العالم تغير والأمل يبقى

12/11/2017 - 03:53 AM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

قال الفنان "غراوشو ماركس" أن "السياسة هي فن البحث عن المشاكل، ايجادها، سؤ درسها وثم تطبيق المعالجات الخاطئة".  ممارسة السياسة بالشكل والمحتوى الذي وصفه ماركس أعطى النتائج التي نعيش معها اليوم.  النتائج السياسية والأمنية السلبية معروفة في كل العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط.  النتائج الاقتصادية لم تعد كما كانت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ليس فقط بسبب غياب القيادات التاريخية التي حكمت، بل بسبب السياسات الخاطئة التي طبقت في معظم دول العالم عن جهل أو قصدا.  من هذه النتائج، تشير الاحصائيات الى أن ادخارات 47% من الأميركيين لا تصل الى 400 دولار أي هم غير قادرين على مواجهة مفاجاءات متواضعة القيمة.  المعيشة أصبحت مكلفة خاصة مقارنة بمعدل الدخل اذ كبرت الفجوة بين الأغنياء والفقراء وأصبح من المستحيل على الطبقات الوسطى مواجهة تكلفة الحياة العادية في الدول الصناعية والأخرى أيضا.

تكلفة التعليم المدرسي والجامعي

لا شك أن تكلفة الاستشفاء والطبابة كما تكلفة التعليم المدرسي والجامعي ارتفعت نسبة لدخل الطبقات الوسطى وما دون.  ربما النوعية ارتفعت في أكثرية الحقول، لكن التعريفات ارتفعت أيضا لتمويل البحث ورفع الايرادات.  ارتفعت معها أقساط التعليم على كل المستويات ورفعت معها أسعار السلع والخدمات بما فيها أسعار العقارات التي انتجت فقاعات أحدثت أزمات مالية دورية آخرها مهمة جدا بدأ من سنة 2008.  حتى منتصف العقد الأول من هذا القرن، كان معدل نمو الدول الناشئة 7% سنويا كما بدأت الدول الفقيرة تنتعش الى حد بعيد.  في سنة 2007، وصل معدل نمو الدول الناشئة الى 8,7% وأصبحت الطبقة الوسطى العالمية تعد حوالي ملياري شخص.  حوالي 440 مليون شخص أنقذوا من ظلم الفقر خلال عشر سنوات قبل الركود الكبير.  اعتقد العالم أجمع أن العالمين الصناعي من جهة والآخر من جهة أخرى سيلتقيان قريبا بفضل نسب النمو القوية وانتقال التكنولوجيا والعلوم بسرعة عبر القارات، لكن هذا لم يحصل وحدثت أزمة 2008 التي ما زلنا نعاني من نتائجها.

انخفاض معدل نمو الدول الناشئة

لماذا لم يتم هذا التلاقي وحصلت الأزمة الكبيرة وتستمر نتائجها حتى اليوم، بينها انخفاض معدل نمو الدول الناشئة الى نصف ما كان عليه سابقا أي من 7,4% الى 3,8% مؤخرا؟

أولا:  الوضع الروسي والعلاقات مع أوكرانيا بالاضافة الى العقوبات الموضوعة من قبل أوروبا وأميركا.  أثرت هذه الوقائع على الاقتصاد الروسي، اذ تدنت نسبة النمو السنوية من 4,5% في سنة 2010 الى نمو سلبي قدره 2,8% في سنة 2015.  الموازنة عاجزة في حدود 3,7% من الناتج في سنة 2016، لكن ميزان الحساب الجاري يبقى فائضا بفضل الصادرات المرتفعة مما يضيف الى الاحتياطي النقدي الكبير.  روسيا قوية بفضل احتياطها البالغ 300 مليار دولار والذي يسمح لها بتغطية 17 شهرا من الواردات.  لذا لم تسقط ولن تسقط روسيا بسبب العقوبات، الا أن نموها تعثر وبالتالي أوضاعها الاقتصادية العامة تسؤ.

ثانيا:  الربيع العربي لم يعط الثمار التي كنا نأمل بها.  الأوضاع في المنطقة العربية سيئة حيث الكارثة السورية مستمرة وتتداخل فيها المصالح الدولية ماليا وعسكريا وأمنيا.  لن ترتاح المنطقة قبل ايجاد حل لهذا النزف البشري والمادي والسياسي السوري.  تكلفة اعمار سوريا كبيرة وتقديرات التكلفة ترتفع من يوم لآخر وربما تتعدى ال 300 مليار دولار حاليا.  أوضاع ليبيا ومصر والسودان وفلسطين لا تطمئن وان تكن الظروف مختلفة.  أوضاع اليمن تعدت السياسة والاقتصاد لتصل الى الكوليرا والأمراض المنتشرة بسرعة بأنواع متعددة.  طبعا الأوضاع في الخليج عموما مقلقة والحلول غير متوافرة أقله في العلن، اذ تتشابك المواضيع السياسية بالأمنية والاجتماعية والثقافية وتؤثر على الاقتصاد.

ثالثا:  انتشار الارهاب بأشكال مخيفة في كل مناطق العالم بالرغم من كل الاحتياطات المأخوذة في الأمن والنقل والحدود الجغرافية.  ما حصل في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا وأسبانيا وغيرها مؤلم وأسبابه مختلفة، علما أن معظم الدراسات الموضوعية لا تربط الارهاب بالفقر.  تحسين أوضاع الفقراء مفيد دائما، الا أن أسباب الارهاب ومصادره غير مرتبطة بالفقر كما تشير اليه أيضا كل الجرائم التي حصلت مؤخرا.  عمليات "بوكو حرام" في نيجيريا واختطاف الفتيات لا يمكن أن يساعد النمو الاقتصادي الأفريقي، والأسباب غير واضحة من ناحية عجز المجتمع الدولي عن ايجاد حلول لهذه الجرائم الكبيرة.  مع الارهاب، تنتشر الأمراض أيضا في الدول الأفريقية مما يعيق عملية التنمية التي تحتاج اليها القارة بحيث يخف النزف البشري الكبير الخطير عبر المياه الى أوروبا.

هذه المجموعة الصغيرة من النتائج السلبية التي نعيش معها تشير الى فشل السياسيين عمليا في قيادة العالم والى انتشار الفساد وعدم التنبه الى مشاكل الشعوب وخصوصا الطبقات الوسطى وما دون.  الشعوب تتذمر اليوم كما تشير اليه كل الانتخابات في أميركا وأوروبا، الا أن الحلول غير متوافرة بعد وربما تسؤ الأمور أكثر قبل أن تستقر الاوضاع ايجابا.  يقول "جوناتان تيبيرمان" في كتابه عن الاصلاح أن السياسيين أهملوا معالجة العديد من الأمور ومن أهمها:

أولا:  توسع فجوة الدخل حيث تساهم في زيادة الفساد وتنشر الفقر وتسبب الشغب الشعبي وتعزز القلق بل الخوف من المستقبل كما تؤثر سلبا على الاستقرار السياسي والنظام الديموقراطي والأسواق التنافسية الحرة.  مساوئها الاجتماعية كبيرة أيضا من ناحية تأثيرها سلبا على العمر المرتقب أي على مؤشرات الصحة والتعليم والتغذية.  للأسف بالرغم من كل الكلام والدراسات والانذارات تستمر فجوة الدخل في التوسع عالميا مما لا يطمئن، حيث يتعزز التطرف المقلق كما ظهر مثلا مؤخرا في مدينة "شارلوتسفيل" في الولايات المتحدة.  الأوضاع الاقتصادية العالمية اليوم تعزز التطرف والتصرف بعنف وكره يمينا ويسارا وعلى كافة المستويات.  ما يحتاج العالم اليه ليس فقط نموا أعلى وتوزعا أفضل لهذا النمو، انما أيضا تغييرا حقيقيا في الأنظمة الضرائبية وتعديلا في الهيكليات الاقتصادية داخل الدول تعزيزا لأوضاع الطبقات الوسطى وما دون.

ثانيا:  مواضيع الهجرة التي تأثرت سلبا في الدول المستقبلة للمهاجرين.  هنالك موجة عدائية كبيرة تجاه من يحاول اللجوء الى أوروبا أو أميركا أو استراليا أو كندا أو غيرها.  أميركا تحاول تغيير قوانين الهجرة لديها بالرغم من أن 60% من أفضل تقنيي "سيليكون فالي" هم من المهاجرين، وأوروبا أعادت بعض الحدود بين الدول التي غابت مع اتفاقية "شينغين".  الدول الغربية تتنبه لكل من يحاول القدوم اليها زيارة أو هجرة أو استثمارا أو غيرها.  هنالك قلق من التغيرات الديموغرافية والثقافية المحتملة وتردد في المعالجات الداخلية والدولية.  تشير دراسات منظمة التعاون الاقتصادي العالمية OECD أن تحقيق نسبة نمو سنوية 3% في كل من أوروبا وأميركا خلال السنوات ال 50 المقبلة يفرض على كل منهما استقبال 50 مليون مهاجر على الأقل.  المعالجة الأفضل للهجرة الحالية تبقى غائبة، أي تحسين الاوضاع في الدول المصدرة للمهاجرين وهذا ما لم يحصل بعد.

أخيرا، الحلول المنطقية متوافرة لكن التطبيق متعثر.  الأيديولوجيات الحالية المنتشرة متطرفة ويحاول العالم النجاح في محاربتها، آخرها في لبنان على الحدود السورية.  مشاكل التطرف كبيرة، أهمها التأثير السلبي على النمو والتنمية والفقر.  المطلوب قيادات واعية تساهم في تخفيف الشعور المتطرف ومعالجته وليس تأجيجه.  الشعوب تصنع القيادات الجيدة، وبالتالي يبقى الأمل كبيرا في المستقبل.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment