المجتمع اللبناني في خطر... ما الذي يقوده من مرحلة المسالم إلى مرحلة الإجرام؟

06/23/2017 - 22:26 PM

 

خاص بيروت تايمز-  ميشلين أبي سلوم*

 

ماذا يصيب المجتمع اللبناني؟

هذا السؤال مطروح بقوة، على المستويات السيكولوجية والاجتماعية والأمنية بعد التزايد غير المسبوق في منسوب الجريمة الاجتماعية في لبنان. فما تكاد تمضي أيام معدودة بعد الجريمة المرتكبة ليهتزّ المجتمع اللبناني بجريمة أخرى.

وتعتبر جريمة القتل بعيدة عن أخلاقيّات اللبنانيين المعروفين بأنهم يتميزون بالرقة في التعامل والمسالمة ولغة المنطق والحوار. ولكن، يبدو أن عوامل جديدة غريبة عنه أخذت تتحكم بهذا المجتمع، نتيجة التراكمات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية العاصفة في السنوات الأخيرة.

واللافت هو أن جيران القاتل أو الضحية يعطون أحياناً شهادات إيجابية بسلوك القاتل لجهة رجاحة عقله وعدم وجود دلائل سابقة في بعض الأحيان الى استعداده لارتكاب جريمة. ويبدو أن من العوامل المشجعة على ارتكاب هذه الجرائم بيئة حاضنة ينتشر فيها السلاح بكثافة. ففي لبنان كثير من المنازل التي تقتني سلاحاً حربياً، إما بشكل قانوني عبر رخص السلاح، التي تمنحها وزارة الدفاع، أو غير قانوني عبر السوق السوداء النشطة.

الحالة السياسية في لبنان وتداعياتها على الشباب:

فعلى الرغم من انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والخروج من الفراغ الرئاسي في لبنان الا أن ذلك لم ينعكس إيجابا الى الآن على واقع الحياة اللبنانية بسبب عدم اكتمال المشهد السياسي عبر انتخابات نيابية تضع حدا للأزمة السياسية اللبنانية وتمنح الحكومة فرصة التفرغ الى قضايا الناس وأفراد الشعب اللبناني.

ويشير البعض إلى انسداد الآفاق في صفوف الشباب اللبناني، وخصوصاً المتعلم منه، وانتشار البطالة بين صفوفه مما يدفعه الى اليأس، وبالتالي إصابته بأوبئة اجتماعية كالمخدرات والجريمة المنظمة كالسرقة وعصابات ما يعرف بالخوّة وحتى القتل. كما أن النزوح السوري الضخم الى لبنان وحلول يد عاملة سورية رخيصة في السوق اللبناني ساهم في العديد من المشاكل الاجتماعية وبقاء العامل اللبناني في منزله حبيس اليأس الّذي قد يودي بحياة أحد أفراد عائلته ضحية لرصاصة أو طعنة يأس.

هذه العوامل جزء من سلسلة عوامل أخرى تستهدف اللبناني في لقمة عيشه، وتدفعه بعيداً عن اخلاقيات هذه المجتمع الطيّب. ويرى خبراء إجتماعيون أن على الدولة اللبنانية أن تتحمل مسؤولياتها تجاه مواطنيها عبر مكافحة الجريمة المنظّمة، وجمع السلاح المنتشر، وإنهاء الأزمة السياسية في لبنان وتوفير فرص عمل للشباب اللبناني. فيما طالب وزير الداخلية نهاد المشنوق بالعودة إلى تنفيذ أحكام الإعدام التي توقفت منذ تسعينات القرن الماضي بسبب رفض رئيس الحكومة آنذاك سليم الحص التوقيع على مرسوم بإعدام أحد المحكومين.

فهل يشكّل هذا الخيار حلاً لأزمة الجريمة المتفاقمة، أم هناك حاجة إلى علاجات أخرى أكثر تعقيداً؟ وهل مسؤولو لبنان الغارقون في الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية يمتلكون الوقت الكافي، ولديهم الوعي اللازم، ليدركوا مخاطر الأزمة وتداعياتها قبل فوات الأوان؟

الجرائم بالارقام

ودلّت الأرقام الأخيرة في مسلسل الجرائم شبه اليومي المتنقل من الشمال الى الجنوب فالبقاع، أن الأشهر الثلاثة الأخيرة شهدت مقتل 26 شخصاً بجرائم فردية. وبلغة الأرقام، فإنه منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية أيار 2017 قبل شهر من إنقضاء النصف الاول منه وصل عدد جرائم القتل الى 107 بحسب إحصاءات الشركة الدولية للمعلومات، وهو رقم يعكس ارتفاعاً في عدد القتلى مقارنة مع 73 قتيلاً في النصف الأول من العام الماضي و74 من النصف الأول من العام 2015، وبمعدل 20 جريمة شهرياً و5 جرائم أسبوعياً. وبالتأكيد، فإن المعدل السنوي لهذا العام سيكون مرتفعاً جداً في حال استمرت وتيرة الجرائم على ما هي عليه.

فالمجتمع اللبناني، وبحسب علم الاجتماع وعلم القانون، أصبح فعلياً يتّسم بظاهرة الجريمة، لدرجة أن الخبر عن حادثة أصبح عادياً: رجل يقتل زوجته بطريقة وحشية، مواطن يقتل آخر في وضح النهار بسبب أفضلية المرور أو بسبب موقف سيارة، صديق يقتل صديقه من أجل مبلغ زهيد من المال.. وغيرها من جرائم القتل.

ولأنه لم يعد بالإمكان تجاهل الظاهرة التي تعكس وجهاً من الوجوه الأشد خطورة في الواقع الاجتماعي، بحيث لا يكاد يمر يومان إلا وتحصل جريمة وربما أكثر في مختلف المناطق اللبنانية ولو تنوعت الدوافع والأسباب والظروف الخاصة بكل جريمة، يصبح تعداد الجرائم أشبه بقائمة طويلة مرعبة.

يحتلّ لبنان المرتبة السابعة عربياً والمرتبة 39 عالمياً، في مؤشّر الجريمة العالمي للعام 2016 الذي ضمّ 117 دولة، وصنّف من ضمن الدول التي تسجّل معدّل جريمة معتدلاً. وأما الإحصاءات الصادرة عن قوى الأمن الداخلي فتفيد أن لبنان سجّل في العام 2014 نحو 315 حادثة قتل، وأن الرقم انخفض إلى نحو 233 حالة في العام 2015، ومن ثمّ إلى 149 حالة في العام 2016.

وتركّز الأمم المتحدة على أربعة أسباب تؤدّي إلى ارتكاب الجريمة وهي:

أولا, الفقر الذي يؤلّد يأساً وغضباً.

ثانيا, مناخات الحرب والتسليح والمخدّرات والفلتان.

ثالثا, مناخات الطائفيّة والعنصريّة التي تؤجج النفور.

رابعا, التقاليد المشجّعة على الثأر والعنف. 

الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية

ويقول العميد السابق للمعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية الدكتور طلال عتريسي: غالباً، في حالات الجرائم العائلية، تكون الجريمة ذات بعد نفسي أو اقتصادي أو أخلاقي. ففي البعد الاقتصادي فقر، ديون...، الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة تدفع الناس الى السرقة والاعتداء وقد يقتل نفسه فقط، وفي البعد الأخلاقي يقتل الآخرين وقد يقتل نفسه، لكن الرائج حالياً هو حالات الاكتئاب أو المرض النفسي حيث ينهي حياته وحياة العائلة أو بعض أفرادها.

ويضيف عتريسي: كما أن التوتر العام المحيط بلبنان سواء في سوريا أو في بلدان أخرى، وما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي عبر الهواتف الذكية، تشجع من حيث تدري أو لا تدري، على القتل والسرقة والاعتداء، وتروج للعنف من خلال نقل مشاهد سفك الدماء والجرائم المروعة والإعدامات، حتى أصبح القتل عملية أكثر سهولة طالما أن النظر اعتاد عليها، بعد أن كان المشهد منفراً في البداية.

ويتوقف عند أسباب أخرى منها: تراجع هيبة القانون وفرض النظام. فهناك جرائم كثيرة لا تحل بشكل واضح وسريع عبر القانون، لهذا السبب يلجأ الناس الى ارتكاب الجرائم بشكل شخصي للانتقام بهدف تحصيل الحقوق أو رد الاعتداء. ويشدد على أن العقوبات هي العامل الأهم، لأنها تشكل الرادع، موضحاً وجوب أن تكون هناك عقوبات قاسية وواضحة وعلنية، لكي يفكر الإنسان مئة مرة قبل ارتكابه الجريمة، لأنه في كل بلدان العالم، هناك جرائم تُرتكب لكن هناك قوانين وعقوبات تنفذ بحق مرتكبيها. نحن بحاجة إلى مثل هذه القوانين والعقوبات والتنفيذ الواضح ومن دون أي تردد. فالكثير من مسلسل الجرائم شبه اليومي متعلق بشعور المجرم بأنه قد ينجو بفعلته، وهذه مسألة خطيرة جداً.

ويرى أن غياب القانون الردعي له دور في ارتفاع نسبة الجريمة لأن من يرتكب الجريمة، يرى أن من سبقه في هذا السياق لم يمكث في السجن سوى بضعة أشهر، أو أنه أفرج عنه بكفالة أو تدخل أحد السياسيين أو شخصية نافذة لإطلاق سراحه.

إعدام أم لا إعدام!؟

في كلِّ مرَّةٍ تقعُ فيها جريمة قتل في لبنان، ترتفع بعض الأصوات التي تُطالب بإنزال عقوبة الإعدام بالقتلة والمجرمين للحدّ من معدّلات الجريمة ولردع الإنسان عن استباحة حياة إخوته. ويذهب البعض لإستجلاب الحجج الدينيّة ليُدافع عن رأيه، فيما يذهب البعض الآخر إلى نبش بعض البراهين التاريخيّة التي قد تؤيد وجهة نظره. وقد طالب وزير الداخلية بالعودة إلى الإعدام.

في المقابل، يرى البعض أنه لا بدّ من المعالجة الجذريّة للأزمة، وأن الطريقة الأنسب هي بالبحث عن أسباب الجريمة واجتثاثها من المجتمع ومن ثقافته. فجرائم القتل التي يرتكبها البعض هي جرائم جماعيّة تشترك بها الأسرة والمجتمع والثقافة، ناهيك عن الإعلام والفساد السياسيّ والإنسانيّ على حدٍّ سواء. وقد يكون القاتل هو من ضغط بإصبعه على زناد المسدس ولكن هناك العديد من الأسباب التي دفعته إلى هذا الفعل، وهناك العديد من الأصابع المعنويّة التي شاركته الجريمة من خلف الكواليس.

وسواء كان الإعدام معتمداً أو لا، فالأحرى هو وضع حد للسلاح الذي يزداد تفلُّتاً، والذي يجد الغطاء السياسيّ. وقد يكون مفيداً التفكير: هل البلدان التي تعتمد عقوبة الإعدام نجحت في الحدّ منه كما البلدان التي تعتمد مبدأ إعادة التأهيل، كالدول الإسكندينافيّة التي تحوَّلت سجونها إلى مدارس ومراكز تأهيل؟ 
وجهتا نظر حول الإعدام، كمبدأ أخلاقي، لكل منها مبرراته وحججه. ولا يريد اللبناني أن يدخل في جدالات فلسفية حول مبدأ الإعدام. كل ما يريده هو انحسار الجريمة وعودة المجتمع اللبناني الطيب والمسالم إلى ما هو عليه حقاً، بالإعدام أو بدونه.

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment