الانتخابات البرلمانية العراقية بين الولادة والموت

01/19/2018 - 19:19 PM

 

فهيم عبدالإله الشايع*

" تُعدّ الانتخابات بمثابة الولادة للعملية التشريعية، وذلك بتمثيل النائب لمنتخبيه مدة زمنية محددة، مثلها مثل الحياة التي يجب أن تنتهي بالموت، فهل ستصدق من يدعي أنه يستطيع تاجيل الموت أقصد الانتخابات؟".

يدور في رأسي كما يدور في كثير من رؤس العراقيين الحوار - والحديث والتصعيد والصراخ والتهديد والوعيد - عن امكانية تأجيل الانتخابات، وكما يخبرنا التاريخ وهو الأصدق حديثًا عن تلك المدن والدول والامبراطوريات التي لا تحترم قانونها، التي تستخدم كل وسائلها، فيما عدا القانون في حال اتفاق القوى الحاكمة فيما بينهم، أما عند الاختلاف وتضارب المصالح فلا يجدون إلا القانون في نهاية المطاف ليحكم بينهم، وأود أن أبتدي من حيث سينتهون في خلافاتهم محاولًا الإجابة عن بعض الأسئلة من وجهة نظر قانونية، والناطق بإسم القانون في هذه المسألة المحكمة الاتحادية العليا في جمهورية العراق، إذ تُعدّ أحكامها باتة.

هل وضَعَ المشرع العراقي آلية لتأجيل أو الغاء الانتخابات؟ أو وضَعَ آلية لسد النقص التشريعي في هذه المسألة؟ ما الجهة التي تملك تأجيل الانتخابات؟

يُعدّ من قبيل الحقوق الدستورية الانتخاب والترشيح، كذلك نجد أن المشرع العراقي عزز سمو مبادئ الدستور في المادة 13/2 من اعدام القيمة القانونية لتلك القوانين التي تصدر متعارضة مع المبادئ الدستورية الواردة في دستور عام 2005، وقد كان واضحٌ المشرع العراقي في شأن الانتخابات إذ لم يجز في المادة الثانية فقرة (ب) سن قوانين تتعارض مع مبادئ الديمقراطية، ولعل أهم مبادئ الديمقراطية أن تكون مؤقتة، أي لمدة محددة أربع أو خمس سنوات، كما تعارف عليها التشريع والفقه الدستوري، وإن كان قائل بأن تأجيل الانتخابات لا يخرجها من حيز التأقيت إلى التأبيد، فلا خلاف على هذا الكلام، إلا أن السادة المواطنين عندما ذهبوا ليختاروا من يمثلهم ليعمل في خدمتهم من النواب، كان تفويضهم هذا واختيارهم مؤقت لمدة أربع سنوات، وطيلة الأربع سنوات سيكون عمل النواب مشروع، أما بعد يوم من انتهاء الأربع سنوات سيكون غير دستوري، وتصرف النواب سيكون من وجهة قانونية، تصرف صادر من غير مالك، الذي يبقى موقوفًا على اجازة المالك.

سيدفع البعض بأن مجلس النواب يملك أصدار القوانين الاتحادية ضمن المدة التشريعية التي يترأسها، ولا خلاف في هذا الحديث، فمن ضمن الواجبات الملقاة على النواب في المادة(61) تشريع القوانين الاتحادية، إلا ان هذه الاطلاق – ونقصد به تشريع أي قانون اتحادي- مستثنى بأن لا تكون هذه القوانين متعارضة مع مبادئ الديمقراطية، لكن كيف يتعارض تأجيل الانتخابات مع مبادئ الديمقراطية.

في البداية: كنت قد أسلفت أن التفويض كان لمدة أربع سنوات، والاستمرار أكثر من أربع سنوات، يعدُ مخالفة واضحة لأحكام الدستور، إذ تشير المادة (56/ أولًا) من الدستور العراقي " تكون مدة الدورة الانتخابية لمجلس النواب أربع سنوات تقويمية تبدأ بأول جلسة له، وتنتهي بنهاية السنة الرابعة".

أما المخالفة الثانية: حرمان فئة من الشباب من أداء حقهم بالانتخاب لأول مرة إذ سيكون الشباب من عمر (18 إلى 21) يؤدون الانتخاب لأول مرة إذا ما تمت هذه الانتخابات في موعدها، وهو حرمان غير مبرر.

أما الثالثة: فمن المعروف على الصعيد القانوني مبدأ (فاقد الشيء لا يعطيه)، وعند نهاية الدورة الانتخابية يتحول النائب إلى شريحة السادة المواطنين، فلا يملك سوى صوته الذي لا يعادل إلا صوتًا واحدًا، عكس على ما يكون في الدورة الانتخابية يمثل صوته مائة ألف صوت مواطن عراقي، ولو قدر للنائب أن يملك هذا التمثيل خارج مدة الدورة الانتخابية لسمح له أن يجدد الانتخاب له بالوكالة عمن يمثلهم داخل مدة الدورة الانتخابية.

ونجد أن المحكمة الاتحادية العليا تختص بموجب الدستور والقانون المنظم لعملها بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، ويسمح المشرع للمحكمة أو الجهة الرسمية أو مدع ذي مصلحة لإقامة دعوى أمامها للطعن بدستورية القوانين أو الأنظمة، وسيكون على المحكمة تدقيق القانون المطعون في دستوريته، الذي دائمًا يأتي معه - ملحق – أسباب موجبة دعت لأصداره، إذ لا يكون أمام النواب - إذا ما استقر رأي أغلبيتهم على التأجيل – إلا ذكر أن هناك بعض المحافظات العراقية غير مستعدة لاجراء الانتخابات، وهي حجة تستدعي التأمل والتفكير، ويرى الكاتب أن هناك حلولًا يمكن أن تناقش لتجاوز هذا المسألة، إلا أن تأجيل الانتخابات، سيمثل المجازفة بالكل لأجل الجزء، كذلك سيُعدّ بمثابة الخروج من غطاء الشرعية، ويجعل التساوي يصيب جميع أعمال مؤسسات الدولة، بعدم وجود غطاء قانوني لتصرفاتها، فالتأجيل ليس طرح حتى نحتكم لدستوريته من عدمه، إذ يمثل وضع فوضوي سينقل العراقيين إلى عمق أبعد عن السطح المؤمل الوصول اليه.

فهمنا غير المكتمل لمبادئ الديمقراطية يجعلنا نسبح بعيدًا عن ثمارها، ومن يسبح بعيدًا لن يجني إلا التعب أو الغرق، والمفاجئات ستكون سيئة أكثر من كونها مجرد مفاجئات.

* محقق قضائي في العراق

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment