الاعتراف أمام الوسائل المرئية والمسموعة "نظرة بين المشروعية والحجية"

12/08/2016 - 22:18 PM

 

فهيم الشايع *

تمثل الوسائل المرئية والمسموعة أهم الوسائل الاعلامية في يومنا هذا، وكثيراً ما تتضمن نشرات اخبارية وبرامج اجتماعية واقتصادية وفنية يستضاف فيها شرائح مختلفة من الناس، واحياناً تتضمن المادة المنشورة أو التي تبث على الجمهور اعترافات من قبل الاشخاص المتحدثين عن جرائم مختلفة، فما مشروعية هذا الاعتراف اذا ما تم تحريك شكوى على اثر صدوره، خصوصاً اذا كانت القضية تمس الحق العام، واذا خرجنا بمشروعيته فما هي حجيته من كونه يشكل دليل بحق من صدر منه من عدمه؟

تناول المشرع العراقي في قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم (23) لسنة 1971 في بعض مواده(128/ب،181/د) ما يصدر من المتهم لتوضيح ارتكابه الجريمة بين مصطلحين (الاقرار، الاعتراف)، ويضع فقهاء القانون أوجه تشابه واختلاف عديدة بينهما، وبالتدقيق لمحل ورود المصطلحين وكيفية ايرادهما نرى أن توجه المشرع العراقي مع من نادى ان الاقرار أوسع من الاعتراف.

يعرف الاعتراف بشهادة المرء على نفسه، وما يحصل أمام الوسائل المرئية والمسموعة هو يدخل ضمن الاعتراف الغير قضائي، وهذا يمكن أن يكون على نوعين امام ما يفرضه علينا الواقع العملي الذي تتبعه الوسائل المرئية والمسموعة في عملها، فالأول أن يكون الحوار أو اللقاء الذي تضمن الاعتراف مسجلاً، وهنا في أغلب الحالات سوف يُبلغ الشخص الذي يصدر منه الاعتراف بأن المادة المسجلة سوف تخضع لعملية المونتاج قبل الاذاعة أو البث أو النشر.

ونحن هنا أمام حالتين اما اذاعة - البث، النشر- المادة كما سجلت بدون مونتاج أو اذاعتها بعد المونتاج، ولا تختلف في الحالتين من حيث مشروعيتها، وهذا سيكون اما بموافقة الشخص الذي صدر منه الاعتراف فستكون الوسيلة مشروعة لعلمه وارادته ذلك، أو أن تكون الاذاعة - البث، النشر- جرت بدون موافقة الشخص الذي صدر منه الاعتراف، وهنا اختلف الفقه القانوني في مدى مشروعية هذه الوسيلة كون الجزء الذي يقع به الاعتراف قد تمت اذاعته - البث، النشر- بدون علم الشخص المعترف، فبعضهم يرى أن الوسيلة مشروعة كون القاضي حرٌ في تكوين قناعته تطبيقاً لقاعدة حرية الاثبات ما دامت الوسيلة مشروعة، ويرى الكاتب أنه خلطٌ بين المشروعية والحجية، بينما يرى القسم الاخر منهم أن التسجيل هنا غير مصرح به للنشر وهو يساوي حكم التسجيل بدون اذن فيُعدُ وسيلة خداع وغش فلا يصح التعويل عليه، الا أن جانباً منهم اضاف بأنه ممكن اعتباره قرينة في القضية، ويرى الكاتب أن الاعتراف في هذه الحالة متحصل بوسيلة غير مشروعة ولا يُمكن ادخاله من البداية في المكونات التي تساهم في تشكيل قناعات القاضي.

اما الحالة الثانية فهي الاذاعة - البث، النشر- المباشر فهنا يكون الشخص المعترف على علم بأن كل ما يدلي به يصل الى الجمهور، فتكون الوسيلة مشروعة وهذا يكون في حال كون الاعتراف صدر بإرادة مدركة دون اكراه، وهذا من المبادئ التي استقر عليها القضاء الامريكي " يجب أن يكون الاعتراف ارادياً لكي يقبل في الاثبات إذ ان اعتراف شخص بإختياره بارتكابه جريمة ليس امراً مألوفاً".

وقد رأينا ان الاعتراف كما يصدر بوسائل غير مشروعة فانه في حالات يكون الاعتراف امام الوسائل المرئية والمسموعة مشروعاً، فماذا عن حجيته امام المحكمة؟.

يذهب المشرع العراقي الى الأخذ بالاعتراف الصادر من المتهم في المحكمة سواء كان لأول مرة أو تأكيداً لما صدر منه - اعترافه - خارج المحكمة سواء كان عبر الوسائل المرئية والمسموعة أو غيرها كدليل بمفرده لكن هذا يأتي تحت شرطين، الاول اقتناع المحكمة بصحة الاعتراف الصادر عن المتهم، والثاني ان يقدر المتهم نتائج اعترافه هذا، فتمضي المحكمة في هذه الحالة الى اصدار حكمها دون الحاجة الى دلائل اخرى، وهذه القاعدة العامة اما الاستثناء فيأتي بعدة حالات، وهي انكار المتهم التهمة الموجهة له، وهذا يدخل ضمن الرجوع عن الاعتراف الغير قضائي، كذلك اذا رأت المحكمة أن اعترافه مشوب، وهذا يكون عندما لا يوجد تطابق بين الاعتراف وبين الحقيقة والواقع التي جرت عليها وقائع الجريمة، ولا تركن المحكمة الى الاعتراف بمفرده اذا كانت الجريمة معاقب عليها بالإعدام، وهي وسيلة اضافية لحماية المتهم، كون العقوبة مهمة.

ومن هنا نرى أن بعض صور الاعتراف الصادر عن المتهم عبر الوسائل المرئية والمسموعة يتوفر فيها المشروعية، لذا فهي يجب ان تعرض على المحاكم المختصة من خلال القنوات القانونية التي رسمها المشرع العراقي في المادة رقم (1) من قانون اصول المحاكمات الجزائية.

 *محقق قضائي

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment