بين الديموقراطية والفساد

01/31/2018 - 20:12 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

لا شك أن الديموقراطية هي النظام السياسي الأفضل في العالم. يسمح للمواطن بالتصرف بحرية في العمل والانتاج والاستهلاك كما في القيام بواجباته السياسية والاجتماعية والانسانية بأفضل طريقة ممكنة. الديموقراطية من دون ضوابط تنتج فسادا وسؤ توزع في الدخل كما تشير اليه كل التجارب القائمة عالميا. الديموقراطية من دون ضوابط تنتج أزمات وفوضى وغضب شعبي كما دلت عليه التجارب الأوروبية مؤخرا والتجارب الأخرى الناشئة سابقا. الديموقراطية من دون أسواق تنافسية حرة لا تعط نتائج فضلى اذ أن الحرية متكاملة ولا تجزأ. الديموقراطية الجيدة تحتوي داخلها على آليات لمحاربة الفساد والفاسدين. ليس هنالك ديموقراطية مثالية انما نظام يبنى على القوانين العادلة العصرية ضمن مؤسسات تعتمد على التأييد الشعبي ونابعة من الثقافات والتقاليد والتاريخ.

قيادات سياسية اعطت آمالا مغلوطة

لا شك أن السياسة هي من أقدم المهن لكن ممارستها لم تكن دائما فضلى بل استغلت في العديد من الأحيان بساطة الشعوب وربما ثقتهم، فلم تعطهم النتائج الفضلى. اختارت الشعوب أحيانا قيادات سياسية اعطتهم آمالا مغلوطة بل غشتهم وبالغت في اعطائهم وعودا كاذبة وغير واقعية. تختار الشعوب أحيانا عبر العاطفة وليس المنطق تماما كما يشتري المستثمر أحيانا أسهما في شركات بالغت اداراتها في اعطاء أرقام متفائلة عن حسن أو سؤ قصد. اختار الاميركيون مثلا "دونالد ترامب" رئيسا ليعيد القوة الى أميركا التي لم تفقدها أصلا. انتخب لأسباب عاطفية أي ربما انتقاما من نتائج اقتصادية واجتماعية لم تعجب قسما من المواطنين، علما انه خسر الصوت الشعبي بحوالي 3 ملايين شخص. المواطن كما المستثمر يخطئان أحيانا عندما يصدقان ما يعرض عليهما دون أن يقوما بتدقيق البرامج والأرقام والأهداف والتوقعات. تشير التجارب الى أن الشعوب تختار عموما الأقوى وليس الأكفاء والأصدق والأفضل، لأن اللعب على المشاعر ليس من اختصاص أصحاب السيرة الحسنة الممارسة عبر سنوات من الجهد والتعب والنضال. انتخاب الشعارات جيد، لكنه لا يؤدي الى النتائج الفضلى على الأرض.

قال الجنرال ديغول أن الأمبراطوريات لا تنبع فقط من الممارسات الفاضلة الخيرة، اذ لا بد من وجود ممارسات غير مرغوب بها تصل الى الأهداف المطلوبة. هل الأهداف الخيرة تبرر اعتماد الوسائل السيئة؟ طبعا لا في النظريات، لأن الأهداف الجيدة لا بد وأن ترتكز على وسائل فاضلة، والا لن تعطي نتائج فضلى على المدى البعيد. المشاريع الاستثمارية الجيدة لا يمكن أن تبنى على أموال مسروقة أو نابعة من الأسواق السوداء والا أضاعت جدواها وفقدت تأثيرها الايجابي قبل أن تبدأ بخدمة المجتمع. يجب أن تكون لنا شكوك تجاه من يسوق أفكار جيدة عبر طرق فاسدة ملتوية. الشكوك تكون تجاه هذه الأفكار التي تظهر جيدة لكنها حتما هي غير ذلك في الواقع والحقيقة.

"شطارة" و "قوة" و"هيبة"؟

للفساد معاني تختلف من مجتمع الى آخر. في بعض المجتمعات، الفساد "شطارة" و "قوة" و"هيبة" وهذا مضر بل مهين لتلك المجتمعات. الفساد يجب أن يكون عيبا يسبب محاسبة الفاسدين ضمن القوانين المعتمدة. هنالك أمور تعتبر فسادا في مجتمعات ومقبولة في أخرى، لذا يجب أن يكون الفساد موصوفا بشكل دقيق في كل المجتمعات والدول. تجري منظمة الشفافية الدولية تقييما لكل الدول حول فسادها وتنشره سنويا مما يعطي فكرة عن عمق الفساد وانتشاره في كل الدول. كذلك الأمر بالنسبة للديموقراطية، حيث لها أشكالها في كل الدول من برلمانية الى رئاسية وشعبية وغيرها معتمدة على مؤسسات وقوانين تعكس الثقافات والتاريخ والتقاليد. هنالك تأثير كبير للأديان على الدساتير والقوانين الأساسية وبالتالي تعتمد الدساتير على المفاهيم الدينية الاسلامية أو المسيحية أو غيرها من نواحي فصل الدين عن الدولة وقوانين العقاب والحقوق المختلفة كالأرث والبيع والشراء والعقود عموما. السؤال المهم الفاصل بين الأديان هو هل أن فصل دين عن دولة جيد لمحاربة الفساد أم العكس صحيح وهل أن الفساد يعدي وينتقل أم يبقى محصورا في السياسة والسياسيين فقط؟.

المخلين بالأنظمة والأخلاق؟

لا شك أن الجشع هو شر كبير بل أسواء الصفات ويحرك مشاعر الانسان سلبا نحو المزيد من المادة مهما كانت التكلفة والشروط. هنالك من يبيع مثلا 300 بطاقة لحضور حفلة تحتوي على 100 مقعد. هذا مثال بسيط لتصرفات يمكن أن تكون أخطر أي مثلا في قطاعي الصحة والتعليم. من يحاسب هؤلاء المخلين بالأنظمة والأخلاق وما هي قساوة العقوبات التي تردع من يفكر بالقيام بهذه الأعمال؟ من يقوم بأعمال التجسس عبر الهاتف أو التنصت في المؤتمرات هو فاسد خطير وان لم يكن وراءه ابتزاز مالي بل سياسي فقط. فضيحة "ووترغيت" في واشنطن أطاحت بالرئيس نيكسون في السبعينات وهنالك فضائح مختلفة كادت تطيح بالرئيس كلينتون. فكرة المحاسبة السياسية ضد الفساد أصبحت أقوى اليوم كما تشير اليه اقالة الرئيس موغابي مؤخرا في زيمبابوي وكما تشير اليه حالات عديدة مماثلة في كل القارات.

كيف يؤثر الفساد على الديموقراطية؟ المال هو عصب الانتخابات في الدول الديموقراطية، وبالتالي مصادر المال مهمة جدا أي يجب أن تكون شرعية والا ضربت النظام بأسره. الانتخابات تكون أسهل لمن له ثروة يستعملها لتمويل الانفاق وتسيير الحملة ودفع مصاريف المندوبين والعاملين. لا ندخل هنا عمليات شراء الأصوات في الانفاق، اذ تبقى غير شرعية في كل القوانين والمجتعات لكنها ما زالت تحصل في الدول النامية والناشئة خصوصا. هنالك شراء غير مباشر للأصوات عبر تنفيذ مشاريع معينة في مناطق مدروسة تؤثر على توجيه الأصوات نحو مرشحين معينين أو أحزاب أو تيارات مفضلة.

مجتمعات تحترم الانسان أكثر بكثير من غيرها؟

ليست هنالك مجتمعات مثالية انما هنالك مجتمعات تحترم الانسان أكثر بكثير من غيرها.

أولا: يبنى الفساد على قوانين سيئة وممارسات أسواء تنتج سؤ عدالة. مثلا في الولايات المتحدة يشكل أصحاب الملايين 3% من الشعب و 15% من المقترعين مما يدفع الدولة ومؤسساتها أكثر نحو تأمين مصالح الأغنياء. 1% من الأميركيين يمولون ثلثا تكاليف الحملات الانتخابية، مما يفسر تأثير قوى المال على المنتخبين وخطابهم على جميع المستويات. هذا النوع من "الفساد" هو شرعي لكنه يؤثر على واقع ومستقبل البلاد، وبالتالي معالجته ضرورية لادخال الطبقات الوسطى وما دون أكثر الى الواقع الانتخابي.

ثانيا: من المرشحين ال 21 في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، 18 كانوا من أصحاب الملايين أو ما يفوق ذلك. أكثريتهم لم تستعمل الثروة الشخصية لكن شبكات العلاقات التمويلية التي بحوزتهم تقوم بذلك وتوفر عليهم الكثير من الوقت والمال دون وضع شروط علنية بل ضمنية. التعديل الضرائبي الأخير يؤكد ذلك ويعطي أمثال الرئيس ترامب أفضليات كبرى تزيد ثرواتهم وتعزز دخلهم.

ثالثا: السياسيون يغتنون في معظم الدول بطرق شرعية وغير شرعية. الطرق غير الشرعية معروفة من سرقة أموال عامة الى ابتزاز المتمولين وأخذ حصة من المشاريع العامة وغيرها. هنالك طرق شرعية تسمح لهم بالاغتناء عبر تأسيس الشركات والقيام بالمحاضرات خاصة عندما يخرجون من الحكم. تشير العلومات الى أن الرئيس السابق أوباما حصل على 400 ألف يورو مقابل القاء محاضرة مهمة في باريس منذ أشهر. يقوم الرئس كلينتون وزوجته بهذه الأعمال منذ سنوات وقد حققوا ثروة مشتركة كبرى تقدر ب 110 مليون دولار وهم القادمون من عائلات غير ميسورة. طبعا يجب تشجيع السياسيين على المشاركة في نقل تجاربهم الى الأجيال الجديدة لكن ضمن تكلفة مقبولة، اذ هذا يبقى واجبا عليهم.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment