غسّان تويني "الحيّ" أبداً، المتمرد دائماً

06/15/2017 - 21:31 PM

بقلم الدكتور فيليب سالم

وهل هناك كلام بعد، لم تقله في غسّان؟ سأل صديقي. وكيف تختصر رجلاً بكلام أو مقال؟ وماذا اذا كان الرجل غسّان؟ الانسان، يا صديقي، أي انسان، بل أصغر انسان، هو أكبر من الكلام، أكبر من كل الكلام.

عيد الميلاد الماضي كنت في بيروت. وذهبت كعادتي لأعايدك. فدخلت كنيسة مار متر وصليّت من أجل روحك، ومن اجل لبنان. وطلبت من الله ان يرعاكما وان يعانقكما بكل محبته ورحمته. خرجت من الكنيسة افتّش عنك بين المدافن التي تملأ المكان. لم أعرف الطريق إليك، وكأنني سمعت صوتاً " ولماذا تفتش عن الحي بين الموتى". وفجأة وقف ضريحك امامي، هذا الرخام الناصع البياض وهذه الزهور الحمراء التي تكلله، هنا يرقد غسّان ولماذا هذا الصمت الكبير؟ وكيف تكون انت هنا ولم تقم لأعانقك. خمسون سنة من الصداقة والمحبة والذكريات ترقد هنا. قسم مني يرقد هنا.

كان من الصعب عليّ ان أتركك وأعود الى سيارتي. سألني سائقي. الى أين؟ الى بطرام. هناك ترتاح نفسي. الضجيج يملأ الأرض في المدينة. كيف يكون هناك موت والبشر يلهثون وراء القشور؟ كيف يكون هناك موت والبشر يختبئون وراء اقنعتهم؟ يهربون من حقيقتهم؟ وكيف يكون هناك موت ونحن نبيع أنفسنا في السوق بأبخس الأثمان؟ في الطريق الى بطرام تذكرت الحوار الطويل عن الموت مع غسّان.

كان غسّان يسأل دائماً عن الموت. كان يعرف ان الموت يلاحقه من مكان الى مكان.

وماذا بعد الموت؟ كان سؤاله الدائم. لا بد من ان تكون هناك حياة؛ فالخالق هو إله الحياة. ألم يقل الله "من آمن بي وان مات فسيحيا؟" كان يعرف ان الموت كان ينتظره ولكنه كان يريد ان يبقى "حيا" بعد الموت. كان يرفض ان ينتهي الى لا شيء. وها انت يا غسّان اليوم سنين بعد الموت، قل لنا شيئا عن العالم الذي أنت فيه.

هل قلت كلاماً أو كتبت مقالاً؟ وهل رأيت الله؟ قل لنا ماذا سألت الله؟ كان عقله متوقداً دائما والسؤال عنده حاضر أبداً. وكما سأل عن الموت، كذلك سأل عن الحياة. أسئلة كثيرة عاشت معه وبقيت معه. كان يفتش دائما وبإلحاح عن الجواب. كان تلميذاً جيداً في الفلسفة. ودراسة الفلسفة لم تنته عنده بعدما ترك جامعة هارفرد. لقد ترك الفكر الفلسفي بصمات كبيرة على فكره. فهو كالفيلسوف كان يركض دائماً وراء الحقيقة. في الصحافة، كما في السياسة، كان يسأل الاسئلة الكبيرة. لقد أحب السياسة، وعشق الصحافة، الا ان حبّه الكبير كان حبّه للمعرفة.

في الطريق الى بطرام، الى يسارك، يمتد هذا البحر الأزرق الجميل ليأخذك الى العالم، والى يمينك تعلو هذه الجبال لتصعد بك الى حدود السماء. قرى ومدن صغيرة مبعثرة هنا وهناك. كم شهدت هذه الطريق الساحلية من حروب وشعوب وحضارات. منذ آلاف السنين والحضارات تتراكم هنا. هنا عاش الفينيقيون. هنا عاش يونانيون ورومان. وهنا عاش وثنيون ومسيحيون ومسلمون. هذا اللبنان هو ثمرة هذه الحضارات كلها. فلماذا اذا نحجّمه ونصغره ونقول عنه تارة إنه فينيقي وطوراً انه احدى هذه الحضارات؟ انه الحضارات هذه كلها. انه لبنان؛ لؤلؤة الحضارة في الشرق. إنه لبنان "الوطن الرسالة".

وماذا تبقّى من الرسالة؟ بل ماذا تبقّى من الوطن الذي كان صاحب الرسالة؟ بقيت الارض وبقيت ارادة الشعب. كاد الوطن ان يموت لأن "الراعي كان عدو الغنم". فماذا نقول لـ"الراعي"؟ نقول له نحن هنا. خيارنا هو التمرد. التمرد عليك. وحده التمرد يعود بنا الى لبناننا. كان غسّان رمز هذا التمرد. في الصحافة، كما في السياسة، كما في الفكر، كان متمرداً. كان ينظر حواليه فيرى لبنان المجمّد في النظام الطائفي والمكبّل بالفساد السياسي، فنادى بـ"الثورة".

فيوماً كانت ثورته "ثورة دستورية"، ويوما كانت ثورته "ثورة بيضاء"، ويوماً كانت "ثورة حضارية". كان ثائراً ولكنه كان ضد العنف. كان يخاف على الثورة من العنف لأن العنف يقتل براءة الثورة، ويحطم أهدافها. كانت الثورة عنده ترتقي بالحوار والحوار كان طريقه الى الحضارة. لقد ضاق به الحزب الذي انتمى اليه في شبابه، الحزب السوري القومي الاجتماعي، لأنه اصطدم ببنية أيديولوجية متشدّدة لم توفّر له المساحة الضرورية للحوار، ولم توفر له المساحة الضرورية للتمرد الحضاري، فترك الحزب الى الحرية.

كان انطون سعادة رجلاً فذاً عملاقاً في الكرامة وفي احترام النفس. لم يأت الى هذا الشرق رجل يحترم فكره ويموت من أجله مثل هذا الرجل. ولكنني اختلف معه في مفهومين: مفهوم الزعامة، ومفهوم لبنان. ان الذي يقبل بأن يكون لقبه "الزعيم" يصغّر مؤيديه ومحبيه، ويقلّص مساحة الحوار ويضعف القدرة على التمرد الحضاري فيكبّل الفكر ويقتل الابداع. ان الزعامة الحقيقية تتطلب الكثير من التواضع. فالتواضع ضروري للوصول الى الثورة الحقيقية. ان الثورة لا تحتاج الى زعيم، تحتاج الى قائد. واختلف مع سعادة في مفهومه للبنان.

كان يؤمن بأن لبنان وطن مميّز في الشرق، لكنّه لم يؤمن بأن استقلاله ضرورة لكي تحيا الحرية والتعددية الحضارية في هذا الشرق. ترك غسّان الحزب وعاد الى تمرّده. التمرد عنده كان فلسفة للارتقاء الحضاري الديناميكي الدائم. ولم يتمرد غسّان على الواقع، وعلى الآخرين، بقدر ما تمرّد على نفسه. كان يتمرد على كلمة كتبها أو كلام قاله أو فكرة آمن بها. قيل فيه إنه رجل الحرية، وقيل فيه إنه رجل الحوار والحضارة. وها قد جئت أقول فيه إنه رجل التمرد أيضاً.

لقد تمرد غسّان على الحياة، وتجرأ ان يتمرد على الموت، ولكنه لم يتمرد يوماً على الله. كان يؤمن بـ "إله واحد، آب ضابط الكل" وان الآب ارسل "ابنه الوحيد ليفتدي البشر"، وان الابن قد "صلب ومات وقام في اليوم الثالث"، وانه بعد قيامته "صعد الى السماء وجلس عن يمين الآب". كان تمرده يقف على حدود ايمانه. كانت نفسه لا تهدأ إلّا عندما تعانق الايمان. كان حبّه للمعرفة شيئاً من هذا الايمان. كذلك كان حبه للبنان.

لن ندعوك يا صديقي لتقوم من القبر وترى. لأنك سترى ما لم تره عين من انحدار سياسي وتردّ حضاري وانحطاط أخلاقي. ولهول ما ترى ستبقى صامتاً ولن تقوى على قول أو كتابة كلمة. ستبقى صامتاً وتعود الى قبرك.

نم يا صديقي. سيأتي اليوم الذي ستقوم فيه. ستقوم يوم القيامة. يوم يقوم لبنان من موته. 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment