لماذا يتعثر النمو؟

01/07/2018 - 22:34 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

اعتاد العالم منذ منتصف القرن الماضي على نسب نمو قوية حتى في الدول الصناعية. نمت الدول الناشئة كما النامية أيضا بنسب تغيب اليوم لأسباب متعددة. هل كانت الفترة السابقة استثنائية؟ أم نمر اليوم في ظرف استثنانئي يعود بعده النمو الى أرقام الماضي المرتفعة؟ يقول الاقتصادي "زفي غريليكيس" أن نمو الماضي القوي خاصة في فترتي الخمسينات والستينات انتهى الى غير رجعة، ويجب أن نكتفي بالنسب المعتدلة والمنخفضة.

عرف الاقتصاد العالمي نموا منقطع النظير

في الحقيقة يمكن تقسيم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية الى مرحلتين أولها ما بين 1945 و 1973 وهي مرحلة الازدهار والنمو المرتفع، وثانيها فترة 1973 حتى اليوم عمليا وهي فترة النمو العادي الذي يحافظ على البحبوحة الحالية مع الأمل الضعيف في تحسن أوضاع المواطن العادي أي مواطن الطبقة الوسطى وما دون. تغيرات كبرى أساسية تحققت خلال عقود قليلة من الزمن.

أولا: مرحلة 1945 1973 حيث عرف الاقتصاد العالمي نموا منقطع النظير. طبعا النمو يكون دائما قويا بعد الحروب والدمار حيث الحاجات تكون كبيرة وبالتالي أينما ننفق نحقق المزيد من الغنى. في لبنان شهدنا مثلا بعد الحرب الأهلية وفي بداية التسعينات نموا كبيرا لسنوات متتابعة بنيت خلالها البنية التحتية والاقتصاد بشكل عام وأوسع. نتوقع نموا كبيرا مماثلا في سوريا بعد السلم وبالتالي ستتدفق الاستثمارات اليها ويتحقق النمو الكبير وتتطور المناطق وتبنى المدن التي دمرت.

ثانيا: منذ سنة 1973، تغيرت الأوضاع ليس فقط بسبب الحرب الباردة والحروب الاقليمية والأزمة النفطية وارتفاع أسعار النفط وتكلفة الانتاج كما يقول البعض ومنهم "مارك ليفينسون" في كتابه "أوقات فريدة"، انما أيضا بسبب عوامل عدة تغيرت تدريجيا منذ السبعينات وما زالت تتحرك حتى اليوم. تبعا لجميع هذه العوامل، تحولت البحبوحة الى قلق وخوف وعدم اطمئنان وثقة بالنسبة للمستقبل وتجاه السياسيين.

ما الذي حصل وما هي أسباب هذا التحول الكبير في الاقتصاد والمجتمعات؟

أولا: لا شك أن أسعار النفط كانت متدنية جدا قبل 1973 وتم رفعها بسرعة لمصلحة الدول المنتجة التي لها الحق في الاستفادة من ثرواتها الطبيعية كما يحق لكل دول العالم أن تستفيد من مواردها الأولية وسلعها الزراعية والصناعية والمعدنية كما الغذائية. الاستعمار المتواصل في المنطقة العربية بقي اقتصاديا حتى فترة السبعينات حيث أعطيت فرصا للدول المنتجة لتحقيق بعض العدالة في العلاقات الاقتصادية الدولية. خسارة حرب 1967 وانتصار 1973 لم يؤثرا فقط اقتصاديا وسياسيا، بل التأثير الأكبر كان نفسيا ومعنويا وهنا تكمن الشجاعة في تحديد الانتاج وبالتالي رفع الأسعار. في كل حال، ولأن النفط يشكل عامل انتاج مهم أكثر بكثير مما هو عليه اليوم، كانت لأسعار النفط الجديدة تأثير كبير على تكلفة الانتاج وبالتالي على الأسواق العالمية عموما. تأثرت أسواق الاستهلاك في الدول الصناعية وارتفعت في وقتها أصوات المواطنين الغربيين احتجاجا ونقمة حتى لا نقول كرها تجاهنا.

ثانيا: منذ انتهاء العمل في اتفاقية "بريتون وودز" من قبل الرئيس نيكسون في سنة 1971، أصبحت أسعار الصرف العالمية حرة، وبالتالي زادت مخاطر الأسواق والاستثمارات. بما أن ارتفاع المخاطر يتزامن عموما مع ارتفاع العائد، الا أن هذه الأجواء تفرض على قطاع الأعمال التردد في اختيار استثماراته وبالتالي يتعثر النمو وترتفع البطالة. لعب صندوق النقد دورا ايجابيا لكن الامكانات الموضوعة في تصرفه لم تكن كافية.

ثالثا: انخفاض الاستهلاك لأن الدخل الفردي لم يتحسن كما تعود عليه العالم ولأن التضخم بدأ يظهر بفضل السياسات النقدية والمالية المتهورة وبالتالي تدنى الدخل الحقيقي في بعض الدول المستهلكة للنفط. تردد المواطنون في الانفاق وبالتالي تعثر العرض وتقلبت الأسواق كما لم يحصل من قبل. بالرغم من أن فجوة الدخل بين الدول خفت، الا أن الفجوة داخل كل دولة ارتفعت الى حدود خطيرة تهدد معها الأمن الاجتماعي.

رابعا: انخفاض نسب النمو السكاني بسبب تحسن الصحة وانخفاض الانجاب وطول العمر المرتقب. تكمن أهمية هذا العامل في التغير الكبير للهيكليات السكانية حيث ارتفعت نسبة المسنين في المجتمعات وانخفضت نسبة الشباب المنتجين. يتوقع أن ترتفع نسبة المسنين أي فوق ال 60 سنة في العالم الغربي من 19% في سنة 1996 الى 31% في سنة 2030، مما يرفع من تكلفة ضمانات الشيخوخة والضمانات الاجتماعية عموما.

خامسا: انخفاض الانتاجية الاقتصادية ليس بسبب نوعية التكنولوجيا انما بسبب استيعاب المجتمعات كليا للتطور التكنولوجي الكبير القديم، ولأن الاضافات ليست بالأهمية نفسها. بتعبير آخر، تأثير الثورة الصناعية القديمة على الاقتصاد العالمي كان أكبر بكثير من تأثير الانترنت والخليوي وغيرها بالرغم من أهميتها. ارتفعت الانتاجية مؤخرا، لكن حتما ليس بالنسب التي ارتفعت معها في بداية القرن الماضي وحتى منتصفه. يقول الاقتصادي "بول رومير" أن التجدد والمعرفة هما أساس الانتاجية ومحركيها وهما أهم بكثير من العمالة ورؤوس الأموال. في كل حال، كي ترتفع الانتاجية يجب العمل على تحسين هيكلية العرض أي تخفيف تكلفة الانتاج عبر الضرائب المنخفضة والتجدد في نوعية السلع وفعالية الخدمات.

سادسا: هنالك تغيرات كبيرة في المجتمعات أي في العقلية والممارسة ليس فقط في العلاقات الاجتماعية وانما في العلاقات بين أرباب العمل والعمال، بين الريف والمدن وغيرها. هنالك وعي تجاه المخاطر البيئية، وما هي كارثة "هارفي" في هيوستن وغيرها الا لتنبه العلم أجمع الى مخاطر السخونة والتغيرات المناخية الخطرة وضرورة المعالجة والوقاية الجدية. هنالك اليوم شك شعبي عالمي تجاه صدقية وجدية السلطات الرسمية والحكومات تحديدا. هنالك عدم ثقة ظاهر بل شك فيما ما يقال علنا حول السياسات المتبعة وتوقيتها وجدواها وفعاليتها. يجري اليوم تحميل المواطن تكلفة المعيشة أكثر بكثير من الماضي أي في الصحة والتعليم والضمانات الاجتماعية. هنالك توجه عالمي نحو تخفيف دور الدولة في التكلفة، رائدها الرئيس ترامب حيث يحاول جاهدا مثلا الغاء قانون أوباما للصحة واستبداله بقانون مجهول الهوية حتى اليوم لكنه سيحمل المواطن تكلفة أعلى. هنالك تغيرات كبيرة واضحة لمصلحة أصحاب رؤوس الأموال تظهر في احصائيات فجوة الثروة والدخل في كل الدول والمجتمعات.

غياب التفاؤل بالمستقبل

ما يميز الفترة الحالية خاصة هو غياب التفاؤل بالمستقبل بالرغم من أن مستوى الدخل الفردي تحسن كثيرا مقارنة بالعقود الماضية. غياب التفاؤل مضر وينعكس على الخيارات السياسية والاقتصادية. النظريات الاقتصادية السابقة كانت أكثر تفاؤلا، ربما لأن الأحلام كانت أسهل. توقع الاقتصادي "كينز" أن النمو العالمي سيستمر في الارتفاع بحيث لا نحتاج في سنة 2030 الا للعمل 3 أيام في الأسبوع ونصرف باقي الوقت على الأمور المهمة كالفن والأداب والرياضة والفلسفة وغيرها. لن يستطيع العالم تحقيق أحلام "كينز" لأن الاقتصاد الدولي تعقد أكثر والعلاقات بين الناس والدول أصبحت أكثر توترا كما أن التكنولوجيا والعلوم لم يتطورا كما توقع أو حلم "كينز". لذا يجب على المجتمع الحالي أن يتأقلم مع الواقع الجديد، عالم التفاؤل المحدود والأحلام المتواضعة في حجمها وعمقها. فترة النمو المعتدل يظهر أنها ستكون طويلة ولن تغيرها سياسات سطحية من هنا وهنالك. المطلوب تغيير كبير في الانتاج طبيعة ونوعية وهذا ليس في متناول اليد على ما يظهر اليوم.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment