المنطقة العربية الى اين؟

11/02/2015 - 21:07 PM

 

ريم عيتاني

كنت - ولا زلت - اتابع على شاشات التلفاز اخبار تطورات الاوضاع في أكثر من بلد عربي، ليبيا ومقتل القذافي واولاده بعد حرب اهلية عملت بعض الاطراف الدولية على اطالتها رغم توفرامكانية الحسم منذ الايام الاولى للثورة واستمرار مسلسل الحرب والميليشيات التي اصبحت اقوى من الحكومة في بعض المناطق، اليمن حيث النفوذ المتصاعد للقاعدة وبداية حروب داخلية عشائرية وطائفية وحزبية ومن كل نوع، البحرين وتدخل قوات درع الجزيرة وانسحابها منه متجنبة صراع قد يودي بالمنطقة الى المجهول، وسوريا حيث الاوضاع الداخلية والخارجية تتصاعد وتيرتها بطريقة تنذر بخطر كبير، وقبل ذلك - ولا زالت - الاوضاع في كل من تونس ومصرلم تحسم كما تمنى الثوار، والسودان الى سودانين شمالي وجنوبي واحتمالات الحرب الشاملة واردة ايضا، والمحكمة الدولية بشأن مقتل الحريري وضعت لبنان على صفيح ساخن، بالاضافة طبعا الى الوضع في العراق الذي مزقته الطائفية السياسية التي جذرها "قادته" باتفاقاتهم العديدة وخاصة الاخيرة حين وضعوا الاسس الطائفية في تقسيم المناصب الحكومية نزولا الى مستوى المدير العام ولا ندري بعد ذلك الى اين، واستعدادات اسرائيلية لتوجيه ضربة لأيران ربما بالاتفاق مع اطراف دولية اخرى، كنت اتابع كل ذلك حين طرأعلى ذهني سؤال لم اتيقن من اجابته بعد، هو: لماذا تشهد المنطقة العربية دون غيرها كل ذلك؟.

دول العالم ليست زاخرة بالدكتاتوريات كمنطقتنا العربية

قد يكون الجواب،وربما يكون، مقبولا - الى حين - ان بقية دول العالم ليست زاخرة بالدكتاتوريات كمنطقتنا العربية وان هناك - في غير البلدان العربية - من يتحلى بالشجاعة لتحمل وزر قراراته الخاطئة فيقدم على الاستقالة بشرف حتى بالنسبة لبعض الانظمة الدكتاتورية، لا ننسى مثلا ان رئيس النظام العسكري في الارجنتين قد استقال اثر خسارة الارجنتين في حرب الفوكلاند وان اسوأ نظام فصل عنصري في التاريخ الذي كان يحكم جنوب افريقيا قد اذعن لرغبة الاغلبية السوداء وتنحى عن الحكم بطريقة مشرفة مجنبا البلاد اهوال الحرب الاهلية وتبعاتها، الامر الذي لم يحدث - ولن يحدث - مع اي نظام عربي دون حدوث كوارث حقيقية وربما كوارث كبرى كما هو الحال مع نظام صدام في العراق والقذافي في ليبيا.

الجواب اعلاه لا يبقى صحيحا حين نربط التاريخ والجغرافيا معا، فالاحداث اعلاه تحدث في منطقة محددة من العالم حيث الثروة والمال، في المنطقة حيث الاحتكاك الحضاري ممتدا عميقا عبر التاريخ، صراع اديان، ومذاهب، وصراع امبراطوريات كبرى لازال الحنين - كامنا - الى امجادها وحدودها يستخدم في الهاب المشاعر حين يعجز السياسيون عن تحقيق غاياتهم بغير ذلك من وسائل، في المنطقة الاكثر حروبا في التاريخ الحديث والاكثر عنفا ودموية، في المنطقة حيث المخابرات الغربية ساهمت مساهمة فاعلة في دعم اغلب دكتاتورياتها ضد شعوبهم عدا عن انها ساهمت في ايصال اغلبهم الى السلطة، في المنطقة الأكثر تخلفا من حيث الصناعة والزراعة والتعليم والتكنولوجيا في العالم، في المنطقة التي لازالت بعض انظمتها لا تسمح للنساء بقيادة مركباتهن في الشوارع العامة والتي يكفر فيها البعض من يختلف معه في الراي وان كان من نفس دينه ويفتى بقتله، في المنطقة التي وصفها الرئيس الامريكي بوش الابن - بسبب ماسبق - بانها "مستنقع الارهاب" في العالم. الارهاب الذي ارتبط - بطريقة ما - بالاسلام حديثا بعدما كان مرتبطا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي بالشيوعية. في هذه المنطقة تحديدا يحدث كل ذلك، ففي ظل كل هذه المتضادات وكوامن العنف والعنف المضاد،ماذا يمكن ان تؤول اليه الاحداث في منطقتنا العربية في المستقبل القريب؟

ثورات شعوب المنطقة

قد لا تكون الاجابة يسيرة على مثل هذا السؤال، لكن يمكن الاعتبار من المقدمات التي افرزتها ثورات شعوب المنطقة التي لم تهدأ بعد بسبب ان ثمة بونا يتسع يوما بعد يوم بين ارادة هذه الشعوب في الحرية والحياة الكريمة وبين محاولات بقايا الانظمة القديمة وبعض التنظيمات المتطرفة وبتدخل مخابراتي اجنبي واسع وواضح ليحيد بهذه الثورات عن اهدافها الحقيقية وبما يضمن وصول تلك التنظيمات المتطرفة الى الحكم،"الاخوان المسلمين" في مصرعلى سبيل المثال رغم ان قادة الثورة الشباب لم يسعوا الى ذلك، بل ان خلفيات اغلبهم يسارية بحتة، لكن يبدو ان محاولات ضبط ايقاعات الحركة قد نجحت في ان تبدو ان هذه هي النتيجة الطبيعية التي يجب ان تكون حيث "الاخوان المسلمين" الذين كانوا في المعارضة هم الان في السلطة، وهذه قد تبدو تغييرا جذريا للنظام القائم لكنها بالتاكيد لا تعني "ديمقراطية" بأي شكل من الاشكال، ولا تعني ايضا استجابة لارادة الثوار الشباب قدر ما تعني العكس تماما.

صراع الحضارت

لدي كتاب صاموئيل هنتغتون "صراع الحضارت" الذي يصنف الاسلام المتطرف بانه الخطر المحدق بالغرب بعد الشيوعية وعلى العالم الغربي البدء بمحاربته، ولدي وصف الرئيس الامريكي السابق بوش الابن للمنطقة بأنها "مستنقع الارهاب" وان الحرب في العراق وافغانستان تهدف الى" تجفيفه "، ولدي تجربة العراق الذي لم نشهد تنامي الطائفية والخطاب الطائفي فيه الا بعد الغزو الأمريكي له، ولدي قناة الحرة - نتاج الخارجية الامريكية - التي لا تصف حدثا او حزبا الا بالصاق تبعيته الطائفية فيه للمزيد من الايغال في هذا السعي المبرمج نحو تمزيق شعوب المنطقة اثنيا، ولدي احصائيات تقول انه لم تطلق اوصاف طائفية للأشخاص والاحزاب في منطقتنا العربية قبل عام 1991 "نهاية الاتحاد السوفيتي" في وسائل الاعلام الغربي كما يتم طرحه الان، ولدي تصريح الرئيس الامريكي اوباما حين شاركت الولايات المتحدة بالعمليات العسكرية على ليبيا بان "القذافي" ليس هدفا لتلك القوات، فيما تعلن ان الهدف هو "انقاذ" المدنيين من كتائب القذافي، كما ان العمليات العسكرية قد شابتها اوقات توقف تزامنت مع عجز اي من الفريقين احراز نصر حاسم على الاخروادت الى اطالة الحرب مع توفر امكانية حسمها منذ وقت طويل، لكن يبدو انه قد كان مطلب احداث المزيد من التدمير في البنى التحتية الليبية هو احد اهداف اطالة الحرب والذي استمر الى ما بعد الحرب حين أشرفت قوات أمريكية على تدمير"المضادات الأرضية الليبية" على الارض، ولم يسأل احد لماذا تدمر اسلحة "دفاعية" لبلد تخلص توا من دكتاتوريته، والكل يدعي مساعدته من اجل "بناء ديمقراطيته"!!!

تغيير انظمة الحكم في البلدان العربية

نجحت الثورات في البلدان العربية في تغيير انظمة الحكم فيها ولكن لم يجن الثوار في أغلب هذه البلدان ثمرة جهدهم بل قد تم توجيه الأحداث وخلق الظروف المناسبة لصعود الاسلام السياسي "الطائفي" العربي في أكثر من بلد عربي، نتيجة الخواء الفكري العام وعقم الأحزاب والتيارات العلمانية في العالم العربي عن تكييف نفسها ليتلاءم طرحها مع المستجدات العالمية خاصة بعد انحسارالشيوعية نتيجة انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية وفشل المشاريع القومية "العربية تحديدا" في اقناع جمهورها ببرامجها، خاصة بعد تجربتي (ناصرفي مصر) و(صدام في العراق) المريرتين. هذا فضلا عن ان التيارات الاسلامية في مختلف البلدان العربية لم تتعرض للقمع المبرمج والمبارك "امريكيا" و"غربيا" كما هو الحال مع الاحزاب اليسارية، فقد كان للاخوان المسلمين في مصر مثلا، ممثلين في مجلس الشعب المصري قبل اسقاط مبارك، فيما لم يكن في المجلس شيوعي واحد - على سبيل المثال - الامر الذي يعكس حجم القمع الذي تعرض له كل منهما.

لقد بدات الولايات المتحدة باستثمار الفراغ الناتج من انهيار الاتحاد السوفيتي منذ حرب تحريرالكويت بل لقد كانت هذه الحرب بمثابة المسمار الاخير الذي دق في نعش الاتحاد السوفيتي بعد ان تبدى عجزه الكامل عن فعل أي شيء لأي من الاطراف، فلم يكن قادرا على اقناع صدام حسين بسحب جيشه من الكويت لأن صدام كان مقتنعا - او تم اقناعه - بعدم ضرب حلفاءه الغربيين له، ولا هو"الاتحاد السوفيتي" قادر على المشاركة في حرب تقودها الولايات المتحدة "العدو المصنف رقم واحد" ولا هو قادر عن الدفاع عن مصالحه التي هي على وشك الاستباحة الكاملة والشاملة والتي لازالت الولايات المتحدة في طور اسباحتها لها رغم انهيار الاتحاد السوفيتي وتحول روسيا الى "شبه حليف" ديقراطي، وما موضوع الفيتو الروسي ضد مشروع القرار الخاص بسوريا الا محاولة أخيرة من قبل الروس ليقولوا للأميركان "نحن هنا"

الفراغ الناتج من انهيار الاتحاد السوفيتي

فلا زالت الولايات المتحدة تمارس عملية ملء الفراغ الناتج من انهيار الاتحاد السوفيتي بل هي تريد ملء هذا الفراغ دون منازع وان كان حليفا غربيا، وهي بصدد ايجاد مبررات تواجدها الذي بات مطلوب - شعبيا - في أكثر من مكان لأنها نحجت عبر اعلام مكثف ومؤثر وفاعل ويتناسب مع عقول الأكثرية الساحقة من اشباه الاميين العرب في الايهام بأنها تملك وحدها الحل لمشاكلهم وتحقيق تطلعاتهم، علما ان المنطقة لازالت تقاد - بطريقة ما - الى المزيد من التفكك والمزيد من الحروب الاهلية والدمار وربما الى حرب طائفية، يتم التحشيد والضخ الاعلامي لها يوميا عبر أكثر من مئة اذاعة وقناة تلفزيونية ناطقة بالعربية وعبر الصفحات الأخبارية الاولى في الانترنت، ليتم تدميرها بالكامل لتكون - لاحقا - مجرد سوق سيحتاج كل شيء ابتداءا من الغذاء وانتهاءا بـ "المضادات الارضية" التي سيتم استبدالها بصواريخ الهوك الامريكية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment