السيد المسيح في ذاكرة لبنان أيام الفصح

04/01/2018 - 18:24 PM

 

بقلم: محمد زريق

إنَّ أروع صور الحرية، والقيامة الأولى هى صورة إنسان غلب ذاته وشهواته، وانطلقت روحه فى قوة القيامة .. فى ملء الحرية تحلق فى أجواء السماء.. وهى ما زالت تعيش فى الجسد.

من تحت أرزة لبنان العتيقة، التي عمرها من عمر البشرية، ومن الأرض المجبولة برائحة الأنبياء والقديسين، نرفع أيدينا إلى السماء ليبارك الرب هذا اليوم، هو يوم عيد الفصح أو عيد القيامة، إنهُ من أجمل الأعياد لأنَّ لرمزيته مكانة خاصة لدى كل مؤمن يُقَدر معنى الإيمان الذي به ننتصر.

إنَّ السيد المسيح هو فكرة، ومن فَهِمَ هذه الفكرة فقد فهم الحياة؛ لم يكن السيد المسيح غنياً بالمال ولكنه كانَ غنياً بالفكر وبنور الإيمان، وجاءَ ليعلمنا معنى الأمل الذي سيشرق على كل مؤمن من بعد أوقات الظلم والظلام؛ وما الألم إلا فرح في عقيدة السيد المسيح لأنَّ آلامه هي آلامنا التي حملها ليرشدنا إلى الصواب وإلى المكان الذي يحب ويرضى.

إنَّ الشجرة المثمرة تراشق بالحجارة، فقد اعتبر اليهود السيد المسيح أخطر رجل في عصره، ولهذا فقد شاق الألم والعذاب على درب الخلاص والإيمان، وقد قال المسيح: "يا ابنتي العزيزة اطلب منك أن تُعلمي الكثير من النفوس عن أوجاعي وآلامي الخمسة عشر السرية ليتأملوها ويكرّموها وفي يوم الدينونة الاخير اعطي السعادة الابدية إلى الذين بحب وتأمل يقدمون إليّ كل يوم، واحدة من الآمي وتالين بخشوع الصلاة".

إنَّ العالم أجمع يذكر آلام السيد المسيح ويقدم الصلوات في يوم قيامته إلا لبنان، فمنذ متى فارق المسيح لبنان حتى يذكره وطنه في المناسبات؟

لشدّة عظمة لبنان وقدسيته فقد ورد ذكره في أسفار الكتاب المقدس نحو 70 مرة، والأرز 75 مرة، ومدينة صور 59 مرة، وصيدا 50 مرة. وورد ذكر نحو 35 مدينة وقرية لبنانية، مثل: صور، وصيدا، وجبيل، والصرفند، وأفقا، ويارون، وعنجر، وقانا. وتحدث الكتاب المقدس عن أحد عشر شخصية لبنانية من أشهرها حيرام ملك صور، وأثبعل ملك صور أيضاً وابنته ايزابيل، ومهندس هيكل سليمان حورام-أبي، وآساف حارس غابة لبنان، وهدد عزر ملك سهل البقاع ورئيس جيشه رزون بن أليداع. وتحدث الكتاب المقدس عن لبنان من ضمن واقع الأحداث التاريخية التي مرّت على هذه المنطقة في نحو ألفية ونصف، بين الأعوام 1300 ق. م. و 100 ب. م.

يسوع المسيح الخالد في وجدان هذا الوطن، وعرس قانا الجليل يشهد على عظمته؛ أما أرز لبنان أو أرز الرب فكان ذخراً لبناء هيكل سليمان، ففي السنة الرابعة من بدء حكم الملك سليمان بدأ العمل العظيم في بناء هيكل أورشليم، واكتشف سليمان أنه يحتاج إلى مزيد من الأخشاب لبناء بيت الرب، أكثر من تلك الأخشاب التي جهزها داوود أبوه، ولذلك أرسل إلى ملك صور يقول له: "أَنْتَ تَعْلَمُ دَاوُدَ أَبِي أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَبْنِيَ بَيْتاً لاِسْمِ الرَّبِّ إِلهِهِ بِسَبَبِ الْحُرُوبِ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهِ، حَتَّى جَعَلَهُمُ الرَّبُّ تَحْتَ بَطْنِ قَدَمَيْهِ. وَالْآنَ فَقَدْ أَرَاحَنِيَ الرَّبُّ إِلهِي مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ فَلَا يُوجَدُ خَصْمٌ وَلَا حَادِثَةُ شَرٍّ. وَهَئَنَذَا قَائِلٌ عَلَى بِنَاءِ بَيْتٍ لاِسْمِ الرَّبِّ إِلهِي كَمَا قَالَ الرَّبُّ لِدَاوُدَ أَبِي: إِنَّ ابْنَكَ الَّذِي أَجْعَلُهُ مَكَانَكَ عَلَى كُرْسِيِّكَ هُوَ يَبْنِي الْبَيْتَ لاِسْمِي. وَالْآنَ فَأْمُرْ أَنْ يَقْطَعُوا لِي أَرْزاً مِنْ لُبْنَانَ وَيَكُونُ عَبِيدِي مَعَ عَبِيدِكَ، وَأُجْرَةُ عَبِيدِكَ أُعْطِيكَ إِيَّاهَا حَسَبَ كُلِّ مَا تَقُولُ، لِأَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَنَا أَحَدٌ يَعْرِفُ قَطْعَ الْخَشَبِ مِثْلَ الصَّيْدُونِيِّينَ" (1ملوك 5:3-6). وفرح الملك حيرام فرحاً كثيراً بذلك، وأرسل لسليمان يقول: "مُبَارَكٌ الْيَوْمَ الرَّبُّ الَّذِي أَعْطَى دَاوُدَ ابْناً حَكِيماً عَلَى هذَا الشَّعْبِ الْكَثِيرِ". وَأَرْسَلَ حِيرَامُ إِلَى سُلَيْمَانَ قَائِلاً: "قَدْ سَمِعْتُ مَا أَرْسَلْتَ بِهِ إِلَيَّ. أَنَا أَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِكَ فِي خَشَبِ الْأَرْزِ وَخَشَبِ السَّرْوِ. عَبِيدِي يُنْزِلُونَ ذلِكَ مِنْ لُبْنَانَ إِلَى الْبَحْرِ، وَأَنَا أَجْعَلُهُ أَرْمَاثاً فِي الْبَحْرِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تُعَرِّفُنِي عَنْهُ وَأَفُكُّهُ هُنَاكَ، وَأَنْتَ تَحْمِلُهُ وَتَعْمَلُ مَرْضَاتِي بِإِعْطَائِكَ طَعَاماً لِبَيْتِي" فكان حيرام يعطي الملك سليمان خشب أرز وخشب سرو. وأعطى سليمان حيرام الكثير من الحنطة والزيت مقابل الأخشاب التي حصل عليها (1ملوك 5:7-12).

هكذا كان لبنان أرض مجد منذ القدم، أرض باركها الرب وأنزَلَ عليها القديسين والأنبياء، هذه الأرض التي أحبَّها يسوع المسيح ووجد فيها ملاذه الآمن الذي يشبهه، ومن أرض القداسة هذه نرفع الصلوات ليكون هذا الفصح مجيداً علينا وعلى العالم أجمع.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment