدرزي في لائحة المستقبل ليس من دروز العاصمة، بل هو فيصل الصايغ ابن صوفر- قضاء عاليه، وبالتنسيق مع النائب وليد جنبلاط. وحسناً فعل الرئيس الشهيد رفيق الحريري بنقل قيوده إلى العاصمة، ليتمكن من قيادة لوائحها الانتخابية، وكذلك نجله الرئيس سعد الحريري من بعده.
في الملاحظة، يتبيّن أن القوى السياسية النافذة تتسابق على احتلال المقاعد المستضعفة في بعض الدوائر، إما لتوسيع كتلها النيابية، وإما لأن المقاعد المستهدفة لها رمزيات سياسية معينة.
وبالتأكيد، لو لم يكن أركان السلطة مستفيدين من ظاهرة المرشحين من خارج الدائرة، لانفجرت الأزمة في ظل قوانين الانتخاب السابقة. لكن هؤلاء يريدون أن يحتفظوا لأنفسهم بمقاعد نيابية في العديد من الدوائر، ليتقاسموها وفقاً للحاجات والمصالح.
في النصّ، لا يمنع الدستور أن يترشَّح مواطنٌ خارج الدائرة الانتخابية التي وُلِد فيها أو تلك التي يسجِّل فيها قيوده الشخصية. لكن روح الدستور تمنع ذلك بوضوح.
فقد نصت المادة 24على أن المقاعد النيابية توزَّع بين بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، ونسبياً بين طوائف كل الفئتين، ولكن أيضاً نسبياً بين المناطق التي لها خصوصياتها، ويحقّ لمكوّناتها أن تشارك في الحياة السياسية والقرار الوطني والتشريع في شكلٍ متساوٍ.
بالنسبة إلى انتخابات 6 أيار, فات القطار. فالمرشحون تقدّموا بترشيحاتهم رسمياً في دوائر محددة وجرى تسجيل اللوائح. واليوم، باتت المطالبة عبثية بالتزام روح الدستور لجهة مراعاة خصوصية الدوائر وحصر الاقتراع بالمرشحين من أبنائها.
والمرشحون المنبثقون من بيئاتهم الاجتماعية في طربلس وكسروان وجبيل وسائر الدوائر، والذين خذلتهم هذه الثغرة في قانون الانتخاب، عليهم انتظار فرصة أخرى، علماً أن هذا الخلل كان موجوداً في قانون 1960 أيضاً، ولم يتم إصلاحه في القانون النسبي- التفضيلي.
ويقول باحثون حقوقيون معنيون بالملف الانتخابي: أساساً، هناك ثغرات كثيرة تعتري قانون الانتخابات الحالي، ولا بدّ من معالجتها في ورشة يجدر إطلاقها بعد 6 أيار مباشرة، لتكون هناك فرصة أربع سنوات، لعلها تكفي الطاقم السياسي لإنتاج قانون انتخابات غير مسلوق وأكثر عدالة.
ومن أبرز الثغرات التي تجدر معالجتها حصر عمليات الترشُّح، تماماً كما عمليات الاقتراع، في الدوائر التي يُسجِّل فيها المرشَّح قيوده الشخصية، وأن يكون قد مضت على هذا التسجيل مدة كافية، بحيث لا يكون مفتعلاً ولأهداف انتخابية.
وهذا التعديل سيكون من المؤشرات إلى جدّية ذوي السلطة في إنتاج قانون انتخاب إصلاحي ويتوخّى صحّة التمثيل وعدالته. ولكن، يقول المطلعون: بعد التجارب المريرة... الأمل بالله وحده!

 

صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment