ليبرمان يدفع لبنان الى اتخاذ القرار الأصعب... أيهما الأسهل: المواجهة أم وقف أعمال التنقيب؟

02/16/2018 - 01:43 AM

 

 

خاص بيروت تايمز - بقلم ميشلين أبي سلوم*   

        

قد لا يكون هناك وقت لدى بعض المعنيين في لبنان، المنشغلين بالصراعات والتجاذبات الداخلية الصغيرة، للتفكير بحجم المخاطر التي تلوح من خلال تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان للبنان، على خلفية استثماره مخزون البلوك النفطي الرقم 9. فإسرائيل تلعب ظاهرياً في ملف النفط، لكنها في العمق تلعب على كثير من الحبال اللبنانية. وإذا نفّّذ الإسرائيليون تهديداتهم بمنع لبنان من استثمار ثروته النفطية في هذه المنطقة، فإن أبعاد المواجهة لن تكون اقتصادية فحسب، بل سياسية أيضاً، داخلياً وخارجياً.

خطورة تهديد ليبرمان تكمن خصوصاً في أنه جاء عشية 9 شباط، الموعد المقرر لتوقيع عقود النفط مع الكونسورتيوم العالمي توتال الفرنسية وإيني الإيطالية ونوفاتك الروسية في شأن التنقيب. لذلك، فإن هذه الشركات تلقت تهديداً واضحاً بأنها ستكون في وضع صعب إذا أقدمت على توقيع اتفاقية التنقيب مع لبنان.

وقد وصف ليبرمان المزايدة اللبنانية للتنقيب عن النفط في هذه المنطقة بأنها إستفزازية جداً، ودعا الشركات إلى عدم تقديم عروضها، لأنّ البلوك 9 هو مُلكٌ لإسرائيل بكل المقاييس. والشركات المحترمة ترتكب خطأ فادحاً لأنها تخالف كل القواعد والبروتوكولات في الحالات المماثلة.

وقال ليبرمان في المؤتمر الدولي السنوي الحادي عشر عدو أم شريك الذي عقده معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب،: لبنان كله سيدفع ثمن تمدد إيران في حال اندلاع حرب، معتبراً ان حزب الله ضحّى بمصالح لبنان القومية بخضوعه كاملاً لإيران، لذا فإن البلاد كلها ستكون هدفاً مشروعاً في أية حرب مقبلة.

وهكذا فقد أرسل ليبرمان إشارة ابتزاز إلى الشركات العالمية التي عليها أن تنطلق في عملية التنقيب عن النفط والغاز في البلوكين 4 شمال بيروت و9 يحاذي الحدود مع إسرائيل. وثمة تداعيات كثيرة وخطيرة قد يتسبب بها موقف ليبرمان، إذا نفَّذ تهديداته، ولن يكون ملف النفط والغاز سوى جزء منها. ولذلك، لا بدّ من أن يخطط لبنان لمواجهة التداعيات بكثير من الرويّة والحكمة، وبطريقة واقعية وعملانية. فالردود الحازمة التي يطلقها المسؤولون اللبنانيون على إسرائيل ممتازة، لكنها لا تكفي.

تزامن موقف ليبرمان مع قيام جرافة إسرائيلية بتغيير نقطة الحدود في الناقورة. وهذا التغيير، وفق خبراء، يرتدي أهمية كبيرة لأنه يؤدي إلى اختلافات كبيرة في تثبيت نقاط أخرى في البحر المقابل.

استدراج إلى الأصعب

وتقارب مساحة البلوكات ال10 التي يريد لبنان التنقيب فيها 22 ألف كيلومتراً مربعاً. والمنطقة التي تطمع بها إسرائيل تقارب 865 كيلومتراً، موزّعة على البلوكات الثلاثة 8 في الدرجة الأولى و9 في الدرجة الثانية و10. لكن ليبرمان أعلن أن الحقل 9 يقصد أنه بكامله ليس ملكاً للبنان.

وقد يكون معنى ذلك محاولة استدراج لبنان إلى التفاوض حول البلوكات النفطية الجنوبية الثلاثة، لتحديد الخط الأزرق البحري على غرار الخط البرّي. واستدراج لبنان إلى مفاوضات ينطوي على مخاطر كبيرة في هذه الظروف التي تتحرّك فيها ملفات التفاوض والتطبيع بين إسرائيل والعديد من القوى العربية، بدءاً بالملف الفلسطيني وانتهاء بقوى أخرى ليست مجاورة لإسرائيل. فلبنان ليس مؤهلاً في ظل الظروف الراهنة، لفتح باب التفاوض مع إسرائيل، لأن لها مستلزمات معقدة ولبنان ليس جاهزاً لها.

وسبق أن قام الأميركيون بوساطة شملت إسرائيل ودولاً أخرى في المنطقة حول الملف النفطي في حوض المتوسط. وقد نقلوا إلى لبنان، عبر المنسّق الخاص فريدريك هوف، تطمينات إلى أن في إمكانه استثمار نفطه من البحر. وفي هذه الأثناء، كانت إسرائيل قد باشرت استثمار الحقول المحاذية للحدود اللبنانية، من دون انتظار إشارة من أحد، وسط شبهات بسرقة النفط اللبناني.

وعلى مدى سنوات، وفيما كان لبنان غارقاً في المناوشات بين أكَلة الجبنة تحضيراً لإطلاق ملفه النفطي، لم تَصدر عن إسرئيل أية إشارة توحي بأنها ستعطّل العملية اعتراضاً على ما تسميه خرق حدودها البحرية. وهذا يعني أن ليبرمان يرمي اليوم إلى تحقيق أحد هدفين، أو هدفين معاً:

اولا, ضرب انطلاقة لبنان النفطية وتعطيلها ومنعه من دخول النادي النفطي كمنافس لإسرائيل في الشرق الأوسط.

ثانيا, البدء بالمفاوضات حول الحدود البحرية مع لبنان، من أجل بلوغ هدف أبعد، أي التفاوض حول الملف السياسي. وهذا الهدف يصبح أكثر واقعية مع ظهور العديد من ملامح التسوية والتطبيعية بين إسرائيل وقوى عربية، بدعم أميركي.

لكن الأخطر في ما قاله ليبرمان هو إعلانه أن لبنان يعتدي على حدود إسرائيل البحرية وثروتها النفطية، وهذا يستتبع ردّاً عليه. أي أنه يهدّد بتكرار نموذج 2006 ونكباته التي لم يستطع لبنان أن يعوِّضها حتى اليوم. والحروب تبدأ عادةً بحوادث صغيرة.

ولا طاقة للبنان على تحمّل قيام إسرائيل بعدوان تموز جديد أو حتى بميني عدوان، وهو غارق في 80 مليار دولار من الديون، وينوء تحت أعباء النزوح السوري والفلسطيني، ويحاول فيه الحكم والحكومة الخروج من النفق بأية وسيلة. وقد لا تنتصر إسرائيل في عدوانها، لكن الخسائر اللاحقة بلبنان ستكون فادحة.

وفي ظل التهديد الذي أطلقه ليبرمان، هل تجرؤ الشركات الأجنبية التي خاطبها الوزير الإسرائيلي مباشرة، وحذّرها من ارتكاب الخطأ، أن توقّع عقودها مع الحكومة اللبنانية بعد أسبوع من اليوم وأن تباشر التنقيب؟

الأمن هو العامل الأهم لرجال الأعمال والشركات. ويصعب دفع شركات نفطية عالمية إلى وضع غير مستقر أمنياً، وسط نزاع حدودي بين لبنان وإسرائيل. ولا يمكن أن تغامر هذه الشركات بأمنها.

ربما يعني ذلك أن الملف النفطي في لبنان مهدّد بالعودة إلى النقطة الصفر، خصوصاً أن التلزيم يشمل البلوكين 4 و9 معاً، ولا يمكن العمل في أحدهما من دون الآخر. وسيكون على لبنان إما أن يتحدّى إسرائيل بالإصرار على التنقيب ولكن، بأية شركات؟ وإما أن يتفاوض معها لترسيم الحدود البحرية.

في حال التحدّي، قد يقع الصدام الذي يحاول لبنان أن يتجنبه. وستدخل المقاومة على الخط من الباب الواسع، وسيكون القرار 1701 قد سقط. وعندئذٍ، يجب التفكير في الكثير من المسائل، وأبرزها أن حزب الله سيعود إلى عنوان المقاومة بقوة وبلا تردّد.

ستؤدي المواجهة، إذا وقعت، إلى كارثة في لبنان، وإلى عملية خلط أوراق سياسية عنيفة في الداخل اللبناني. ولن يتمكن لبنان من تحمّل تبعاتها.

ومعلوم أن الحكومة اللبنانية أقرت في نهاية العام 2017 منح رخصتين للتنقيب عن النفط في البلوكين 4 و9 معاً لشركات توتال الفرنسية وإيني الإيطالية ونوفاتك الروسية:

- البلوك 4 بعمق يراوح بين 686و1845 متراً تحت سطح البحر مقابل المنطقة الشمالية لبيروت.

- بلوك 9 بعمق يراوح بين 1211و1909 أمتار تحت سطح البحر جنوباً قرب الحدود.

وتكمن أهمية البلوك رقم 9 في حجم المخزون المتوقع الذي يحتويه. كما أن تلزيمه يعني حماية الغاز في لبنان من أية قرصنة قد يتعرض لها من جانب اسرائيل. ويعود اكتشاف البلوك 9 إلى العام 2009 حين اكتشفت الشركة الأميركية نوبل للطاقة كميّة من احتياطي النفط والغاز في الحوض الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، تبلغ مساحته 83 ألف كلم مربع، منها 22 ألف تقع في المياه الاقليمية اللبنانية.

اتفاقات إسرائيل والأوروبيين

وأبرمت إسرائيل اتفاقاً مع إيطاليا واليونان وقبرص في العام 2017، لبناء خط غاز تحت الماء من الحقول المنتجة في شرق المتوسط إلى أوروبا. ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة هذاالخط 6 مليارات يورو.

ويرى الخبير النفطي ربيع ياغي ان لبنان كأية دولة تطل على شرقي البحر المتوسط يعاني من مشكلة في الحدود البحرية، لكن كل هذه الدول اي لبنان واسرائيل وفلسطين وغزة وسوريا وقبرص لديها منطقة اقتصادية خالصة في البحر، وتريد ممارسة سيادتها عليها. وقال: في العام 2007، رسم لبنان حدوده مع قبرص، ولكن كان هناك بعض الغموض بحيث لم يحدّد في هذه الاتفاقية نقاط البداية والنهاية للخط البحري الفاصل ما بين منطقتين اقتصاديتين خالصتين قبرص ولبنان. وهذا الغموض تُرك ولم يتم تثبيته في اية اتفاقية بين البلدين.

وفي العام 2010، تفاوضت قبرص مع اسرائيل وابرمتا اتفاقية نهائية بترسيم الحدود البحرية للخط الفاصل بينهما. وكان الاجدى بقبرص حينها ان تراجع لبنان، قبل توقيع الاتفاق مع اسرائيل، وذلك استناداً الى اتفاق سابق مع قبرص يوصي في هذا السياق بضرورة مراجعة لبنان في حال دخل طرف ثالث، لأن هذه الحدود مشتركة ما بين لبنان قبرص واسرائيل.

ولاحقاً ادعت اسرائيل ان الاتفاقية التي وقعتها مع قبرص تسمح لها بالتمدد شمالاً باتجاه جنوب لبنان في منطقة مثلث مساحته 865 كلم مربع وهو يشمل البلوكات 10، 9و 8.

إذاً، أيهما أسهل للبنان: المواجهة أم وقف أعمال التنقيب؟

الخياران صعبان ومكلفان جداً. وأما فتح باب التفاوض مع إسرائيل فغير مضمون النتائج... ولا العواقب. وبين البلوكات 8 و9 و10مثلث أطماع إسرائيلية، وعلى المسؤولين اللبنانيين أن ينزلوا من فضاء صراعاتهم وطموحاتهم وأطماعهم الصغيرة إلى اتفاقات إسرائيل والأوروبيين

وأبرمت إسرائيل اتفاقاً مع إيطاليا واليونان وقبرص في العام 2017، لبناء خط غاز تحت الماء من الحقول المنتجة في شرق المتوسط إلى أوروبا. ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة هذاالخط 6 مليارات يورو.

ويرى الخبير النفطي ربيع ياغي ان لبنان كأية دولة تطل على شرقي البحر المتوسط يعاني من مشكلة في الحدود البحرية، لكن كل هذه الدول اي لبنان واسرائيل وفلسطين وغزة وسوريا وقبرص لديها منطقة اقتصادية خالصة في البحر، وتريد ممارسة سيادتها عليها. وقال: في العام 2007، رسم لبنان حدوده مع قبرص، ولكن كان هناك بعض الغموض بحيث لم يحدّد في هذه الاتفاقية نقاط البداية والنهاية للخط البحري الفاصل ما بين منطقتين اقتصاديتين خالصتين قبرص ولبنان. وهذا الغموض تُرك ولم يتم تثبيته في اية اتفاقية بين البلدين.

وفي العام 2010، تفاوضت قبرص مع اسرائيل وابرمتا اتفاقية نهائية بترسيم الحدود البحرية للخط الفاصل بينهما. وكان الاجدى بقبرص حينها ان تراجع لبنان، قبل توقيع الاتفاق مع اسرائيل، وذلك استناداً الى اتفاق سابق مع قبرص يوصي في هذا السياق بضرورة مراجعة لبنان في حال دخل طرف ثالث، لأن هذه الحدود مشتركة ما بين لبنان قبرص واسرائيل.

ولاحقاً ادعت اسرائيل ان الاتفاقية التي وقعتها مع قبرص تسمح لها بالتمدد شمالاً باتجاه جنوب لبنان في منطقة مثلث مساحته 865 كلم مربع وهو يشمل البلوكات 10، 9و 8.

إذاً، أيهما أسهل للبنان: المواجهة أم وقف أعمال التنقيب؟

الخياران صعبان ومكلفان جداً. وأما فتح باب التفاوض مع إسرائيل فغير مضمون النتائج... ولا العواقب. وبين البلوكات 8 و9 و10مثلث أطماع إسرائيلية، وعلى المسؤولين اللبنانيين أن ينزلوا من فضاء صراعاتهم وطموحاتهم وأطماعهم الصغيرة إلى مثلث برمودا.

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment