الأزمات والأسعار

12/16/2017 - 14:26 PM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

المعروف أن الأزمات المالية تحصل دوريا وتسبب الخسائر الكبرى للمستثمرين. الأزمات هي سقوط الأسعار في العقارات والأسهم وكافة السلع والخدمات بسرعة ونسب عالية. من قال أولا أن الأسعار المتداولة تعبر فعلا عن أسعار الأصول أو السلع وأنها ليست منتفخة أو مرتفعة دون سبب منطقي. من قال أن الأسعار تعكس القيمة الحقيقية وأنها لم تتأثر بعوامل بعيدة عن المنطق أي نفسية وربما مذاجية أو أيضا اجتماعية وثقافية وغيرها. عندما لا تعبر الأسعار عن القيمة الحقيقية، من الطبيعي أن ترتفع أو تسقط فجأة دون أي معيار مقبول أو مفهوم.

ما يحصل اليوم بشأن أسعار "البيتكوين" مدهش ومخيف ومن الممكن أن يسبب خسائر كبرى لهواة الأسواق وهم عموما أول الخاسرين في الأسواق العالمية المتقلبة. ما يميز "البيتكوين" عن بقية العقود المماثلة انها غير مرتكزة على سلعة واضحة أي ذهب أو نحاس أو قمح أو ذرى بل لها قيمة معنوية ونفسية غير واضحة مما يسبب تقلبها الكبير والمفاجئ. هنالك وعي وتنبه دوليين بشأن خطورة "البيتكوين" وطرق التبادل بها خوفا من السقوط.

مشكلة في الأسواق العادية

هل هنالك مشكلة في الأسواق العادية وهل تعبر أسعارها عن "ندرة" السلع والخدمات. هل تتحرك الأسعار ارتفاعا أو انخفاضا أكثر بكثير من المنطق أي مما تفرضه التغيرات العادية في عوامل العرض والطلب؟ هل تساهم الأسواق في تعزيز المنطق في تصرفات عملاء السوق أم أن العكس صحيح؟ هل أن التصرف غير المنطقي في السوق يضر بصاحبه أم العكس صحيح؟ تشير الاحصائيات الى أن من يتصرف بتهور أو يغامر يربح في العديد من الأحيان ويخسر مرات أخرى. هل يتعلم الانسان دائما من أخطائه أي يخسر مرة ويربح فيما بعد؟ لا تشير الوقائع الى التعلم من التجارب خاصة اذا كانت تكلفة التعليم مرتفعة أي دراسة طويلة وتدريب باهظ التكلفة. تشير الوقائع الى أن من جرب حظه في السوق وخسر، يحاول مجددا معتمدا على طرق أو تقنيات مختلفة يأمل أنها ستجلب له الربح. هنالك اذا حدود منطقية لتصرفات الانسان حتى لو كانت التكلفة عليه وعلى قدراته المالية كبيرة.

الأسواق لا يمكن أن تعطي دائما نتائج فضلى

تقول العلوم الاقتصادية الأساسية أن الأسعار تعكس كل المعلومات المرتبطة بعاملي العرض والطلب. في الحقيقة المعلومات ليست دائما متوافرة بسرعة وبشكل كامل وصحيح، مما يسبب خضات كبرى وخسائر أكبر. فالأسواق لا يمكن أن تعطي دائما نتائج فضلى، اذ غالبا ما تكون هنالك عوائق تعرقل توازنها بسرعة ولمصلحة المتعاملين فيها. من هذه العوائق صعوبة التواصل بين الأسواق الجغرافية المختلفة مما يسبب حصول أسعار مختلفة لنفس السلع، وهذا ما ترفضه الأسواق الشفافة الفاعلة. كما أن عملاء السوق لا يتصرفون دائما بالشكل الفاضل والمنطقي المتوقع منهم. هنالك مثلا من ينفق الكثير دون حساب أو من يشرب أو يدخن أو يأكل الكثير فيضر صحته. هنالك من يتعب كثيرا لجني الدخل القليل وثم يتبرع بقسم مهم منه لذوي الحاجات المادية والفقراء أو ينفقه على حاجات غير ضرورية ومضرة. تصرفات الانسان ليست دائما فضلى أو كما تفترضه له العلوم الاقتصادية.

المنطق المحدود

تقول العلوم الاقتصادية الأساسية أن الانسان منطقي ويسعى دائما للفوز من جميع النواحي أي خاصة في الاستهلاك والاستثمار. تقول أن الانسان منطقي وقادر الى أقصى الحدود، يملك ارادة قوية جدا وهو أناني الى أقصى الحدود أيضا. الاقتصادي "هربرت سايمون" كان أول من اعترض على هذه الافتراضيات ووضع نظرية "المنطق المحدود" مما ساهم في حصوله على جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 1978. من نتائجها أن الانسان يتصرف أحيانا بمنطق مقبول وليس مرتفع أي يمكن أن يكون الانسان متفائلا أو متشائما، له ثقة كبرى بنفسه أو العكس وهي جميعها تنعكس على تصرفاته في السوق وفي الحياة عموما. من الممكن أن يستثمر الانسان في السوق دون الحصول على معلومات كافية أو يتأكد من صحتها، فيتسرع ويخسر أو يربح. طبيعة الانسان معقدة لا شك الى أقصى الحدود وتصرفاته يمكن أن تكون غريبة ومفاجئة.

لم تتوقف الدراسات المماثلة مع "سايمون" بل توسعت مع الوقت لتصل الى "ريتشارد تايلر" فيحصل في 2017 على جائزة نوبل للاقتصاد. ارتكزت نظريات تايلر على دمج علم النفس بالاقتصاد فوسعه وأنسنه فتعلقت به حكومات عدة بدأ من بريطانيا التي أنشأت وحدة خاصة له في رئاسة الوزراء. يريد تايلر تشجيع المواطنين على اتخاذ قرارات لمصلحتهم أو تسهيل ذلك كما على التصرف في اتجاهات معينة بارادتهم كدفع الضرائب مثلا. اذا عرف الاقتصاديون كيف يفكر المواطن، يمكنهم توجيهه نحو التصرف الأفضل له ولعائلته كما للمجتمع.

تفسير الوقائع والتطورات على الأرض

ما هي بعض الأمثلة التي يمكن أن تفسر ما آلت اليه العلوم الاقتصادية حتى "تايلر"، وبالتالي مساهمتها في تفسير الوقائع والتطورات على الأرض. هنالك وقائع تشير الى أن الانسان يشعر بالخسارة أكثر بكثير من الربح، يقيم الأصول التي يملكها أكثر بكثير من تلك المملوكة من غيره مما يقيد عمليات التبادل التجاري.

أولا: عندما يحصل المواطن على فاتورة بطاقة الائتمان، يسددها من حسابه الجاري وليس من حساب التوفير حتى لو لم تكن في الأول أموالا كافية. ذهنية الحفاظ على التوفير تبقى في عقل الانسان للحماية ولمواجهة أيام سوداء يمكن أن تأتي.

ثانيا: حاول تايلر دراسة كيفية زيادة التوفير كما زيادة التحصيل الضرائبي أي تشجيع المواطنين على التصرف الصحيح تجاه المجتمع والدولة. كما شجعه أيضا على الاهتمام بصحته وتخفيض استهلاك الطاقة بارادته الحرة.

ثالثا: عندما تنخفض أسعار النفط، يتحول المواطنون الى النوعية الأفضل بدل الاستفادة من الأسعار الأدنى وهذا ما نشهده في كل الدول. يطالب المواطن بتخفيض أسعار الطاقة التي لا تنعكس على انفاقه لأنه يغير تركيبة السلة الاستهلاكية.

رابعا: معظم أصحاب سيارات الأجرة يضعون لأنفسهم هدفا ماليا محددا لليوم الواحد، وبالتالي يتوقفون عن العمل باكرا في الأيام التي تضج بالزبائن كما يعملون ساعات أطول في الأيام التي ليس فيها طلب مرتفع. منطق زيادة الدخل يشير الى عكس ذلك تماما، لكن تصرف السائق هو كذلك لأن الهدف محدد مسبقا.

خامسا: في بريطانيا ومنذ سنة 2012 وبتوجيه من "تـايلر" أعطي الموظفون حرية الانضمام الى مؤسسات الضمان الاجتماعي الخاصة كما طريقة الانضمام. خيروا بين تسديد مساهمتها في المؤسسة مباشرة أو سحبها من الأجر شهريا وقيام رب العمل بالتسديد عنهم. الخيار الثاني الذي أعتمد كان الأفضل وساهم في زيادة التوفير العام في بريطانيا مما انعكس ايجابا على أوضاع العمال واستقرارهم الاجتماعي. كما ارتفع عدد المنضمين الى مؤسسات الضمان من 2,7 مليون عضو في 2012 الى 7,7 مليون في سنة 2016. دفع المواطن نحو الخيار الصحيح بحرية هو قلب النظريات الجديدة.

سادسا: في مسألة تبرع الأعضاء، اعتمدت اسبانيا على نظريات تايلر التي تفترض أن كل مواطن متبرع الا اذا اختار العكس. من الوسائل التي يقترحها تسجيل المواطن كمتبرع عندما يقدم طلب لرخصة قيادة السيارة او عند تجديدها مثلا. في كل حال، اسبانيا هي المصدر الأول في العالم للأعضاء الجاهزة للزرع. فرنسا تبعت اسبانيا وهنالك مؤشرات بأن بريطانيا والدانمارك واستراليا وكندا ستتبع أيضا قريبا. بالرغم من أن العديد من الخبراء يضعون أسئلة حول طريقة الاختيار المعكوسة، الا أن السياسة أعطت نتائج ايجابية قابلة للدرس في المجتمعات الأخرى. الهدف يحدد الوسيلة شرط احترام حرية المواطن في خياراته.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment