العجزان المالي والنقدي

05/08/2024 - 15:28 PM

اطلس للترجمة الغورية

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

 

في زمن التضخم القوي والأزمات المصرفية، يتكلم الجميع عن السياسة النقدية وكأنها الوحيدة التي يمكن أن تعالج مشكلة ارتفاع الأسعار والأزمات النقدية. حقيقة لم تكن لتحصل هذه الأزمات لو اهتمت الحكومات بسياساتها المالية من ناحيتي الانفاق والايرادات، وبالتالي منعت تفاقم العجز المالي المضر بالاستقرارين المالي والاجتماعي. هنالك دول عدة تحقق فائضا ماليا لكنها تنفقه على أمور ثانوية، أو بالأحرى يهدر ولا يؤدي الى بناء اقتصادات سليمة مستقرة.

ما جرى في الولايات المتحدة في السنوات القليلة السابقة يصلح دروسا لكل الحكومات. تضخم اليوم مختلف عن السابق اذ ينتج في قسم كبير منه عن الحرب الأوكرانية والكورونا وحرب غزة المحركة للشعوب والطلاب كما عن مشكلة سلاسل الامداد أي من العرض.

في الولايات المتحدة التي تعتبر نموذجا للاقتصاد الحر، تقوم دوريا صراعات سياسية حادة حول تطور العجز وضرورة ابقائه في حدود مقبولة أو سليمة. آخر مرة حققت الولايات المتحدة فائضا ماليا كان في 2001 ومنذ ذلك الحين، تقترض الحكومة سنويا حتى فاق مجموع استدانتها ال 32 ألف مليار دولار.

تصدر الحكومات الأميركية المتعاقبة سندات يستثمر بها المواطنون مما سبب مضاعفة هذا الاقراض أكثر من 4 مرات منذ 2001. مجموع قيمة سندات الخزينة التي يملكها الجمهور ارتفعت من 32% من الناتج المحلي الاجمالي الى 94%،

والحل المالي الواقعي غير متوافر. ستسدد الحكومة الأميركية 605 مليار دولار قيمة فوائد على ديونها، وهذه أموال كبيرة يمكن أن تقضي على الفقر ربما عالميا. أسواء السياسات المالية هي التي تنكر ديونها أو تلغيها من جانب واحد، وهذا في منتهى الغباء وعدم المسؤولية.

تراكمت الديون الأميركية خلال فترتين زمنيتين هما 2007 2009 أي خلال الأزمة المالية الكبرى وثانيا خلال فترة الكورونا وضرورة مواجهتها للتعافي الصحي. خلال الفترة الأولى، خفت ايرادات الدولة وهذا طبيعي في فترة شلل اقتصادي ونتيجة التغيرات الكبرى التي حصلت في أسواق العمل وضرورة تدخل الحكومة لتخفيف الأوجاع عن المواطنين.  في تلك الفترة اهتمت الحكومة الأميركية بتأمين الغطاء الاجتماعي المطلوب، وبالتالي ارتفع الانفاق الى حدود عالية.

أما في الفترة الثانية ودون أن ننسى أعداد الموتى المخيفة التي سببهتها الكورونا، رفعت الحكومة الأميركية المساعدات للعائلات وقطاع الأعمال كما للعاطلين عن العمل بالاضافة الى مساعدة كافة الحكومات والادارات المحلية. أما تأثير حرب غزة فسيظهر مع الوقت نتيجة تأثر المجتمع الأميركي بها كما بسبب بداية جو اعتراضي جديد سيقوى مع الوقت.

بين سنتي 1972 و 2021، أنفقت الحكومات الأميركية 20,8% من الناتج بينما لم تبلغ الايرادات الا 17,3% منه، أي عمليا عجز كبير. معدل نسبة الانفاق من الناتج في مجموعة الدول السبعة هي 50% أعلى من الشريك الأميركي، أي أن المشكلة عامة ودولية. أما تأثير ما ستنفقه الولايات المتحدة كمساعدات مرتبطة بأوكرانيا وغزة، فتأثيراتها ستظهر تبعا لتطورات الحربين وتعامل المجتمع الأميركي معهما.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment